بعد أن غاب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عن المشهد السوري خلال العام الماضي، باستثناء خروقات طفيفة، فإنه يعود اليوم ليساهم في خلط الأوراق من جديد وتوجيه سلاحه نحو الدولة الناشئة المنهكة أمنياً وعسكرياً. لم يكن فرار زهاء عشرين ألف فردٍ متهمٍ بالارتباط بتنظيم داعش من مخيم الهول، خلال تسليم إدارته إلى الأمن السوري، أمراً عابراً. لا يبدو فرار هذا العدد الهائل بريئاً؛ ففرار قرابة عشرين ألف إنسان، بينهم نساء وأطفال ومتطرفون ما يزالون يحلمون بإعادة دولة الخلافة على النهج المتطرف الذي يؤمنون به، ليس بالأمر البسيط، لا من حيث الإجراءات ونجاح عملية الفرار، ولا من حيث النتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
كذلك، فإن اختفاء هذا العدد الكبير، بحيث فشلت قوات التحالف في الكشف عنهم، والإقرار الصامت بهذا الفشل الذريع، أمرٌ مثير للريبة. إن غياب الشفافية في تفسير هذا الفشل يهدد الاستقرار الإقليمي، كما يهدد حياة الآلاف من العائلات الهاربة التي لم يُكشف حتى الآن عن مكان وجودها. إن فرار عشرين ألف فرد واختفاءهم من دون القدرة على تتبعهم من قبل قوى دولية ومحلية يثير الكثير من الشكوك حول وجود قوى متواطئة سهلت عمليات الفرار أو أتاحت لها الظرف المناسب بالتنسيق مع تنظيم الدولة.
تشير المعلومات الأولية إلى أن الفارين مواطنون من جنسيات مختلفة ينتمون إلى أربعين دولة، الأمر الذي سيعيد مخاوف تلك الدول من اضطرارها إلى قبول العائدين منهم، وما سيعنيه ذلك من الانشغال باحتجازهم ومحاكمتهم وإعادة تأهيلهم.
ليس أمام هذا العدد الكبير من الفارين إلا خيار العودة إلى بلادهم الأصلية، وهو أمرٌ يكاد يكون مستحيلاً في هذه الظروف الراهنة، أو إعادة إدماجهم في صفوف داعش؛ الأمر الذي ينذر باشتعال حرب جديدة. ومن الواضح أن تنظيم الدولة قد بدأ بإطلاق أولى شراراتها باستهدافه مواقع في العاصمة السورية دمشق وغيرها من المدن، بعد أن أعلن تهديده بشكل علني بنيته محاربة الدولة السورية الناشئة.
وقد جاء هذا التحرك بعد أن أعلنت الإدارة السورية الجديدة انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. وأشارت بعض التقارير إلى أن التنظيم، خلال العام الفائت، وبينما كان ينتظر في الظلال ويعمل على إعادة ترتيب صفوفه وتشكيل قواته، استطاع زيادة عدد مقاتليه من ألفي عنصر إلى عشرة آلاف عنصر استعداداً للبدء من جديد. واليوم، وبعد هذا الفرار الكبير، يمكن لهذا العدد أن يتضاعف.
ستواجه الحكومة السورية الجديدة مأزقاً صعباً؛ فهي لا تملك من القوات ما يكفي لخوض هذه المعارك المرتقبة بصورة متكافئة، والتحالف الدولي اليوم في تراجع كبير، بعد أن قررت إدارة الرئيس الأميركي ترامب تقليص المشاركة في هذا التحالف إلى الحدود الدنيا والبدء بسحب القوات الأميركية المشاركة فيه.
تشير المعلومات الأولية إلى أن الفارين مواطنون من جنسيات مختلفة ينتمون إلى أربعين دولة، الأمر الذي سيعيد مخاوف تلك الدول من اضطرارها إلى قبول العائدين منهم، وما سيعنيه ذلك من الانشغال باحتجازهم ومحاكمتهم وإعادة تأهيلهم، والاستمرار في مراقبتهم، وربما الاضطرار إلى انتهاك حقوقهم خشية انتقال التطرف والعنف إلى بلاد كانت بمأمن منهم.
