ساعة واحدة
بلا جوازات سفر أو بوصلة... في الكاميرون، مهاجرات ضحايا سياسة ترامب
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

"مرحبا بكم في الموقع المؤقت لإيواء المهاجرين". في حي سكني بالعاصمة الكاميرونية، ياوندي، تم تحويل مجمّع حكومي إلى مركز استقبال. خلف جدران عالية بلون ترابي، يعيش نحو عشرين شخصا في مهاجع متواضعة مجهزة بأسرّة من طابقين. بعد أيام قليلة من وصولها، تحاول باربارا* جاهدة التأقلم مع محيطها الجديد. وتقول بأسى، بإنكليزية متعثرة: "أشعر أنني في حال سيئة جدًا. ليس لدي عائلة هنا، ولا أعرف أحدا، ومعظم الناس يتحدثون الفرنسية".
فرت الشابة من بلدها الأصلي، أثيوبيا حيث كانت مضطهدة، نحو الولايات المتحدة، وكلها أمل في بدء حياة جديدة. لكن في أحد أيام أبريل/نيسان 2026، رحّلتها السلطات الأمريكية دون سابق إنذار إلى الكاميرون، بلد غريب عنها تماما.
تقول باربارا إنها غادرت موطنها، إقليم تيغراي، بسبب الحرب بين القوات الإقليمية والحكومة، والتي أودت بحياة أكثر من 600 ألف شخص بين عامي 2020 و2024. أواخر عام 2024، توجهت باربارا أولا إلى البرازيل، ثم وصلت إلى الحدود الأمريكية على متن حافلة. أوقفها حرس الحدود وأُرسلت إلى مركز احتجاز في لويزيانا.
برنامج الترحيل - تحقيق بشأن عمليات الترحيل الجماعي التي تنفذها إدارة ترامب
خلال سبعة شهور كاملة، حققت إذاعة فرنسا الدولية وفرانس24 ضمن مجموعة مكونة من 26 وسيلة إعلامية تقودها "فوربيدن ستوريز" (Forbidden Stories)، في المعلومات المتعلقة بالاتفاقات السرية المبرمة بين إدارة ترامب وعدد من البلدان الأفريقية، أطلق عليها وصف بلدان "ثالثة"، المتهيئة لاستقبال الأشخاص الذين أوقفتهم وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية ولا يحملون أوراقا ثبوتية.
من غانا إلى الكاميرون مرورا بإسواتيني (سوازيلاند، سابقا)، تابع الصحفيون خلال أربعة أشهر المصير البائس للأشخاص المتروكين في بلدان لا يربطهم بها أي رابط. حيث تكشف تحقيقاتهم المفاوضات التي جرت في الكواليس من أجل تنظيم عمليات النقل هذه.
وبعد أشهر قليلة، حصلت بقرار من قاضٍ على "تعليق الترحيل"، وهي حماية تختلف عن حق اللجوء، ينص عليها القانون الأمريكي للأشخاص الذين قد يتعرضون للاضطهاد في حال عودتهم إلى بلدانهم الأصلية. رغم هذا الإجراء، بقيت باربارا رهن الاحتجاز لأشهر أخرى، حتى ذلك اليوم المصيري، 28 أبريل/نيسان 2026. تقول: "جاء عناصر من الشرطة لاصطحابي وأخبروني أن عليّ أن أعود. كنت مصدومة. وضعوني على متن طائرة وانتهى بي المطاف هنا"، في الكاميرون.
في مركز ياوندي، ينحدر المقيمون من نحو عشر دول أفريقية، من بينها أنغولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وغانا، وكينيا، والمغرب، والسنغال، وسيراليون، وزيمبابوي، وجميعهم مرّوا بتجارب متشابهة.
صورايا* هي الأخرى من المقيمات في المركز. فرت من غانا بعدما اكتشف أقارب لها ميولاتها الجنسية. وتقول الشابة بخوف: "في أكرا، هناك أشخاص من محيطي يبحثون عني، يريدون قتلي". هي أيضًا حصلت على إجراء حماية في الولايات المتحدة، قبل أن تجد نفسها فجأة على متن طائرة، مُرحّلة دون سابق إنذار.
للحصول على "تعليق الترحيل" في الولايات المتحدة، على الشخص أن يثبت أن احتمال تعرضه للاضطهاد في بلده الأصلي يتجاوز 50 بالمئة، بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية.
