32 دقائق
عبر غرينلاند.. أمريكا تعيد هندسة القطب الشمالي دفاعيا أمام روسيا والصين
الإثنين، 21 سبتمبر 2026
لم يعد ذوبان الجليد في القطب الشمالي مجرد تغير بيئي يناقشه المعنيون بقضايا الاحترار المناخي، بل تحول إلى صراع جيوسياسي يعيد رسم خرائط الأمن الدولي ويدور بشأنه تنافس ثلاثي محتدم بين القوى الكبرى.
فموسكو تواصل عسكرة شواطئها القطبية وتوسيع أسطول كاسحات الجليد النووية وتأمين "طريق بحر الشمال"، ولم تبتعد الصين عن المشهد؛ إذ اقتحمت المعادلة بصفة "دولة شبه قطبية" تدفع بمشروع "طريق الحرير القطبي" وتطمح إلى اختصار خطوط الملاحة العالمية.
وفي قلب هذا التحول الإستراتيجي، تستقر جزيرة غرينلاند؛ تلك الرقعة الجغرافية الشاسعة التابعة للتاج الدانماركي، بوصفها حجر الزاوية الذي تسعى واشنطن من خلاله إلى إعادة هندسة المنظومة الدفاعية للقطب الشمالي من بوابته الأطلسية، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام ضرورة صياغة مقاربة دفاعية نوعية توقف هذا التمدد عند حدوده الحالية.
ووسط هذه المعطيات المتشابكة، شكّل التوصل إلى اتفاق أمني ثلاثي ملزم بين الولايات المتحدة والدانمارك وحكومة غرينلاند، والمقرر توقيعه رسميا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك؛ خطوة حاسمة لتحويل الجزيرة إلى حائط صد متقدم.
ولا تقتصر أهمية هذا التفاهم على طي صفحة مليئة بالجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول ضم أو شراء الجزيرة لحماية "الأمن القومي الأمريكي"، إذ إنه يؤسس لمرحلة تحصين إستراتيجي شامل تمنح واشنطن وكذلك حلف شمال الأطلسي (ناتو) نفوذا دائما يغلق بابا كبيرا أمام الطموح الروسي والصيني في القطب الشمالي.
تفرض الجغرافيا العسكرية لجزيرة غرينلاند حضورها كمحور لا غنى عنه في حسابات الإنذار المبكر والاعتراض البحري لحلف الناتو؛ فالجزيرة تتربع على مسارات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وتطل مباشرة على الممرات البحرية الحيوية التي تتيح الولوج نحو المحيط الأطلسي مباشرة.
وفي تفكيكه لأبعاد هذا التموضع، يشير الباحث في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي ريتشارد ويتز إلى أن المساعي الأمريكية تتجاوز حماية أصول الفضاء التقليدية، على الرغم من القيمة الفائقة للجزيرة في رصد وتتبع أي صواريخ باليستية روسية قد تعبر فوق القطب الشمالي.
ويوضح ويتز -في تصريحاته للجزيرة- أن واشنطن تمتلك بالفعل بنية تحتية للدفاع الصاروخي هناك، لكن ما تكرسه الاتفاقية الجديدة هو نشر منظومات رادارية متطورة وشبكات استشعار حديثة ترفع جاهزية الاستجابة لأي تهديد جوي أو فضائي.
ويستدرك الباحث في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي بالتأكيد على أن الثقل النوعي للتحرك الأمريكي ينصب بالدرجة الأولى على حماية المجال البحري لشمال الأطلسي، حيث يبرز الدور المحوري للجزيرة في تتبع واعتراض مسارات الغواصات الروسية وإبقائها محاصرة خلف خطوط الانتشار المتقدمة، لمنع اقترابها من السواحل الشرقية للولايات المتحدة أو كندا.
وهذه القراءة يعززها تحليل الباحث في المعهد الدانماركي للدراسات الدولية ميكل أولسن، الذي يرى أن التواجد الأمريكي الذي تركز تاريخيا في "قاعدة بيتوفيك الفضائية" (المعروفة سابقا بقاعدة ثول بموجب اتفاقية 1951) مقبل على توسع نوعي وميداني لافت.
ويلفت أولسن -في تصريحاته للجزيرة- إلى أن واشنطن تتجه بموجب بنود التفاهم الجديد نحو إقامة منشآت وتسهيلات عسكرية إضافية في مواقع مختارة من الجزيرة، الأمر الذي يحمّل غرينلاند مسؤولية متنامية ضمن المنظومة الدفاعية المشتركة لحلف الناتو لاحتواء الأنشطة العسكرية الروسية.
ويستمد هذا الإجراء أهميته من إشراف غرينلاند المباشر على ممر "غيوك" الإستراتيجي الفاصل بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة؛ وهو المنفذ الأساسي لخروج الغواصات الروسي نحو مياه المحيط الأطلسي. ومن شأن منح القوات الأمريكية حقوق وصول عسكري وتسهيلات تحليق غير مقيدة أن يحول هذا الممر إلى نقطة ارتكاز تعيد فرض قواعد الاشتباك لصالح الدول الحليفة.
