في نهائي دوري الأمم الأوروبية عام 2021 سجل "كيليان مبابي" هدف الفوز الحاسم لمنتخب فرنسا ضد إسبانيا، ليمنح منتخب "الديوك" لقب البطولة في هدف أثار جدلًا تحكيميًا واسعًا آنذاك بسبب شبهة التسلل.
وأحرز "مبابي" الهدف في الدقيقة 80 من المباراة بعد تلقيه تمريرة متقنة من "تيو هيرنانديز"، ليهز شباك الحارس الإسباني "أوناي سيمون".
وبينما انشغلت الجماهير بالهدف نفسه، دار جدل حقيقي حول تفصيلة صغيرة سبقت التسجيل بلحظات، إذ غيّرت لمسة من مدافع إسباني تفسير اللقطة بالكامل وجعلت هدف مبابي قانونيًا وفقًا لقوانين اللعبة.
وهكذا يمكن أن تتغير الأحداث بمجرد لمسة خفية تعيد تشكيل قراءة المشهد، وفي أسواق النفط اليوم، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا يشبه تلك اللمسة الخفية.
فبعد أن اعتاد المتعاملون مراقبة اجتماعات أوبك، والتوترات الجيوسياسية، ومخزونات الخام الأمريكية، وحركة الاقتصاد العالمي، ظهر لاعب جديد مؤخرًا لا يمتلك آبارًا أو ناقلات أو مصافي تكرير.
وأصبح هذا اللاعب مؤثرًا بصورة متزايدة في كيفية قراءة السوق للمعلومات واتخاذ قرارات البيع والشراء.
ولم يعد السؤال ما إذا كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم داخل صناعة النفط، فذلك أصبح حقيقة واقعة في مجالات الاستكشاف والإنتاج والصيانة، لكن السؤال الأكثر إثارة هو ما إذا كانت هذه التقنيات بدأت تؤثر بصورة غير مباشرة في عملية تسعير النفط نفسها أم لا.
وبينما لا يزال سعر برميل النفط يتحدد في النهاية عبر العرض والطلب والعوامل الاقتصادية والجيوسياسية التقليدية، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في كل مرحلة تقريبًا من مراحل تكوين التوقعات التي تسبق حركة الأسعار.
من التنبؤ إلى التأثير
لطالما كانت القدرة على التنبؤ باتجاهات السوق مصدرًا للميزة التنافسية في تجارة النفط، إلا أن حجم البيانات التي يتعين تحليلها اليوم تجاوز قدرة البشر على المعالجة السريعة.
فأسواق الطاقة تتأثر بآلاف المتغيرات تشمل بيانات المخزونات والإنتاج والطقس وحركة السفن والعقوبات والأحداث العسكرية والمؤشرات الاقتصادية.
هنا دخلت أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستطيع معالجة كميات هائلة من البيانات في ثوانٍ، وربط متغيرات يصعب على المحللين التقليديين اكتشافها.
وتشير دراسات حديثة إلى أن نماذج التعلم الآلي، باتت تحقق نتائج أكثر دقة من العديد من النماذج الاقتصادية التقليدية في توقع أسعار النفط وتقلباته.
كما أظهرت أبحاث منشورة خلال عام 2025 أن دمج الذكاء الاصطناعي مع البيانات الاقتصادية والأخبار العالمية يمكن أن يحسن بشكل ملموس القدرة على توقع صدمات أسعار السلع الأولية، بما فيها النفط.
لكن التنبؤ لا يعني تسعيرًا مباشرًا، فالسعر لا يتحرك لأن نموذجًا تنبأ بشيء ما، بل لأن المستثمرين والمتداولين يتخذون قرارات استثمارية بناءً على هذه التوقعات.
الخوارزميات تتاجر بالنفط
على مدى عقود، اعتمد تداول الطاقة على التحليل البشري لأساسيات السوق التقليدية، مثل بيانات المخزون، ومعدلات تشغيل المصافي، وبيانات الشحن البحرية.
أما الآن فقد باتت منظومة التداول الحديثة تحت هيمنة الصناديق الكمية وشركات التداول عالي الكثافة التي تنشر بنيات ذكاء اصطناعي معقدة لتنفيذ صفقات في أجزاء من الثانية حيث تُعالج نماذج التعلم الآلي مجموعة واسعة من البيانات غير المنظمة.
وقد أدى الحجم الهائل للمشاركة الخوارزمية إلى تغيير جذري لآليات السوق، إذ تشير تقديرات المؤسسات المالية الكبرى، مثل جيه بي مورجان، إلى أن التداول الخوارزمي والكمي يستحوذ على نحو 60% من الحجم اليومي في أسواق العقود الآجلة للطاقة.
وفي هذا الإطار أشار "راسل هاردي"، الرئيس التنفيذي لشركة فيتول، أكبر متداول مستقل للنفط في العالم، خلال مؤتمر "سيرا ويك" في هيوستن عام 2025، إلى وجود ما وصفه بـ"سباق تسلح" في مجال التداول المعتمد على الذكاء الاصطناعي داخل أسواق النفط.
النفط لا يُسعر بالخوارزميات وحدها
ورغم هذا التقدم، فإن الحديث عن أن الذكاء الاصطناعي أصبح المحدد الرئيسي لسعر النفط سيكون مبالغة كبيرة.