لكن هذه الحماية لا تمنع ترحيلهم إلى بلدان تُعتبر "آمنة"، حيث لا يكون هؤلاء الأشخاص عرضة لتلك المخاطر وتُحترم حقوقهم.
ثغرة سارعت إدارة ترامب إلى استغلالها. فالرئيس الأمريكي، الذي تعهد بوضع حد لما وصفه بـ"غزو" المهاجرين، كثّف خلال الأشهر الأخيرة الاتفاقيات الثنائية مع دول ثالثة. والهدف: ترحيل المهاجرين الذين لا يمكن إعادتهم مباشرة إلى بلدانهم الأصلية، وردع أولئك الذين قد يفكرون في سلوك الطريق نفسه.
"إنهم يرسلون هؤلاء الأشخاص إلى هنا تحديدًا لأنهم يتمتعون بحماية في الولايات المتحدة"، يؤكد المحامي الكاميروني جوزيف أواه فرو، الذي يسعى إلى مساعدة المهاجرين في ياوندي. ويضيف: "كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى بلد ثالث".
أكثر من 35 اتفاقًا من هذا النوع أبرمت معظمها مع دول من أمريكا اللاتينية (المكسيك، بنما، السلفادور وكوستاريكا) وأفريقيا (الكاميرون وغانا وسيراليون وجمهورية الكونغو الديمقراطية وسوازيلاند (إسواتيني) وجمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية). وأكثر من 25 ألف شخص رحلوا بموجب هذه الاتفاقات.
إلا أنه، وفي وقت تسرّع فيه إدارة ترامب عمليات الترحيل، لا يزال غموض كبير يكتنف مضمون هذه الاتفاقات نفسها. وتوضح المحامية الكينية بياتريس نجيري، العضو في ائتلاف للدفاع عن حقوق المرحّلين "إنها في معظمها اتفاقات سرية لم تعرضها الحكومات على البرلمان للمصادقة عليها. فلا وضوح ولا شفافية بشأنها".
وتتابع المحامية: "إنهم محتجزون في ظروف شبه عسكرية، ويُعاملون كسجناء، من دون أي رقابة قضائية. وغالبًا ما تكون قدرتهم على الوصول حتى إلى محامٍ محدودة للغاية، بما يحرمهم من الحصول على استشارات قانونية ومعرفة الخيارات المتاحة أمامهم، لأن الحكومات تريد إرغامهم على العودة إلى بلدانهم، رغم الخطر الذي قد يواجهونه هناك".
وفي الحالة المتعلقة بدولة الكاميرون، فإن الوثيقة الوحيدة الذي أصدرت رسميا وتثبت وجود الاتفاق كان تبادلا لمذكرات دبلوماسية يعود إلى شهر ديسمبر/كانون الأول 2025 ونشرته وزارة الخارجية الأمريكية في شهر يونيو/حزيران الماضي. وفيها يتفق الطرفان على "ترتيب نقل بعض رعايا بلدان ثالثة من الولايات المتحدة باتجاه الكاميرون".
وتتعهد بموجبه الكاميرون بحسن معاملة هؤلاء الأشخاص بما يتوافق مع "التزاماتها القانونية الدولية" وتؤكد أنهم "لن يكونوا عرضة لأي نوع من الاضطهاد أو التعذيب على أراضيها"، ولا في أي بلاد سينقلون إليها لاحقا.
بيد أن شروط هذا الاتفاق تظل غامضة ومبهمة، فقد أوضحت صحيفة "نيويورك تايمز" نهاية شهر مارس/آذار أنها قد تكون مرتبطة بضغط اقتصادي مارسته واشنطن على ياوندي يتمثل في تهديد الولايات المتحدة بإمكانية تعليق تسليم منحة مالية تبلغ قيمتها 30 مليون دولار للمفوضية العليا للاجئين بالكاميرون.
في نهاية المطاف أفرجت واشنطن عن المبلغ في 9 كانون الثاني/يناير الماضي، وفق المصدر الرسمي للحكومة الأمريكية، أي قبل ستة أيام بالضبط من إقلاع الطائرة التي أقلت أول اللاجئين من مطار لويزيانا. وأوضحت الحكومة الأمريكية على موقعها الرسمي بأن هذا التمويل كان يهدف إلى "تسهيل المفاوضات المتعلقة بمصير مواطني دول ثالثة".
