في العادة، ومن حيث المبدأ، يمثِّل البرلمانُ الشعبَ، وفيه تظهر روحُ الشعب؛ فالنظرية تفيد أنَّ الشعبَ يُنتِج برلمانًا يعبِّرُ عنه ويمثِّل إرادته العامة. ولكن، لا بأس أن نتنازل عن هذه الفكرة، مع أنّها في غاية الأهمية، لأن المرحلة انتقالية، والمشكلات التي تعيق تحقيق هذه الفكرة النظرية أكبرُ من أن تُذلَّل موضوعيًا.
ولكن، بعد هذا التنازل، يمكن أن نسأل السؤال بطريقةٍ عكسيَّة، وبدلًا من أن نسأل: أيُّ برلمانٍ نتج من الشعب؟ نسأل: أي مفهومٍ للشعب سوف ينتج من هذا البرلمان؟
كم منهم من معارضي السلطة، ومن غير المتفقين مع نهجها السياسي والاقتصادي ومقارباتها العامة؟
ثمة فرقٌ كبيرٌ بين العبارتين الآتيتين: "ينتج الشعبُ برلمانًا يعبِّر عنه"، و"تنتج السلطة برلمانًا يعبِّر عن الشعب". العبارة الأولى هي الحالة المتفق عليها في آخر ما توصلت إليه العلوم السياسية التي نعرفها، وقد قيل لنا أنّها ليست ممكنة في وضع سوريا الاستثنائي بعد التحرير، وقبلنا بغياب هذه الإمكانية عن طيب خاطر، لذلك نتنازل عن السؤال المرتبط بهذه الحالة المبدئية، أي عن السؤال الاعتيادي الذي يناقش ماهية البرلمان بوصفه مؤسسة تعبِّر عن الإرادة العامة للشعب. أما العبارة الثانية، فلا يزال السؤال المرتبط بها مُهمًا، ولا ينبغي أن نتجاوزه، أو أن نتنازل عن حقنا في التفكير في إجاباته، لأنّه يدل على فهم السلطة لمفهوم الشعب؛ فالسلطة عندما تقول أنّها غير قادرة على الخيار المبدئي الذي ينتخب فيه الشعب ممثليه، ولذلك لجأت إلى إنتاج برلمانٍ بنفسها ليكون معبرًا عن الشعب؛ فهذه بالنسبة لنا فرصة نادرة لنفهم كيف تفهم هذه السلطة مفهوم الشعب السوري. وهذه أيضًا فرصة نادرة لنفهم إلى أي مدى تتفهم هذه السلطة أن يكون للمحكومين سلطةً عليها، يمارسونها من خلال ممثليهم في البرلمان الذي من المفترض أن يُسائِل، ويحاسِب، ويثق، ويحجب الثقة.. وهذا الفهم، بتقديرنا، يُحدِّد الكثير من المسائل التي تتعلق بمستقبل هذه السلطة، ومدى تقاطع تطلعاتها وأهدافها مع تطلعات السوريين وأهدافهم، وقدرتها على تحقيق طموحاتهم. وبطبيعة الحال يرتبط هذا الفهم أيضًا بمدى قدرة هذه السلطة على الاستمرار في حكم سوريا..
إذًا السؤال المهم بحق الذي بين أيدينا الآن: أي شعبٍ سوف ينتج من هذا البرلمان؟ أو كيف نفهم فكرة الشعب السوري من خلال هذا البرلمان؟
ثمة سبعون عضوًا تم تعيينهم مباشرة ضمن ما يُعرف بـ "قائمة رئيس الجمهورية"، ويعبِّر هؤلاء، مجتمعين، عن فهم السلطة لمفهوم الشعب. فإذا فحصنا خلفياتهم، وطبيعة علاقتهم بالسلطة، وطبيعة فاعليتهم في المجتمع، أمكن لنا أن نقترب من هذا الفهم. صحيحٌ أن التسرُّع في الإجابة غير صحيح، ولا ينبغي أن نكون متسرعين، إلا أن تطبيق هذا المنهج مُفيد، ولذلك نسأل مجموعة من الأسئلة حول الأعضاء السبعين من دون أن ندعي معرفة إجاباتٍ منتهية عنها، إنما نطرحها منهجَ تفكير:
السؤال الأول: كم منهم من معارضي السلطة، ومن غير المتفقين مع نهجها السياسي والاقتصادي ومقارباتها العامة؟ وبهذا السؤال نختبر قدرة السلطة على احتمال الحرية، ومدى قابليتها لتحقيق نجاح في فكرة تدبير الاختلاف، وتجاوز المجتمع المتجانس الذي بنى عليه النظام البائد فهمه للشعب الذي كان يقوم على فكرة أن من هو معي سوري، ومن هو ضدي خائن.
