أعادت حرب إيران رسم الكثير من أولويات المنطقة، ومن ضمنها ملف التطبيع، الذي توارى خلف تداعيات هذه الحرب، رغم سعي واشنطن و"إسرائيل" لجعلها طريقاً أقصر نحو التطبيع.
ففي الوقت الذي كانت فيه تل أبيب تراهن على توسيع دائرة "الاتفاقات الإبراهيمية"، جاءت تداعيات الحرب لتُربك هذا المسار، وتطرح تساؤلات جدية حول جدوى التطبيع في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.
ولعل المفارقة الأبرز أن الحرب التي قُدمت في بدايتها كوسيلة لتسريع التطبيع، وفق ما ألمح إليه بنيامين نتنياهو في تصريحات مبكرة، انتهت، حتى الآن، بنتائج معاكسة، أقلقت صناع القرار في "إسرائيل".
فبدلاً من فتح الأبواب، يبدو أن الحرب أعادت تثبيت الشروط القديمة، وربما شدّدت سقفها، في ظل مشهد إقليمي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للمغامرة السياسية.
دفعت الحرب على إيران المنطقة إلى حالة من السيولة الاستراتيجية، حيث تصدّرت الملفات الأمنية والعسكرية المشهد، على حساب المسارات السياسية، وفي مقدمتها التطبيع.
فالتصعيد الواسع، وتبادل الضربات، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، كلها عوامل جعلت الأولوية لدى دول المنطقة هي تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
صحيفة "يديعوت أحرونوت" قالت، في تقرير لها بتاريخ (11 أبريل 2026)، إن نتائج الحرب "تُقلل من فرص التطبيع والتحالفات بين إسرائيل والدول العربية"، مشيرةً إلى أن دول الخليج باتت أكثر ميلاً إلى الحذر وإعادة التموضع، بدلاً من الانخراط في مشاريع تحالفات جديدة.
وتكشف هذه المعطيات أن الحرب لم تضعف إيران فقط، كما كان متوقعاً، بل أضعفت أيضاً فرضية "التحالف الإقليمي" الذي كانت تسعى إليه واشنطن وتل أبيب، خاصة في ظل إدراك دول المنطقة أن الصراع قد يطول دون حسم، ما يجعل الانخراط فيه مخاطرة غير محسوبة.
كما أن تراجع تدفقات النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع التوترات الأمنية، كلها عوامل أعادت ترتيب الأولويات، ليصبح الاستقرار الداخلي والأمن الاقتصادي أكثر إلحاحاً من مشاريع التطبيع.
في الداخل الإسرائيلي، تعكس التقديرات الرسمية والإعلامية حالة من الإحباط إزاء مستقبل التطبيع، فالتقارير العبرية تتحدث عن تصدعات في التحالفات التي كانت قيد التشكل، وعن تراجع الثقة الإقليمية بقدرة "إسرائيل" على توفير مظلة أمنية مستقرة.
ووفق ما نقلته "يديعوت أحرونوت"، فإن مسؤولين إسرائيليين يرون أن دول الخليج تبنّت الحياد الحذر، وفضّلت عدم الانخراط في الحرب، وهو ما أضعف الرهان الإسرائيلي على بناء جبهة موحدة ضد طهران.
وفي السياق ذاته، أشارت صحيفة "يسرائيل هيوم"، في (17 مارس 2026)، إلى استمرار الجهود الإسرائيلية لتوسيع دائرة التطبيع، بما يشمل دولاً جديدة مثل لبنان، عبر قنوات سياسية وأمنية برعاية أمريكية، إلا أن هذه المساعي تبدو حتى الآن تصطدم بواقع إقليمي معقد.
هذا التناقض بين الطموح والواقع يعكس مأزقاً استراتيجياً، إذ تسعى "إسرائيل" للحفاظ على زخم التطبيع، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى تراجع فرصه، على الأقل في المدى القريب.
وتذهب بعض التقديرات الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن نتائج الحرب قد تدفع دولاً عربية إلى تعزيز علاقاتها مع قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا، كخيار توازن في مواجهة حالة عدم اليقين.
على مستوى دول الخليج، تبدو المواقف أكثر وضوحاً في ربط أي مسار للتطبيع بشروط سياسية ثابتة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
فالسعودية، التي تُعد الطرف الأهم والأكبر في حسابات التطبيع، ما تزال متمسكة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كشرط لأي اتفاق.
ولم تُظهر الرياض خلال الحرب أي استعداد لتغيير هذه المعادلة، بل عززت خطابها الداعم للحلول السياسية ورفض التصعيد، في مؤشر على أن أولوياتها تتجه نحو الاستقرار الإقليمي، لا الانخراط في تحالفات قد تزيد التوتر.