علاوة على ذلك، هناك آلاف الأطفال المنسيين الذين وُلدوا في حمأة هذا الصراع ولم يعرفوا سوى الاحتجاز وحياة المخيمات البائسة. ما مصير هؤلاء الأطفال الضحايا وأمهاتهم؟ إنهم اليوم غنيمة سهلة للاتجار بالأطفال وسائر أنواع الاستغلال، وربما، في أحسن الأحوال –وهو الأرجح– أن يعمد تنظيم الدولة إلى ضمهم إلى صفوفه كمقاتلين يسهل تعبئتهم وتوظيف نقمتهم بسبب سنوات الاحتجاز التي كابدوا فيها أكثر مما يمكن للأطفال تحمّله.
ربما من الإنصاف النظر إليهم كخزان بشري مشحون برغبة عاتية في الانتقام بسبب تلك المعاناة المهينة التي عوملوا بها، الأمر الذي يزيد من حجم الكارثة ومن هول ما قد ينجم عنها.
لقد بدأ تنظيم الدولة حربه باغتيال أحد عشر شخصاً، بينهم عشرة من الجنود وعناصر الأمن ومدني واحد، وتكررت الهجمات في دير الزور والرقة، بعد أن أعلن التنظيم في 21 شباط، على لسان أحد قادته "أبو حذيفة الأنصاري"، الحرب على النظام السوري الجديد، ووصف حكومته بأنها فاقدة للشرعية ومنضوية في تبعية للولايات المتحدة الأميركية والدولة التركية، كما وصف الرئيس السوري أحمد الشرع بالطاغية.
يأتي ذلك وسط اتهامات من السلطات السورية لقوات قسد بتسهيل هذا الهروب الجماعي من مخيم الهول. وقد جاء هذا الاتهام على لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا في مؤتمر صحفي لاحق، إذ أشار إلى أن قوات قسد انسحبت بشكل غير منسق مع قوات الجيش السوري قبل ست ساعات من وصول تلك القوات، بينما تذرعت قسد بأن هذا الانسحاب كان ضرورياً لحماية مناطق أخرى قد تكون تحت التهديد.
هل سيدفع السوريون مرة أخرى ضريبة الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت بحق الآلاف في مخيمي الهول وروج عبر الاحتجاز غير المحدد والمعاملة المهينة لآلاف الأمهات والأطفال الذين لم تُجرَ محاكمتهم أو إدانتهم؟
في ظل الضعف الأمني والتشتت الذي تعانيه الحكومة الجديدة، فإن تنظيم الدولة يتغذى على الشروخ السياسية أكثر مما يتغذى على القوة العسكرية؛ فالظرف الراهن، بما يحويه من هشاشة وتركة ثقيلة خلفها النظام البائد، وفي ظل غياب جهاز استخبارات مركزي، يتيح للتنظيم التحرك بسرية كافية عبر نقاط التماس بين مناطق نفوذ الفصائل، إضافة إلى التوترات المناطقية والعرقية التي تفسح المجال له ليقدم نفسه ممثلاً للسنة الذين يشعرون بالتهميش في هذه المرحلة الحرجة.
لن ينجح تنظيم الدولة في احتلال المدن مرة ثانية، لكنه بالتأكيد يطمح إلى منع السوريين من العيش بأمان في دولة جديدة لم تشفَ بعد من عقابيل حكم واستبداد النظام السابق.
هل سيدفع السوريون مرة أخرى ضريبة الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت بحق الآلاف في مخيمي الهول وروج عبر الاحتجاز غير المحدد والمعاملة المهينة لآلاف الأمهات والأطفال الذين لم تجر محاكمتهم أو إدانتهم؟ وهل سيتمكن السوريون من الاحتفاظ بالآلاف الذين ترفض دولهم الأربعون استقبالهم والاضطلاع بمسؤوليتها تجاههم؟
Loading ads...
ليس أمام الإدارة السورية الجديدة إلا الضغط المستمر على تلك الحكومات، ودفعها إلى الكف عن النظر إلى سوريا كمستودع تتخمر فيه المشكلات العالقة إلى أن تنفجر بعيداً عنهم، ودعوة تلك الدول إلى مد يد العون على جميع الصعد لتقديم حلول جذرية لهذه المأساة الإنسانية، وربما في مقدمتها إطلاق مبادرات وبرامج أممية برعاية الأمم المتحدة لتوفير بيئة آمنة لهؤلاء النساء والأطفال، تتوفر فيها الرعاية النفسية اللازمة والتعليم، بما يتيح اندماجهم في مجتمعاتهم كأفراد أسوياء موفوري الكرامة والحقوق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



