في تسعينيات القرن الماضي، أجرى عالم الأعصاب الألماني "ولفرام شولتز" وزملاؤه سلسلة من التجارب على أدمغة القرود، انتهت إلى اكتشاف مثير يتعلق بكيفية استجابة الدماغ للمكافآت، ولماذا قد يفقد الشيء قيمته التحفيزية رغم أنه لم يتغير على الإطلاق.
كانت التجربة تبدو بسيطة؛ يحصل قرد على قطرات من العصير، بينما يراقب الباحثون النشاط الكهربائي لخلايا عصبية مرتبطة بإفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي يؤدي دورًا مهمًا في التعلم والتحفيز وتوقع المكافآت.
في البداية، لاحظ العلماء ارتفاعًا مفاجئًا في نشاط هذه الخلايا عندما يحصل القرد على العصير دون سابق إنذار، لكن الأمور تغيرت عندما أضاف الباحثون إشارة ضوئية تسبق وصول العصير، وكرروا العملية حتى تعلم الحيوان الربط بين الضوء والمكافأة.
المفاجأة أن نشاط الخلايا العصبية بدأ يرتفع عند ظهور الضوء، وليس عند وصول العصير نفسه؛ فبمجرد أن أصبح القرد يتوقع المكافأة، لم يعد الحصول عليها في موعدها يثير الاستجابة العصبية المفاجئة نفسها.
أما عندما ظهر الضوء ولم يصل العصير، فانخفض نشاط تلك الخلايا في اللحظة التي كان ينتظر فيها القرد مكافأته، في إشارة إلى أن الدماغ لم يكن يستجيب للمكافأة وحدها، وإنما للفارق بين التوقعات والنتائج الفعلية.
هذه الظاهرة، المعروفة علميًا باسم "خطأ التنبؤ بالمكافأة" وثقها "شولتز" في دراسة منشورة بدورية علم وظائف الأعصاب عام 1998.
والآن، بعد نحو ثلاثة عقود، يمكن العثور على مفارقة مشابهة في وول ستريت، وإن كانت الأسواق لا تعمل بالطبع بالطريقة نفسها التي تعمل بها الخلايا العصبية؛ لكن الشركة قد تحقق أرباحًا استثنائية، ويستقبل المستثمرون الخبر بعمليات بيع تدفع سهمها إلى الهبوط.
ما الذي لا يعجب السوق؟
- في 30 سبتمبر، أعلنت "ميكرون" ارتفاع إيرادات في الربع المالي الرابع إلى 54.23 مليار دولار، بزيادة 379% سنويًا، وقفز ربح السهم المعدل إلى 33.42 دولار من 3.03 دولار، أي نحو 1003%.
- لم تكن تلك مجرد قفزة محاسبية؛ فقد ارتفع هامش الربح الإجمالي المعدل من 45.7% إلى 87%، وعلى مستوى السنة المالية كاملة، بلغت الإيرادات 133.19 مليار دولار، بزيادة 256% عن العام السابق.
- مع ذلك، تراجع السهم بنحو 2% في الجلسة التالية للنتائج.
- تكمن الإجابة في مقارنة مختلفة تمامًا، فالنتائج لم تكن تُقاس بما أنجزته الشركة قبل عام، بل بما راهن المستثمرون على أنها ستنجزه الآن.
- تجاوز ربح السهم تقدير المحللين البالغ 31.41 دولار بنحو 6.4% فقط، لكنه أخفق في بلوغ "التوقع غير الرسمي"، والبالغ 34.14 دولار.
- هكذا اجتمع نمو الأرباح بأكثر من ألف بالمئة مع تجاوز محدود للتوقعات الرسمية، بل وإخفاق في الوصول إلى سقف أعلى من التوقعات غير الرسمية.
عندما يسبق السعرُ الأرباحَ
- يتحرك السهم قبل إعلان النتائج بفترة طويلة، ويشتري المستثمرون بناءً على توقعات النمو، ويرفع المحللون تقديراتهم، ويصعد السعر كلما بدا النجاح أكثر يقينًا، وعند صدور البيانات الرسمية قد لا يبقى ما يكفي لدفعه مجددًا.
- في حالة "ميكرون"، كان السهم قد ارتفع نحو 273% منذ نهاية 2025 حتى إعلان النتائج، أي أن المستثمرين دفعوا بالفعل ثمن جانب كبير من النجاح المنتظر.