فخلال عام 2025، ظلت توقعات الطلب العالمي الصادرة عن أوبك والوكالة الدولية للطاقة وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية من بين أكثر العوامل تأثيرًا في اتجاهات السوق.
كما بقيت القرارات الإنتاجية لتحالف أوبك+ والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية عناصر رئيسية في تشكيل الأسعار.
فعندما تقرر أوبك+ زيادة أو خفض الإنتاج بمئات الآلاف من البراميل يوميًا، أو عندما تتعرض خطوط الإمداد لمخاطر جيوسياسية، فإن تأثير هذه الأحداث يفوق بكثير قدرة أي نموذج ذكاء اصطناعي على إعادة تشكيل السوق بمفرده.
لذا فإن الذكاء الاصطناعي لا يصنع أساسيات السوق، لكنه أصبح أداة متقدمة لقراءتها والتفاعل معها بسرعة غير مسبوقة.
استثمارات متزايدة في الخوارزميات
التحول لا يقتصر على المضاربين وصناديق التحوط، فشركات تجارة السلع العملاقة مثل فيتول وترافيغورا وميركوريا وجونفور تستثمر بصورة متزايدة في علوم البيانات والتحليلات المتقدمة.
ووفقًا لتحليل أجرته شركة ماكينزي ونقلته وكالة رويترز، ساهم صعود اللاعبين المعتمدين على البيانات والتقنيات الحديثة في استمرار مستويات الربحية المرتفعة داخل قطاع تجارة السلع الأولية حتى مع تراجع التقلبات مقارنة بفترة أزمة الطاقة العالمية.
كما أشارت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد المسارات الرئيسية التي يمكن أن تخلق قيمة إضافية لشركات التجارة خلال السنوات المقبلة.
ولم تعد الميزة التنافسية تعتمد فقط على امتلاك الناقلات أو المستودعات أو العلاقات التجارية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بامتلاك نماذج قادرة على تحليل البيانات أسرع من المنافسين.
الذكاء الاصطناعي يغيّر طبيعة المعلومات
من أهم التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي أنه غيّر طبيعة المعلومات نفسها، ففي السابق كان المحللون يعتمدون على التقارير الرسمية وبيانات الحكومات والشركات.
أما اليوم، فأصبحت النماذج المتقدمة قادرة على تحليل صور الأقمار الصناعية لمستويات التخزين، وتتبع حركة السفن في الوقت الفعلي، وقراءة آلاف الأخبار والتقارير والمنشورات خلال دقائق معدودة.
وهذا يعني أن الفجوة الزمنية بين ظهور المعلومة وانعكاسها على الأسعار أصبحت أقصر من أي وقت مضى، وكلما ازدادت سرعة انتقال المعلومات، أصبحت الأسواق أكثر حساسية وأسرع استجابة للأحداث.
لكن هذه السرعة تحمل جانبًا آخر؛ إذ قد تؤدي أحيانًا إلى تضخيم ردود الفعل قصيرة الأجل، خاصة عندما تتفاعل أنظمة متعددة مع الإشارات نفسها في الوقت ذاته.
تأثير غير مباشر للذكاء الاصطناعي على الأسعار
بعيدًا عن تداولات الأسواق، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل منحنى التكلفة المادية لإنتاج النفط، والذي يمثل أبرز عوامل التسعير على المدى الطويل.
وتقوم الشركات النفطية الكبرى مثل توتال إنرجيز وشل إلى جانب مشغلي النفط الصخري في أمريكا الشمالية، بدمج الذكاء الاصطناعي في تدفقات عمل الاستكشاف والحفر.
وتُعالج الخوارزميات مراحل رئيسية في عمليات الاستكشاف بدقة غير مسبوقة، مما يتنبأ بخصائص المكامن ويحدد أهداف الحفر عالية الإنتاجية بنفقات رأسمالية أقل بكثير.
ومن خلال تحسين مسارات الحفر الأفقي وأتمتة ضغوط التكسير الهيدروليكي في الوقت الفعلي، خفض الذكاء الاصطناعي بشكل كبير تكاليف إنتاج التعادل للآبار الجديدة.
ووفقًا للمراجعات الفنية الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، فإن اعتماد التوائم الرقمية والصيانة التنبؤية القائمة على الذكاء الاصطناعي في المنصات البحرية قد خفض فترات التوقف التشغيلي غير المخطط لها بنسبة تصل إلى 20%.
وكما أن لمسة صغيرة من مدافع إسباني غيّرت تفسير لقطة صنعت هدفًا تاريخيًا في نهائي دوري الأمم الأوروبية، فإن الخوارزميات لا تغيّر قواعد سوق النفط ولا تتحكم وحدها في نتيجته، لكنها قد تغيّر طريقة قراءة المشهد بالكامل.
ليصبح الذكاء الاصطناعي في أسواق النفط أشبه بذلك اللاعب الذي لا يسجل الأهداف وحده، ولا يحدد نتيجة المباراة بمفرده، لكنه يظل حاضرًا في كثير من الهجمات التي تعيد تشكيل اتجاه اللعب.
Loading ads...
المصادر: أرقام- رويترز- بلومبرج- إس آند بي جلوبال كوموديتي إنسايتس- أوبك- مجلة كوموديتي إنسايتس- مجلة تكنولوجيكال فوركاستينج آند سوشال تشينج- أبحاث أركايف- ماكينزي آند كومباني
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





