Loading ads...
يتداول على منصات التواصل الاجتماعي مقطع من حفلة للفنان فريد الأطرش، وهو يعزف تقاسيم على العود، والجمهور ينتظر انتهاء جملة من العزف حتى يرد بحفاوة شديدة.كان فريد يعاني منذ مدة من أزمات قلبية متكررة، وقد أصبحت هذه الحفلة (حفلة الربيع – 1970) من أشهر الحفلات في مسيرته الثرية، ربما لأنها مثّلت ذروات متعددة بمسيرة فنان ظل على هامش الصدارة، وازدحمت حقبته بمبدعين توفرت لهم مناخات أفضل وقدرة إبداعية أكثر تأثيرا، وفرص للاندماج في الجسد الشعبي والاجتماعي، ما بين الأربعينيات والستينيات في المشهد الفني المصري.في حفلة الربيع، يسهل التعرف على خصوصية العلاقة الأدائية بين فريد وعوده، كأنهما جزآن في جسد واحد، كما يسهل التعرف على متانة العلاقة بين فريد الفنان وبين جمهوره، وتأثير الوسيط الفني عليهما.في الفيلم الوثائقي "فريد الأطرش.. لحن الخلود" الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية، تظهر حيثيات حياته الداخلية، بتنويعة مشاركات من نقاد ومؤرخين، تحيلنا إلى التفاعل مع مسيرته المميزة، عبر الانتقال بين حياته ومحطات التراكم في مشروعه الفني، فيتماهى وجوده الشخصي مع وجود آخر معني بحياته الإبداعية.يتمثل مع الانتهاء من الفيلم بُعد جديد، يشكل انطباعا أعمق حول فريد الأطرش، ويدفع إلى فهم دواخل ألحانه وأغنياته، وما هو مبطن فيها من هموم حياتية، حققت ثراء إبداعيا للمنتج الفني.الدخول من الباب الصعبيفتتح فيلم "فريد الأطرش.. لحن الخلود" بإحدى تسجيلاته الصوتية النادرة وهو يتحدث عن قصة حياته، التي رأى أنها مشوار طويل، وأنه عمل وما زال يحاول الوصول إلى المكانة التي شجعه عليها جمهوره العزيز.اشتملت الحياة الفنية لفريد الأطرش على الشروط الأساسية للتحقق الفني الذي يجعل المنتج الإبداعي متجاوزا حياة الفنان. ويسهل أن تعرف أحد أغنيات فريد أو ألحانه الآن، قبل معرفة ماهية ملحنها أو مطربها، غير أن هذه التجربة لم تأت من باب التحقق السهل، بل تشكلت روابط العبقرية والموهبة والبحث عن أفق جديد، من بدايات صعبة هددت حياة فريد وعائلته.ينتمي فريد الأطرش إلى أسرة سورية عاشت في جبل الدروز، وكانت -كما يذكر الفيلم- رأس حربة الثورة السورية الكبرى (1925-1927) على الاحتلال الفرنسي، وقد كانت رد فعل على محاولات تقسيم سوريا، وإقحام الثقافة الغربية في المجتمع السوري. إعلان كان من المقاومين الفاعلين في هذه المرحلة أبوه فهد، وعمه الشهير سلطان باشا الأطرش، وقد أرادت فرنسا تثبيط أطر المقاومة، فبحثت عن أبناء عائلة الأطرش لأخذهم رهائن، لذلك بادرت الأم علياء المنذر وهربت بابنها فريد وأخته آمال (أسمهان لاحقا) إلى بيروت، ثم إلى حيفا، ومنها بالقطار إلى مصر.اختيرت مصر مبدئيا للاستقرار، لوجود نماذج شامية برزت فيها، كما كانت في هذا الوقت بعيدة عن الاحتلال الفرنسي، ومشغولة بالاحتدام السياسي الذي أنتجته ثورة 1919 على الاحتلال البريطاني، ناهيك عن حسن العلاقة بين آل الأطرش وسعد زغلول، زعيم حزب الوفد آنذاك.ينطلق الفيلم من هذه النقطة، لأنها دلالة البداية الصعبة في حياة فريد، فإرث العائلة المقاوم يتبعه ليسهم في دخوله إلى مصر، برسالة مكتوبة إلى سعد زغلول، ليساعد العائلة في عبور الحدود المصرية.