- لكن ثمة طبقة أعمق من مجرد تسعير الخبر مسبقًا، فإذا كان السعر يعكس الأرباح المستقبلية، فيصبح السؤال الأهم: هل الأرباح القياسية قابلة للاستمرار، أم أنها ذروة يصعب تكرارها؟
- بالقرب من سعر 1066 دولارًا عند إغلاق جلسة الإعلان، كان سهم "ميكرون" يتداول عند نحو 14 ضعف ربحه السنوي المعدل البالغ 75.52 دولار.
- لو انخفض ذلك الربح إلى النصف، لارتفع المضاعف نظريًا إلى 28 مرة دون أن يتحرك السهم سنتًا واحدًا.
- هذه الحساسية ليست افتراضية تمامًا؛ ففي السنة المالية 2023، تكبدت "ميكرون" خسارة صافية بلغت 5.83 مليار دولار، قبل أن تحقق أرباح قياسية في 2026.
- تقر الشركة في تقريرها السنوي لعام 2026 بالتقلبات الحادة لأسعار رقائق الذاكرة بفعل اختلالات العرض والطلب؛ ما يجعل استدامة الأرباح أهم من حجم قفزتها الأخيرة.
- على الرغم من توقع نمو الإيرادات إلى 61.5 مليار دولار في الربع التالي، أشارت "ميكرون" إلى هامش إجمالي معدل يقارب 86.25% مقابل 87% محققة بالفعل.
- كما بلغ إنفاقها الرأسمالي 27.37 مليار دولار خلال 2026، لكن الشركة حققت أيضًا تدفقات نقدية حرة معدلة بنحو 62.31 مليار دولار؛ ولذلك لا يمثل الإنفاق المرتفع وحده دليلًا على مشكلة.
المعضلة الحقيقية هي قدرة الاستثمارات الجديدة على توليد عوائد مستدامة، خاصة إذا تراجعت أسعار الذاكرة مستقبلًا عن مستوياتها الاستثنائية.
حين تخسر الشركات بسبب أخبار جيدة
في أغسطس 2024، أعلنت "إنفيديا" زيادة إيراداتها الفصلية 122% إلى 30 مليار دولار، متجاوزة التوقعات، لكن سهمها هبط بأكثر من 6% في الجلسة التالية.
- السبب أن توقعاتها للربع المقبل لم تتجاوز تقديرات السوق بالهامش الهائل الذي اعتاده المستثمرون.
- في أبريل من العام نفسه، أعلنت "ميتا" نمو صافي أرباحها 117%، لكن أسهمها هوت بنحو 15% في التعاملات اللاحقة للإغلاق.
- هنا كان القلق مختلفًا؛ زيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتوقع إيرادات أقل من المنتظر، لا ضعف النتائج المحققة.
- توضح الحالتان أن التفوق على العام الماضي والتفوق على توقعات السوق اختباران منفصلان؛ وأن الأهم أحيانًا ليس ما ربحته الشركة، وإنما ما ستنفقه لتحافظ على قدرتها على الربح.
- ليس بالضرورة، لكنه ليس معصومًا أيضًا، فقد وثقت مراجعة أكاديمية منشورة عام 2021 ظاهرة "الانجراف بعد إعلان الأرباح"، حيث تستمر الأسعار أحيانًا في التحرك باتجاه مفاجأة الأرباح بعد الإعلان، بدل استيعاب الخبر كله فورًا.
- لذلك لا يعني انخفاض السهم بعد تقرير قوي أن الشركة مبالغ في تقييمها حتمًا، أو أن المستثمرين اكتشفوا مشكلة خفية. فحركة يوم واحد تتأثر كذلك بمزاج السوق وجني الأرباح، ولا تكشف وحدها سببًا قاطعًا.
- الأجدى فحص أربعة أسئلة: كم تجاوز الربح التوقعات لا أرقام العام الماضي؟ ماذا قالت الإدارة عن المستقبل؟ ما تكلفة النمو نقدًا؟ وهل تسمح طبيعة الصناعة باستمرار الأرباح الحالية؟
- في المختبر، كان العصير حقيقيًا، لكن وصوله إلى القرد لم يعد مفاجأة، وفي البورصة، قد تكون الأرباح الاستثنائية حقيقية تمامًا، لكن السهم لا يرتفع لمجرد تحقق الوعد؛ بل عندما يحمل المستقبل ما لم يكن السعر قد حسب حسابه.
Loading ads...
المصادر: أرقام- البيانات المالية لـ "ميكرون"- البيانات المالية لـ ميتا"- البيانات المالية لـ "إنفيديا"- إفصاحات هيئة البورصات والأسواق المالية الأمريكية- دراسة بعنوان " Predictive Reward Signal of Dopamine Neurons"
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