أما سلطنة عُمان، فقد عبّرت بشكل أكثر صراحة عن موقفها، إذ أكد وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، في (11 مارس 2026)، أن بلاده "لن تطبّع مع إسرائيل، ولن تنضم إلى مجلس السلام".
وأشار البوسعيدي، خلال لقاء عقده آنذاك مع صحفيين ورؤساء تحرير عُمانيين، إلى أن الحرب تهدف إلى "إعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع، ومنع قيام دولة فلسطينية".
ويعكس هذا التصريح، الذي جاء في ذروة الحرب، إدراكاً خليجياً بأن مسار التطبيع لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، وأن أي محاولة لتجاوزه قد تزيد من تعقيد المشهد بدلاً من حله.
عند العودة إلى تجربة "الاتفاقات الإبراهيمية"، التي وُقعت عام 2020، يتضح أن الرهان على التطبيع مدخلاً للاستقرار لم يتحقق بالكامل.
فالاتفاقات، التي قُدمت آنذاك كخطوة نحو السلام، لم تمنع استمرار التوترات، ولا التصعيد في الأراضي الفلسطينية، بل إن ما حدث بعدها مثل تهديداً وجودياً للقضية الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة الغربية.
فأحد أبرز شروط تلك الاتفاقات، وهو وقف الاستيطان، لم يُنفذ فعلياً، وهو ما أضعف مصداقيتها لدى الرأي العام العربي، وطرح تساؤلات حول جدوى المضي في مسارات مشابهة دون ضمانات سياسية حقيقية.
وفي ظل الحرب الحالية، تبدو هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً، إذ تشير الوقائع إلى أن التطبيع، في صيغته الحالية، لم يكن كافياً لردع "إسرائيل" أو الحد من سياساتها التوسعية، بل ربما وفّر لها هامشاً أوسع للتحرك.
في المحصلة، تكشف حرب إيران أن مسار التطبيع ليس خطاً مستقيماً، بل عملية معقدة تتأثر بالتحولات الإقليمية والدولية.
ولعل من أهم ما كشفته الحرب على إيران هو استحالة إبرام أي سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بسبب استراتيجيته التوسعية على حساب الأراضي العربية، وفق ما ذهب إليه الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة.
وقال الحيلة، في تصريحات لـ"الخليج أونلاين"، إن حرب الأربعين يوماً أثبتت عدة أمور مهمة، أبرزها سراب السلام والشراكة مع "إسرائيل" التي جرّت الولايات المتحدة إلى الحرب.
واستعرض الحيلة عدة أمور أفرزتها الحرب على إيران، وهي كما يلي:
- سراب السلام والشراكة مع "إسرائيل" التي قامت بتحريض واشنطن وجرها للحرب على إيران، دون احترام للقانون الدولي، ودون مراعاةٍ لمصالح دول المنطقة.
- هذا يعني أن "إسرائيل" ذاهبة بعيداً في تحقيق أحلامها في إعادة رسم الشرق الأوسط وإقامة "إسرائيل" الكبرى، كما صرح بذلك نتنياهو، ولن يتحقق هذا الهدف بالضرورة إلا على حساب الأرض والمصالح العربية والإسلامية، وتغيير الجغرافيا السياسية.
- انحياز الإدارة الأمريكية دون حدود لتطلعات "إسرائيل" الاستعمارية، يضع الدول العربية والإسلامية أمام واقع مختلف، يشير إلى أن واشنطن لم تعد حليفا موثوقاً، خاصة أنها ذهبت إلى الحرب مع "إسرائيل" بعكس توجه دول المنطقة، وحتى دون استشارتها أو إبلاغها بذلك.
- هذه التجربة، أكدت مسألتين في غاية الأهمية وهما: ضرورة حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً ينصف الشعب الفلسطيني، وهذا ما ترفضه "إسرائيل"، والمسألة الثانية أهمية الاعتماد على الذات في حماية أمن الإقليم من رعونة "إسرائيل" وتطرفها.
- وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أشار إلى ذلك أثناء انعقاد المنتدى الدبلوماسي في أنطاليا، منتصف أبريل الماضي، حيث أكد، عقب اللقاء الرباعي الذي جمعه بوزراء خارجية كل من السعودية ومصر وباكستان، على عدم السماح لـ"إسرائيل" بتهديد استقرار المنطقة، وبضرورة التعاون بين دول الإقليم اقتصادياً وفي مجال الطاقة والدفاع لحماية أمن المنطقة، حيث الأمن يبنى من الداخل ولا يستورد من الخارج.
Loading ads...
- هذا يعني أن العلاقة مع "إسرائيل" بعد الحرب على إيران لن تكون كما كانت قبلها، حيث تحوّلت "إسرائيل" من شريك محتمل إلى تهديد استراتيجي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

DNS points to prohibited IP
منذ 2 دقائق
0