حاولت علياء أن تدبر لأبنائها وسائل العيش في ظل ظروف صعبة، بسبب التؤرجح الاجتماعي في المجتمع المصري أيام ثورة 1919 وبعدها، ناهيك عن التشوه الطبقي الذي كان حاضرا في بنية المجتمع تحت تأثير الاحتلال، فلم يكن عصب للطبقة الوسطى يومئذ عصب.لذلك بدا لعلياء أن المتاح هو الوظائف اليدوية المرتجلة ذات الدخل الشحيح، فسكنت في شقة متواضعة بحي الفجالة، وعملت خياطة ومطربة، لأنها كانت تتقن العزف على العود، أما ابنها فريد فعمل في وظائف متعددة وهو صغير، منها توزيع إعلانات على الدراجة.المشكلات الفنية تأتي من الداخلنشأ فريد في منزل تتخذ الموسيقى فيه حضورا يوميا، لذلك تشرب مشكلاته الفنية الأولى طفلا من أمه، وكانت قد أتقنت الغناء، وتأثرت بالتراث الشعبي الشامي، وكانت عازفة جيدة على العود.أسهمت هذه العوامل في تشكيل هوية فريد الإبداعية، وساعدته في تكوين علاقة عاطفية وحميمية مع منتجه الفني، وذلك ما منحه مكانة مميزة في مسيرته، قبالة مبدعين وملحنين كانوا أكثر نضجا ومشروعية منه.عايش فريد أمه وهي تغني يوميا، فجاء التأثر بالمعايشة قبل التعلم المباشر. ويتطرق الفيلم إلى هذه المرحلة بصوت فريد في أحد حواراته، وهو يقول إنه كان يرى أمه تحمل العود كأنها تحمل أحد أبنائها.تناول الفيلم مع مرحلة تكوين فريد مهارة فنية، من مكتبة صور العائلة، فتوازى التناول النقدي والتاريخي مع الانطباع البصري الملفت الذي تحمله الصور، فحين يأتي الحديث عن علاقة فريد المميزة بأمه، تتخذ الصور منحى دلاليا متجاوزا للسرد المباشر، فتحضر الأم حضورا جانبيا، يمثل معادلا تعبيريا مجردا لها.يفتح الفيلم نافذة للرؤية على مساحة باطنية من حياة فريد، ذُكرت بلمحة حوارية سريعة، وهي بدايات عزفه على العود ارتجالا بلا معلم. وتتجلى في هذه الحالة متطلبات تفرضها بوادر الموهبة على صاحبها، وهي الدفع المحموم نحو التعلم، لذلك جاء قرار إرساله إلى المعهد لتعلم العزف على العود، بمنزلة ضرورة تتجاوز صعوبات حياة العائلة المادية.قُبل فريد في المعهد لإعجاب الملحن الكبير رياض السنباطي به، ثم انتقل إلى العمل في صالة الراقصة الفنانة بديعة مصابني. وكانت قاعات الغناء والرقص يومئذ نموذجا بديلا لمركز الوسط الثقافي والفني، لأنها كانت تربط مشروعية كل موسيقي الفنية بمرحلة التحقق الفني والظهور الفردي، في سياقات عمل أكثر رسمية وانتقائية.بدأ فريد عازفا ثانويا (كومبارس)، واستفاد من قوالب الغناء المرحة الخفيفة، كما دخل في عمق العلاقات الفنية، التي قد توفر مزيدا من الفرص مستقبلا. إعلان كان العمل في القاعات بمنزلة وضع على طريق التحقق، لأنها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة، أمام البديل الانتقائي الذي يصعب بلوغه، المتمثل في القطاع الأكثر رسمية من الإنتاج، من شركات تسجيل الإسطوانات وإستوديوهات الإنتاج الفني الغنائي، وكان أغلبها يعود إلى الاستثمار الأجنبي في مصر.وعلى مستوى فردي، اختار فريد نوعا غنائيا سمي يومئذ "الغناء البلدي"، وكان يؤديه مغنّون شعبيون، وقد ظهرت علامات هذا النوع، مثل الموال الشعبي ضمن الأغنية، في كثير من أعماله لاحقا.البحث العاجز عن صوت بديلعند الانتقال إلى مرحلة صعود نجم فريد الأطرش، يتطرق الفيلم إلى خطوة التعاون بينه وبين أخته أسمهان، وهي خطوة شكلت محورا مركزيا في مسيرته الفنية، لا من باب التأثيرات الجيدة والسيئة فقط، بل أيضا من باب التأثير الوجودي والفني على المنتج الإبداعي.