ونفت المفوضية أن هذا هذا التمويل موجه لترحيل المهاجرين مؤكدة أن التبرعات تخصص وتستخدم وفق المهام المنصوص عليها في ولايتها.
وقد أكد مصدر مقرب من الحكومة الكاميرونية، تواصلت معه فرانس24، أن اتفاقا مع الولايات المتحدة قد أبرم بالفعل، تفاوض بشأنه الرئيس بول بيا شخصيًا، قبل وصول أول المرحّلين إلى الكاميرون. ووفق المصدر نفسه، أُبرم الاتفاق في سرية تامة، ولا يقتصر على "مجرد ترتيب مالي"، بل يهدف إلى "تحسين" العلاقات بين البلدين وتعزيز التعاون في المجالين الاقتصادي والأمني.
وتم التواصل مع رئاسة الكاميرون لكنها لم تجب على أسئلتنا.
أواخر أغسطس/آب، نظم البلدان "الحوار الاقتصادي والتجاري الأول في ياوندي". وأعلنت الولايات المتحدة عنعن استثمار بقيمة 7 مليارات دولار في الكاميرون، في مجالات مختلفة، من بينها التكنولوجيا، والمعادن الحيوية، والبنية التحتية، والطاقة.
في ياوندي، يقول المرحّلون إنهم وجدوا أنفسهم دون أية وسيلة تساعدهم على تدبير شؤونهم، وفي مقدمتها جوازات سفرهم، التي احتفظت بها السلطات الأمريكية عند مغادرتهم. وتقول صورايا: "عند وصولنا، لم يكن يُسمح لنا بالخروج من المركز، وكنا نُعامل كمجرمين". وكانت قد وصلت على متن أول رحلة إلى الكاميرون، في 15 يناير/كانون الثاني 2026.
وتضيف صورايا: "احتجاجا على ذلك، قررنا الدخول في إضراب عن الطعام، ولذلك قالوا لنا إنهم سيزوّدوننا بوثائق هوية تسمح لنا بالتنقل بحرية. لكنهم لم يعطونا سوى ورقة صالحة لمدة شهرين، نظهرها في حال خضوعنا لتفتيش من الشرطة".
"يتم إيواء المهاجرين وإطعامهم، لكنهم لا يملكون المال"، وفق ما أوضح محاميهم جوزيف أواه فرو. ويضيف: "يمكنهم الخروج، لكن السلطات حذرتهم من أنها لن تكون مسؤولة إن حدث لهم مكروه. حريتهم منقوصة".
ويؤكد المصدر المقرب من الحكومة من جانبه: "عندما لا تكون لديك وثائق في بلد ما، فلا بد من تقييد تحركاتك".
على مدى أسابيع، كثّف محامي المرحّلين زياراته إلى المركز، في محاولة للدفاع عن حقوقهم. وفي 5 أغسطس/آب، تقدّم جوزيف أواه فرو بطعن قضائي، نيابة عن المهاجرين المرحّلين إلى الكاميرون، والبالغ عددهم 36 شخصًا بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2026، أمام المحكمة الإدارية في ياوندي، بهدف تعليق الاتفاق مع الولايات المتحدة ومنع عمليات الترحيل التي تعرّضهم لخطر الاضطهاد والتعذيب.
ويشير المحامي "منذ اللحظة التي يقبل فيها الكاميرون باستقبال هؤلاء الأشخاص على أراضيه، تقع على عاتقه مسؤولية حمايتهم بصفتهم لاجئين". معركة يخوضها المحامي بمفرده، ولا تخلو من الصعوبات.
خلال زيارته الأولى إلى المركز، في 17 فبراير/شباط، اعتُقل جوزيف أواه فرو، الذي كان برفقة أربعة صحافيين، واحتُجز لفترة وجيزة لدى الشرطة القضائية، ما زاد من مناخ الخوف بين المرحّلين، الذين يرفض معظمهم أي تواصل مع وسائل الإعلام خوفا من التبعات.
خلال احتجازهم، أُجبر الصحافيون على حذف مقاطع الفيديو التي صوروها، وحذرتهم الشرطة من العمل مجددًا على هذا الموضوع. من جانبه، وصف المصدر المقرب من الحكومة ما حدث بأنه "حادثة مؤسفة تسبب فيها بعض عناصر الشرطة الذين بالغوا في أداء مهامهم"، مؤكدًا أنه "لا يوجد تعتيم على هذه القضية".
