ساعة واحدة
"تاريخ نكتبه… تاريخ نقرؤه".. إطلاق معرض الكتاب الأول في سوريا بعد التحرير
الثلاثاء، 10 فبراير 2026
في لحظةٍ ثقافيةٍ تحمل دلالات تتجاوز الكتاب والقراءة، تطلق دمشق مساء اليوم الخميس أول معرض للكتاب في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع وتحرير البلاد، في حدثٍ يعكس تحوّلًا عميقًا في العلاقة بين الدولة والثقافة، وبين السلطة والكلمة.
فعلى امتداد عقود، خضعت الحياة الثقافية السورية لرقابة أمنية صارمة فرضها نظام الأسد، حوّلت الكتاب إلى مادة خاضعة للفحص والمصادرة، وأخضعت دور النشر والكتّاب لشروط سياسية وأمنية حدّت من حرية التعبير، ودفعت كثيرًا من العناوين الجادة إلى المنع أو النشر خارج البلاد.
واليوم يأتي هذا المعرض بوصفه كسرًا صريحًا لتلك الحقبة، وإعلانًا بأن الثقافة السورية تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الانفتاح واستعادة الرواية الوطنية بعيدًا عن الاحتكار والتوجيه.
معرض ما بعد التحرير… استعادة السردية الثقافية السورية
تفتتح وزارة الثقافة معرض دمشق الدولي للكتاب بنسخته الاستثنائية الأولى بعد التحرير، تحت شعار "تاريخ نكتبه… تاريخ نقرؤه"، في إشارة واضحة إلى الرغبة في إعادة صياغة الهوية الثقافية السورية، وترسيخ الكتاب بوصفه أداة مركزية لبناء الوعي والمعرفة.
ويعكس الشعار، وفق القائمين على المعرض، رؤية ثقافية تقوم على استعادة السردية السورية التي جرى تشويهها أو تهميشها خلال سنوات طويلة، وإتاحة المجال أمام تعددية فكرية غابت قسرًا عن المشهد الثقافي.
وفي هذا السياق، أكد وزير الثقافة محمد ياسين صالح أن المعرض يشكّل حدثًا استثنائيًا يجسد مرحلة ما بعد التحرير، ويعبّر عن هوية ثقافية سورية جديدة ترتكز على حرية الفكر واتساع فضاء التعبير بعد عقود من هيمنة الفكر الواحد، مشددًا على أن الكتاب يعود اليوم إلى موقعه الطبيعي بوصفه ركيزة أساسية في بناء الإنسان السوري.
وأضاف الوزير، في لقاء مع قناة الإخبارية أمس الأربعاء أن المعرض يعكس صورة سوريا المتجددة التي تستعيد دورها الحضاري، وتفتح أبوابها أمام العالم ليقرأ تاريخها كما كتبه أبناؤها بتضحياتهم.
مشاركة دولية واسعة وكسر العزلة الثقافية
ويشهد المعرض هذا العام مشاركة أكثر من 500 دار نشر عربية وأجنبية من 35 دولة، تعرض ما يزيد على 100 ألف عنوان في مجالات الأدب، والتاريخ، والفكر، والعلوم، والفنون، في حضور ثقافي وُصف بأنه الأكبر منذ سنوات، بحسب ما نشرته وزارة الثقافة عبر موقعها الرسمي.
ويرى متابعون أن هذا الإقبال يعكس عودة دمشق إلى الخارطة الثقافية العربية والدولية، بعد مرحلة طويلة من العزلة التي فرضتها السياسات الثقافية للنظام السابق، والتي حوّلت المعارض إلى مناسبات شكلية تخضع للرقابة والانتقاء المسبق.
وبحسب مثقفين تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا، فإن أهمية هذه المشاركة لا تكمن فقط في عدد الدور والعناوين، بل في تنوع المرجعيات الفكرية واللغات والاتجاهات، ما يمنح القارئ السوري فرصة نادرة للاطلاع على إنتاج معرفي كان محجوبًا عنه، ويعيد وصل سوريا بحركة النشر العالمية، بعد أن فُرضت عليها عزلة ثقافية موازية للعزلة السياسية.
حرية النشر وتسهيلات لإعادة إحياء صناعة الكتاب
وفي خطوة تهدف إلى تشجيع عودة دور النشر العربية والدولية إلى سوريا، أعلنت وزارة الثقافة عن تقديم تسهيلات واسعة، شملت الإعفاء من رسوم الإيجار، وتحمل تكاليف الشحن، وتبسيط الإجراءات التنظيمية، في محاولة لإعادة إحياء صناعة النشر التي تضررت بشدة خلال السنوات الماضية.
وأوضح وزير الثقافة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار رؤية شاملة لإعادة بناء القطاع الثقافي على أسس جديدة، تقوم على الشراكة مع الفاعلين الثقافيين، لا على إخضاعهم أو توجيههم.
وعليه يمكننا القول إن هذه الخطوات تمثل تحولًا جوهريًا مقارنة بالسياسات السابقة، حيث كانت دور النشر تخضع لموافقات أمنية معقدة، وتواجه قيودًا صارمة على العناوين والموضوعات، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الثقافي المحلي وهجرة كثير من الكتّاب إلى الخارج.
فعاليات ثقافية وجوائز تعيد الاعتبار للكتاب
يرافق المعرض برنامج ثقافي واسع يضم أكثر من 650 فعالية متنوعة، تشمل محاضرات فكرية، وندوات ثقافية، وجلسات حوارية، وأمسيات أدبية، وورشات عمل علمية وأدبية، إضافة إلى فعاليات خاصة بالأطفال والشباب تهدف إلى ترسيخ ثقافة القراءة في الأجيال الجديدة. كما يتضمن البرنامج إطلاق أكثر من سبع جوائز ثقافية، من بينها جوائز لأفضل الناشرين السوريين والعرب والدوليين، وجائزة أفضل ناشر شاب، وجوائز مخصصة لكتب الأطفال، إلى جانب فعاليات خاصة بالخط العربي والفنون والترجمة.
ويستضيف المعرض عددًا من الكتّاب والمفكرين العرب والأجانب، من بينهم عبد الكريم بكار، عبد الرحمن الحاج، أيمن العتوم، أدهم الشرقاوي، وياسين أقطاي، إضافة إلى صناع أفلام ومبدعين من دول عربية وأجنبية، في تأكيد على أن المعرض لا يقتصر على عرض الكتب، بل يسعى إلى خلق فضاء حي للحوار الثقافي وتبادل الأفكار.
في هذه الدورة لا يعود معرض دمشق الدولي للكتاب مجرد فعالية ثقافية دورية، بل يتحول إلى علامة فارقة في مسار سوريا ما بعد التحرير، ورسالة بأن الثقافة لم تعد أداة بيد السلطة، بل فضاءً حرًا للنقاش والمعرفة.
Loading ads...
"تاريخ نكتبه… تاريخ نقرؤه" هو إعلان عن بداية مرحلة تُستعاد فيها الكلمة من قبضة الرقابة، ويُعاد فيها الاعتبار للكتاب بوصفه شاهدًا على التحول السوري، ورافعة أساسية في بناء وعي جديد يواكب تطلعات المجتمع نحو الحرية والانفتاح.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