ضمن فريد خطوة الغناء بعد نجاحه المبدئي ملحنا، حينما سمعه الملحن اللبناني فريد غصن أثناء زيارة إلى المعهد الموسيقي في مصر، وساعده على أن يأخذ مساحة العزف مرتين أسبوعيا في الإذاعة، وحينها طلب فريد أن يدخل اختبار الغناء، ونجح فيه بأول أغنياته "يا ريتني طير لأطير حواليك".بعد الأغنية الثانية "بحب من غير أمل"، لحّن فريد أغنيته المميزة "عليك صلاة الله والسلام" وغناها بصوته، ثم غنتها أسمهان، وقد عمل على أساس "الطقطوقة" في هذه الأغنية، وهو نوع بسيط وشعبي من الأغنية، ومع تميزه هو وأسمهان فيها، تعاونا على أساس مشروعي ومشترك، ينطلق من تبادل الصدق في إمكاناتهما الفنية، ويضمن الإرث الحياتي الصعب لكليهما، كي يصبح وقودا للحركة المشتركة.يشتبك الفيلم مع هذه الانطلاقة المشتركة، فيذكر صعود أسمهان الفني، وعملها مع شركة "كولومبيا" للإنتاج، ثم محاولة وضع فريد بجوارها، ليخلقا ثنائيا سينمائيا قويا في الأفلام الغنائية، التي ظهرت بوادرها في فيلم "انتصار الشباب" للمخرج أحمد بدرخان (1941).بدت خطوة الشراكة الغنائية والسينمائية بينهما بحثا عن طريق واضح، وتساؤلا عن مدى قبول الجمهور وجهين جديدين وغريبين جزئيا، في ظل وجود وجوه أخرى مصرية لامعة.وبعد أن تثبتت قدماهما في الفيلم الغنائي، وأنتجا أغنيات ظلت متداولة حتى اليوم (يا بدع الورد – ليالي الأنس في فيينا)، غيّب الموت المفاجئ أسمهان في عام 1944، فقطع جانبا شديد الحيوية من مسيرة فريد الفنية، وكذلك الجانب الشخصي.يظهر تأثره بموت أخته عبر الفيلم، وهو يستعيد صوته القائل إن موت أسمهان تسرب تأثيره إلى أغنياته لاحقا، وصبغها بطابع لحني غنائي حزين.من السينما إلى عباءة ثورة يوليوبعد وفاة أسمهان، تعثر فريد في فيلم "جمال ودلال" للمخرج إستفان روستي (1945)، فقد أخفق إخفاقا كبيرا، لكنه عاد بفيلمي "شهر العسل" (1945) و"ما أقدرش" (1946)، وكلاهما للمخرج أحمد بدرخان، وقد نجحا نجاحا متوسطا.أعطته هذه العودة المقبولة فرصة لتعميق فهمه للعملية الفنية من جهة، وأن يستوعب متطلبات النجاح التجاري، وآليات عمل السوق ومتطلباته، ثم انطلق ما بين السنوات 1947-1950 في مرحلة ذروة نجاحه السينمائي.وفي هذه السنوات، ظهرت ثنائيته مع الراقصة الفنانة سامية جمال في عدة أفلام، كان أبرزها "حبيب العمر" للمخرج هنري بركات (1947)، و"أحبك إنت" للمخرج أحمد بدرخان (1949).تظهر في مجمل أفلام فريد الأطرش مرتكزات النجاح التجاري والفني، فعلى المستوى التجاري، فيها استيعاب لاعتماد الفيلم السينمائي على عنصر الترفيه والتأثير العاطفي يومئذ، فقد كانت السينما أداة مفرغة من السياق الواقعي بالضرورة، نظرا لحدة المناخ السياسي بين الأحزاب المصرية والاحتلال البريطاني والقصر الملكي. إعلان ولأن السينما يومئذ لم تكن قد خلقت بنية وطنية كافية على مستوى الإنتاج والموارد الفيلمية، فقد كان ضروريا أن تتخذ طابعا يقوم على الترفيه والانغماس في المبالغات الدرامية.ومع أن أفلامه اتخذت المسار الآمن على مستوى الموضوع، فقد اعتمد على تضمين التعددية الفنية في القالب السينمائي، واستفاد من تجربته المسرحية في القاعات، فخلق من الأوبريهات صيغة درامية تستعين بتطور التقنية السينمائية.