إلا أن الكاميرون لم يردّ على طلبنا للحصول على تأشيرة صحفية، الذي تقدّمنا به في إطار هذا التحقيق، رغم تجديدنا الطلب أربع مرات لدى وزارة الاتصال. لذلك، جُمعت شهادات المرحّلين عن بُعد، لتعذّر توجهنا إلى عين المكان.
ومن جهة أخرى، أكد المصدر المقرب من الحكومة أن الكاميرون "أرض مضيافة"، وأن المرحّلين "يُعاملون بشكل جيد". ووفق المصدر، تلقى المهاجرون زيارات من عدد من المسؤولين في وزارتي العدل والعلاقات الخارجية.
كما قابلهم أيضا ممثلو منظمتين أمميتين وهما المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، المختصة بمتابعة حالة اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة. وتؤدي هذه المنظمة الأخيرة دورا رئيسا في التعامل مع المقيمين بالمركز، فهي تمد يد المساعدة تحديدا للمرحلين الذين يقررون العودة إلى بلدانهم الأصلية.
ويقول أحد المرحلين: "إن ممثلي المنظمة الدولية للهجرة لم يحدث وأخبرونا بأنهم سيجبروننا على العودة إلى بلداننا الأصلية وإنما تحدثوا معنا عن قدرتهم على مساعدتنا في تحقيق ذلك إن أردنا العودة". ثم يضيف قائلا: "بينما يخبرنا ممثلو الحكومة بأنه يجب علينا العودة إلى بلداننا الأصلية".
وتشدد منظمة الهجرة الدولية على أنه "عندما يتقدم شخص بطلب للعودة إلى وطنه الأصلي فإننا لا نسارع بتنفيذه إلا بعد متابعة فردية وتقييم احتياجاته المتعلقة بأمانه الشخصي"، وتؤكد المنظمة أن قرار العودة للوطن يجب أن يتخذ "طوعًا".
ويتابع المتحدث الرسمي للمنظمة قائلا: "إن التزامنا بمساعدة هؤلاء الأشخاص لا يعني بحال من الأحوال موافقتنا على القرارات التي أدت إلى ترحيل هؤلاء الأشخاص".
رغم وضعهما الصعب، تأمل باربارا وصورايا، بمساعدة محاميهما، في الحصول على حق اللجوء في الكاميرون. وتقول باربارا بقلق: "سمعت أن هناك مشاكل في مجال حقوق الإنسان هنا"، مضيفة: "لكن إذا عدت إلى بلدي، فأنا أعرف ما سيحدث لي. لا خيار لديّ".
وتقول صورايا من جهتها: "هنا، نستيقظ كل يوم لنعيش اليوم نفسه الذي عشناه بالأمس. علينا أن نتوسل للحصول على كل شيء. إنهم ينتظرون فقط أن ننهار ونوافق على العودة. لكن معظمنا لا يستطيع العودة، وأنا أيضًا لا أستطيع، رغم أنني أعلم أن الكاميرون ليست أكثر أمانًا بالنسبة إليّ".
ومن مفارقات القدر أن صورايا رُحّلت إلى بلد تُعد تشريعاته المتعلقة بالمثلية الجنسية أكثر تشددًا من تلك المعمول بها في بلدها الأصلي. إذ يُعاقب على العلاقات المثلية بالسجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات، مقابل ثلاث سنوات في غانا.
ومن بين أوائل المرحّلين إلى الكاميرون، كانت هناك امرأتان مغربيتان حصلتا، مثل صورايا، على قرار يقضي "بتعليق الترحيل" من الولايات المتحدة بسبب ميولاتهما الجنسية. وقد قررتا العودة إلى بلدهما الأصلي رغم المخاطر، مفضّلتين العيش في الخفاء على الاحتجاز.
أما جيزيل، وهي نزيلة أخرى في المركز، فقد تخلّت عن مسعاها للحصول على اللجوء في الكاميرون لأسباب صحية. فهي مصابة بمرض في الغدة الدرقية، كما أنها ضحية للحرب بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، ولم تتمكن قط من الحصول على أدويتها في مركز ياوندي، رغم طلباتها المتكررة.
وخشية من تدهور حالتها الصحية، وافقت الشابة في نهاية المطاف على ترحيلها إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد خمسة أشهر من وصولها إلى المركز.
*تم تغيير الأسماء بناءً على طلب المعنيات بالأمر.
Loading ads...
اقتبسته للعربية صبرا المنصر
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