وسؤال ثانٍ: كم منهم يتقن التشريع، ومأسسة التشريع؟ وبطرح هذا السؤال، ومحاولة الإجابة عنه، قد نفهم إلى أي حدٍ تهتم هذه السلطة بعملية المأسسة القانونية للعقل العمومي التداولي الذي يتم بناؤه تحت قبة البرلمان، ونفهم بوساطة هذا السؤال أيضًا مدى أهلية هذه السلطة لفهم الاستعمال العمومي للعقل بوصفه أهلية للسياسية ايضًا، وهذه الأهلية مسألة تحتاج إلى تأسيسٍ وتمرينٍ مستمرٍ لا ينتهي. حتى إنَّ أعرقَ برلمانات العالم لا تزال تقوم بهذا التمرين.
هل يمتلك الأعضاء المُعيَّنون التأهيل اللازم لفهم روح الشعب، والتقاط سردية وطنية ملائمة لتعزيز هذه الروح؟
وسؤال ثالث: كم من الأعضاء المُعينين يقتنع بمبدأ الوحدة السياسية، ويفهمه، ويتشبَّع به ليكون قادرًا على ممارسة التعددية، والعمل بوصفه نائبًا وطنيًا وليس فئويًا؟ وهذا يعني أن نقيس قدرة الأعضاء على تمثيل فئاتهم بوصفها تيارات مدنية، لا عصبيات مناطقية، أو قبلية، أو طائفية، أو ما إلى ذلك. وتدل كلمة "الشعب"، في عمقها الفلسفي، على مأسسة فعل الحرية، ومأسسة التعددية؛ فالسياسة والتشريع يقومان على مفهوم التعددية بوصفه مادة الحرية، ومادة السياسية، والأهم أنّه مادة الديمقراطية: تلك اللفظة الغائبة، أو المغيبة عن البلاد. ولو لم يكن البشر مختلفين لما كنَّا بحاجةٍ إلى السياسة، ولكانت مفهومات القبيلة، والطائفة، والملة، كلُّها مفهوماتٍ قادرةً على استبدال مفهوم الشعب، وتعويض غيابه. وتشير التعددية إلى استحالة اتفاق آراء البشر في مقاربة موضوعٍ واحد، ولكنَّ وحدتهم تكمن في هذا الاختلاف تحديدًا، فوحدة المتجانسين لا تعني وحدة سياسية، بل هي وحدة عضوية تكون مضادة للسياسة. وإن لم تنفتح العقول على الوحدة مع المختلفين، تقع في فخ المٍثليَّة السياسية، الفخ نفسه الذي وقعنا فيه سابقًا، مرارًا وتكرارًا، والذي وقعت فيه السلطة الحالية تحديدًا في أكثر من مرة، ولا تزال تقع فيه نفسه. المِثليّ في السياسة هو ذاك الذي
لا يعمل إلا مع الذين مثله، في حين أن السياسة تمَّ ابتكارها لكي نكون قادرين على العمل والإنتاج والابتكار وصناعة السلام مع من هم ليسوا مثلنا..
Loading ads...
وسؤال رابع: هل يمتلك الأعضاء المُعيَّنون التأهيل اللازم لفهم روح الشعب، والتقاط سردية وطنية ملائمة لتعزيز هذه الروح؟ وثمة ما هو خطيرٌ في هذه الفكرة بحق؛ فإن أخفق هؤلاء في فهم روح الشعب السوري، وفي تبني سردية وطنية مشتركة لهذا الشعب من دون إقصاء، ومن دون الوقوع في المثلية السياسية، وإن أخفقت مقارباتهم التي لم يُتح لنا إلى الآن سماعها بوصفنا الشعب الذين يمثلونه؛ فأي روحٍ سيفهمون؟ وروحُ من سيمثِّلون؟ في الحقيقة، إن أخفقوا سيمثِّلون روح السلطة، وإن فعلوا ذلك، فإنّهم سيضرون بالسلطة نفسها بالدرجة الأولى، وسيخفقون في حمايتها من ذاتها، وأكثر ما تحتاج إليه هذه السلطة هو حمايتها من ذاتها، أو قُل: من نفسها الأمَّارة بالسوء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