وحمل مسار التفاوض بشأن التواجد الأمريكي في غرينلاند ترتيبات أمنية متشابكة بالتوازي مع شحنة من المتطلبات السياسية المعقدة؛ إذ تطلّب التوفيق بين الاحتياجات الدفاعية والحفاظ على السيادة وحق تقرير المصير للشعب الأصلي في الجزيرة.
فمن جانبها، تجزم النائبة في البرلمان الدانماركي ناجا ناتانييلسن بأن الحفاظ على الخطوط الحمراء كان الشرط الجوهري وغير القابل للمساومة في أي شراكة أو تفاهمات بين حكومتي كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند).
وتوضح ناتانييلسن -في تصريحاتها للجزيرة- أن التأكيدات الصادرة عن الحكومتين تثبت بوضوح بقاء السيادة غير منقوصة، وتصون حق تقرير المصير وحقوق الشعب الأصلي للجزيرة، بحيث يظل رسم المستقبل السياسي والاقتصادي شأنا ينبع من إرادة أبناء الجزيرة.
وتلفت إلى أن إدراك سكان غرينلاند لأهمية موقعهم الجغرافي ضمن معادلات الأمن القومي الأمريكي أمر واقعي ومشروع، شريطة أن تقابله واشنطن بالاحترام التام لخصوصيتهم وخطوطهم المعلنة.
في المقابل، يقرأ ميكل أولسن مجريات الأزمة من زاوية الصمود الدبلوماسي، مؤكدا أن الدانمارك وغرينلاند تجاوزتا أصعب أزمة خارجية وأمنية تواجههما منذ الحرب العالمية الثانية جراء الضغوط الأمريكية العالية. ويعتبر أن نجاح المفاوضين في صون السيادة عكس قدرة حازمة على كبح المطالب الأمريكية الأكثر شططا، والخروج بصيغة مقبولة تقلل وطأة الطموح الأمريكي.
ورغم هذا التوافق الدبلوماسي، تلوح في آفاق الجزيرة تساؤلات عن كلفة مثل هذه الاتفاقية على مستقبل ثرواتها وحقوقها السيادية، فالاتفاق لا يكتفي بمنع خصوم واشنطن من إقامة أي قواعد عسكرية، أو اشتراط موافقة أمريكية خطية مسبقة على الاستثمارات الحساسة في قطاع المعادن الأرضية النادرة (الجزيرة تضم احتياطات واعدة لنحو 25 معدنا حيويا).
كما أنه يشتمل على "بند الديمومة" الذي يضمن استمرار هذه الترتيبات الدفاعية حتى في حال قرر شعب غرينلاند الانفصال التام عن التاج الدانماركي مستقبلا، وهو ما تراه بعض النخب المحلية قيدا جيوسياسيا قد يرهن الاستقلال القادم لحسابات الهيمنة الأمريكية.
ولم تتوقف ارتدادات الاتفاقية عند حدوده الجغرافية، بل أسهمت في نزع فتيل كاد يهدد تماسك حلف شمال الأطلسي نفسه، بعد أن هددت الضغوط الأمريكية وحدة أراضي دولة عضو مؤسس في الناتو، ليتحول الملف من بؤرة خلاف بين دولتين إلى أزمة ممتدة بين ضفتي الأطلسي.
ولذلك يوضح ريتشارد ويتز أن النتيجة المباشرة والأكثر أهمية لهذا الاتفاق هي إبعاد الخلافات جانبا وإتاحة الفرصة لحلف الناتو لتركيز طاقاته الدفاعية على التهديد الروسي المشترك؛ لا سيما ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، والحرب السيبرانية، ومحاولات موسكو لاستهداف أمن المجتمعات الغربية، حسب قوله.
ويشير الباحث في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي إلى أن الرئيس الأمريكي اعتمد أسلوبه التفاوضي المعتاد عبر المبالغة في سقف المطالب ثم التراجع خطوة نحو تسوية مؤسسية، لينال في المحصلة كل ما تحتاجه المؤسسة الدفاعية الأمريكية لحماية مصالحها الحيوية دون الحاجة إلى سيناريو الضم المباشر.
وهذه الترتيبات تمنح إستراتيجية الناتو زخما عمليا، لا سيما مع إطلاق الحلف مهمة "حارس القطب الشمالي" لتنسيق الردع الجوي والبحري ومراقبة الممرات الصاعدة.
ويجمل ميكل أولسن هذا المشهد بالتأكيد على أن خيار استبعاد روسيا والصين من النشاط العسكري والاستثماري في الجزيرة حظي بترحيب تام من كوبنهاغن وحكومة نوك معا، في ظل غياب أي رغبة في تحويل الجزيرة إلى ساحة صراع مفتوح، ليكون الاتفاق في جوهره إعلانا غربيا موحدا يضع القطب الشمالي تحت مظلة دفاعية صلبة تعطل محاولات الاختراق من قبل روسيا والصين.
Loading ads...
فروسيا التي تعتمد على تفوقها العددي في كاسحات الجليد تجد مسارات أسطولها تحت الرقابة التامة، والصين التي وضعت عينها على اختصار حركة الشحن التجاري نحو أوروبا بنحو 12 إلى 19 يوما مقارنة بمسار قناة السويس ورأس الرجاء الصالح، تواجه اليوم رقيبا استثماريا وأمنيا يغلق أمامها أبواب الولوج للغرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




