تطل الدراما السورية في موسم رمضان لعام 2026 بثوب جديد، بعد عام من سقوط نظام الأسد، لتروي حكايات كانت محظورة، غير أن هذا الانعتاق من رقابة الخوف، وإن كان يبعث على التفاؤل، فإنه يطرح إشكالية كبرى وهي كيف نتعامل مع رموز الثورة السورية على الشاشة؟ وهل يمكن لمسار درامي غير مسؤول أن يؤثر على الوعي الجمعي للشعب السوري وتشويه صورة هولاء الرموز؟
ما حدث ليس مجرد "مشهد تمثيلي" الجدل الذي أثارته مؤخراً مشاهد تعرض في مسلسلات تتحدث عن حقبة عشناها وعايشناها لم يكن وليد حساسية مفرطة، بل نابعا من ألم حقيقي، وذلك بسبب تضمن العمل لإساءة لفظية تستهدف الشهيد عبد الباسط الساروت وعلى لسان أحد ضباط النظام الساقط ، شعر الكثيرون أن جرحاً قديماً قد فُتح مجدداً .
صحيح أن الممثل أوضح أن المشهد يأتي في سياق درامي لتجسيد بشاعة النظام، وصحيح أن التمييز بين الممثل والدور ضرورة فنية بديهية، لكن السؤال الأعمق يبقى (كيف نقدم رموزنا للجمهور؟ هل يكفي أن يكون السياق "توثيقياً" لنبرر أي مشهد؟).
هنا تكمن المشكلة، الدراما ليست وثيقة تاريخية جامدة، إنها إعادة إنتاج للواقع بعين فنان، وهذه العين قد تكون مشوشة أحياناً، عندما تُعرض قضية بحجم الثورة السورية على جمهور رمضان، المكوّن من أطفال وعائلات وأناس يبحثون عن التسلية، يصبح الخط رفيعاً جداً بين التوثيق والاستخفاف.
دراما بين التوثيق والاستغلال التجاري
يبدو المشهد الدرامي السوري هذا العام وكأنه محاكمة رمزية للنظام السابق، نرى مسلسلات تتناول انقلاب حافظ الأسد، جرائم سرايا الدفاع في حماة، استعصاء سجن صيدنايا، وشهادات المعتقلين، هذا الكم من الموضوعات الحساسة يفرض تساؤلاً جوهرياً، هل نملك الأدوات الفنية والأخلاقية لمعالجتها؟
فالواقع الذي عشناه لا يمكن أن نتخيله، والمطلوب تعدى الجرأة بالطرح، بل بات يستوجب الجرأة الفنية من خلال معالجة بشكل محكم لتحقيق المتعة مع إحضار عناصر العرض التلفزيوني، وعدم دس السم في العسل كما يقال ولا حتى تحويل معاناة شعب كامل إلى مادة تجارية (خفيفة) لاستهلاك ليالي رمضان ثم تنسى لاستخفاف الطرح.
رموز الثورة.. خط أحمر
عبد الباسط الساروت، وغيره من الشهداء، لم يعودوا مجرد أشخاص عاديين، لقد تحولوا في الوعي الجمعي السوري إلى رموز وأيقونات، التعامل مع هؤلاء الرموز يحتاج إلى حساسية استثنائية، ليس المطلوب التقديس أو التنظيف، بل التصوير الأمين الذي يحفظ الكرامة ولا يحوّل الشهيد إلى مجرد "شخصية درامية" يمكن التلاعب بها.
الدراما ليست وثيقة تاريخية جامدة، إنها إعادة إنتاج للواقع بعين فنان، وهذه العين قد تكون مشوشة أحياناً، عندما تُعرض قضية بحجم الثورة السورية على جمهور رمضان، المكوّن من أطفال وعائلات وأناس يبحثون عن التسلية، يصبح الخط رفيعاً جداً بين التوثيق والاستخفاف.
الجمهور السوري اليوم، بعد أربع عشرة سنة من حرب ضروس، ليس جمهوراً عادياً، إنه جمهور يحمل في داخله ألف حكاية وجع، هو جمهور نخبوي، يبحث عن عمل ذي كفاءة إنتاجية عالية، ولن يقبل بالتشكيل الرديء.
ربما آن الأوان لوضع معايير أخلاقية للتعامل مع هذا الملف الشائك، ليس المطلوب رقابة جديدة تعيد إنتاج القمع، بل وعيا ذاتيا من صناع الدراما، ويجب أن تكون هناك شروط لصناعة العمل الدرامي، أن نبذل جهداً دؤوباً للوصول إلى أصل المعلومات، وألا نعتمد على القيل والقال، وأن ننتقي الأنسب مع احترام ذوي الشهداء، أو تأجيل بعض الأعمال حتى إتمام العدالة الانتقالية، ربما نحتاج إلى مسافة زمنية تسمح بتقديم الأعمال بروية وموضوعية، بدلاً من السباق المحموم على "موضة دراما المعتقلات" والنظام السابق، فمن غير المقبول أن يوصف الإنسان بالحيوان حتى لو تمثيلا، يقول البعض إنها دراما وأقول لهم هل يستطيع المسلسل ذاته وصف شخص في الحكومة الحالية بذات الصفات؟ بينما يتحدث البعض الآن أن النبي وصف بالكذب والجنون والشعر، ولكن لا يجرؤ أحد على إهانة كرامة الإنسان حتى لو كانت في التمثيل.
الدراما السورية تعيش لحظة تاريخية نادرة، بعد عقود من التعتيم، صار بإمكانها أن تقول ما لم تقله، لكن هذه الحرية مسؤولية كبرى، الاستهانة برموز الثورة، حتى بحجة التوثيق الدرامي، ليست مقبولة.
Loading ads...
نحتاج إلى دراما تكشف جرائم النظام دون أن تهدر كرامة الضحايا، دراما توثق دون أن تستغل، وتؤلم دون أن تجرح، دراما تحترم ذاكرة شعب دفع ثمناً باهظاً ليكون حراً، وعندها فقط، ستكون الشاشة مرآة صادقة، لا وعاء فارغاً يُعبأ بما يروج في السوق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

افتتاح جامع دوما الكبير بريف دمشق بعد ترميمه وتأهيله
منذ ثانية واحدة
0