يذكر الناقد الموسيقي فادي العبد الله في مقاله "فريد الأطرش في خمسين رحيله.. أربع ملاحظات لإنصاف مسيرته الفنية" أن فريد ومحمد فوزي، حملا في السينما استعادة إرث كازينو بديعة مصابني، وما كان بها من تجميع لمشارب موسيقية واستعراضات غنائية وراقصة.ويفصّل في دور فريد، محددا تأثيره المميز في رشاقة الموسيقى الراقصة، وتصوير موسيقات بلدان عدة، وهو نوع من الإثراء، دفع الفيلم الغنائي ليخرج بالأغنية العاطفية من فخ فرديتها.تحول مسار فريد الأطرش مع ثورة يوليو 1952، وهو تحول صبغ المشهد الفني المصري والعربي إجمالا، وطغت فيه الأغنية الوطنية على كثير من جهات الإنتاج، حتى من أنتجوا لأنفسهم.تمثلت فرص البقاء على الساحة بعد ثورة يوليو بتوطيد العلاقة مع السلطة، فكان الفن يومئذ قد دخل تحت منضدة الإقصاء، مثلما تذكر الباحثة فيروز كراوية في كتاب "كل ده كان ليه"، وجعل ما قبله مطبوعا بنقد وجوده في حدث مضى، وموصوم سياسيا من دون انتقاء أو فهم سياقاته.لذلك تمثل المسوغ المركزي في العلاقة بين الفن والسلطة بدخوله تحت عباءتها، ضمن نشاط واسع من التعبئة والترويج للخطاب الرسمي.من جهة أخرى، جاء المشروع الناصري في باكورته ممثلا لجماعية عروبية وصعود قومي شامل، وبدا أن الجمهور العربي في حاجة إليه، بعد زمن طويل من الاحتلال، الذي كان -باختلاف مصدره ونوعه- مشتركا في أساس الإلغاء الثقافي وقتل المواطنة.وقد أسهم فريد في هذه المرحلة بعاطفة قوية، وإيمان فني يفتقد إلى الرؤية النافذة، وأنتج أغنيات منها "يا أسطى سيد" التي روجت للسد العالي، وظهر فيها تأثر بالعروبة.من الباب الصعب إلى البقاء الطويلعند النظر إلى محطات فريد الأطرش، يتبين أن حياته صبغت بملمح الوقوف على حافة الأشياء، فقد بدأ حياته بالهروب من موطنه في سوريا والانتقال إلى مصر، ثم الصعود القوي فنيا بشراكة مع أسمهان، وعند تمام ذلك فقد أخته.وعلى المستوى العاطفي، نجحت ثنائيته السينمائية مع سامية جمال، لكن حبهما خاب، وفي الحضور السياسي، كان صديقا للرئيس جمال عبد الناصر، لكن المنافسة المحتدمة مع فنانين آخرين في المجال الفني -منهم عبد الحليم حافظ- دفعته إلى الانزواء قليلا، أمام الصيت الشعبي الذي اكتسبه عبد الحليم تحت مسمى "مطرب الثورة" وحداثة سنه، ناهيك عن الموسيقي محمد عبد الوهاب ووجوده الثابت الفذ، وقد كان مدرسة رائدة في الموسيقى العربية.وقف فريد على عتبات الأشياء، ومع أنه تعثر في النجاح الشعبي التام، فإنه خلق حالة موازية من الخلود، ومن الاشتباك الأصيل مع الحياة عبر الفن، لمقاومة الخيبات الكبيرة.أما حفلة الربيع، فقد توفي بعدها بعدة سنوات، ويمكن صياغة كثير من حياته بالاستدلال بمشاهد هذه الحفلة، التي يظهر حماس الجمهور فيها مبكرا منذ بداية العزف، وهو حماس يشبه تكليل مسيرة كاملة، أو وداعا متفقا عليه بين الفنان وجمهوره.يتعاظم الحماس مع بداية تقاسيمه على العود، وتتمثل علاقة أدائية تنطوي على مهارة شديدة، وتعبير عن خصوصية العلاقة بينه وبين عوده، وهنا يستعاد انطباعه الأول عن علاقة أمه بعودها.ومع أنه في تقاسيم الحفلة الأولى توقف كثيرا، ليستجيب إلى حفاوة الجمهور المرتجلة، فمع تطويل مدة مقاطع التقسيم، ظهر تماهٍ أكبر بين الفنان وما يعزفه، ربما ألغى خلاله الجمهور عدة ثوان، ليعود كي يحييه بحرارة، تعيد الفنان إلى لحظة أقرب تعريف لها هو الأمل في أن تكون هذه لحظة خالدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





