ساعة واحدة
حين يصبح الحديد شاهدا.. فنانة لبنانية توثق الحرب بالشظايا
الجمعة، 18 سبتمبر 2026

حين عادت الفنانة التشكيلية وخبيرة الآثار اللبنانية لينا جوني إلى منزلها في بلدة رومين بقضاء النبطية، بعد أن هجرها العدوان الإسرائيلي عام 2024، لم تجد المكان الذي تركته كما كان.. الحرب تركت بصمتها على المنزل ومحيطه.. حجارة وقطع حديد وأسلاك وشظايا وبقايا قصف، وكل قطعة منها تحمل أثر لحظة من الحرب.
لكن جوني قررت ألا تترك هذه المخلفات شاهدة على الدمار فقط.
بدأت تجمعها، ثم تنظر إليها بعين الفنانة وخبيرة الآثار، قبل أن تمنحها أشكالا جديدة. تحولت الشظايا وقطع الحديد بين يديها إلى وجوه وأشكال ومجسمات، وتحولت معها ذاكرة الحرب من شيء يراد التخلص منه إلى أعمال فنية تحفظ حكايات المكان وأهله.
تقول جوني لـ"الجزيرة" إن الفكرة بدأت كرد فعل نفسي على ما رأته بعد عودتها إلى منزلها، ثم تحولت تدريجيا إلى مشروع فني. أرادت أن تتخلص هذه القطع من معناها المرتبط بالأذى، وأن تمنحها معنى جديدا. ومن بين أكثر أعمالها دلالة، قطعة من صاروخ تقول جوني إنه دمر منزلا مؤلفا من ثلاثة طوابق. لم تتركها على صورتها الأصلية، بل أعادت تشكيلها لتصبح أرزة لبنانية.
وكأن قطعة جاءت من الحرب لتدمير بيت، وجدت طريقها في النهاية إلى رمز للحياة والبقاء. ولم تتوقف الحكاية عند الأرزة.
بعض الشظايا تحولت إلى وجوه، وأخرى إلى أشكال تستحضر أشخاصا وأماكن عاشت الحرب أو فقدت أبناءها. وفي عمل آخر، استحضرت جوني أحداثا شهدتها مناطق النبطية وكفررمان وتلة علي الطاهر، مستخدمة الألوان والأشكال لربط كل عمل بالمكان الذي خرجت منه مواده.
لكن بعض القطع كانت تحمل قصصا أكثر قسوة.
من بين أعمالها قطعة ارتبطت بقصة أم قتلت مع طفليها، وأخرى لشخص تعرفه أصيب أكثر من مرة قبل مقتله. أعادت جوني تشكيل إحدى الشظايا في هيئة ترمز، وفق وصفها، إلى روح الرجل وهي تحلق.
ولم تعد الشظية مجرد قطعة من الحديد. أصبحت شاهدا. وذاكرة. وقصة إنسان.
وتقول جوني إن التعامل مع مخلفات القصف يختلف كثيرا عن الرسم التقليدي؛ فالحديد يحتاج إلى جهد لتشكيله، وإضافة الألوان إلى بعض القطع ليست عملية سهلة، لذلك تجرب أكثر من طريقة قبل أن تصل إلى الشكل النهائي.
ولكي توسع مشروعها، لم تكتف بما وجدته حول منزلها. شاركت في مواقع إزالة الركام، وجمعت قطع الحديد والشظايا والأسلاك وأعادت استخدامها في أعمالها.
وفي النبطية، صنعت من بقايا الركام تمثالا حمل عبارة: "منرفض نحنا نموت".
أما الحرب التي رأتها بعينيها، فلم تغب أيضا عن لوحاتها. حولت مشاهد الغارات والدخان إلى أعمال تستحضر مناطق مثل كفرشوبا والعديسة والخيام، إلى جانب وجوه وشخصيات بقيت عالقة في ذاكرتها. وربما كان تخصصها في الآثار جزءا أساسيا من هذه التجربة.
فجوني لا تنظر إلى قطعة الحديد أو الحجر باعتبارها مادة خاما فحسب، بل تراها جزءا من ذاكرة مكان ومرحلة وتاريخ.
Loading ads...
وهكذا أصبح الفن بالنسبة إليها وسيلة لمواجهة آثار الحرب، ليس بمحو ما حدث، وإنما بإعادة تشكيله.. حجر كان جزءا من الركام.. وشظية جاءت مع القصف.. وقطعة حديد نجت من الدمار.. كلها تتحول بين يديها إلى شيء آخر. شيء يقول إن الحرب قد تهدم المكان، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمنع الإنسان من إعادة بناء المعنى. وكما تقول جوني: "لحتى نرجع نخلق حياة ونستمر".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



