7 أيام
من يملك القرار القانوني؟ إشكالية تعدد المرجعيات في تطبيق التشريعات السورية
الأربعاء، 20 مايو 2026
في الدول المستقرة، يُفترض أن يكون القانون مرجعية نهائية تُنهي الجدل، لا أن تبدأه. أما في البيئات المعقدة، فالمشكلة لا تكون دائماً في غياب القوانين بل في تعدد الجهات التي تمتلك سلطة تفسيرها وتطبيقها.
وهنا تحديداً تظهر واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في المشهد السوري اليوم:
من يملك القرار القانوني الفعلي؟
للوهلة الأولى، تبدو الصورة القانونية في سوريا مكتملة شكلياً. هناك قوانين، ومراسيم، وتعليمات تنفيذية، وهيئات ومؤسسات معنية بالتطبيق. لكن عند الانتقال من النص إلى الواقع، يبدأ التعقيد بالظهور تدريجياً. فالقانون، في كثير من الحالات، لا يتحرك ضمن مسار مؤسسي واحد وواضح، بل ضمن شبكة متداخلة من المرجعيات والصلاحيات والتفسيرات المتعددة.
وفي هذه اللحظة تحديداً، لا يعود السؤال: ماذا يقول القانون؟
بل: أي تفسير سيتم اعتماده؟ ومن الجهة التي تملك القرار النهائي؟
عندما تتعدد المرجعيات، لا يعود القانون مرجعية موحدة بل يتحول أحياناً إلى مساحة مفتوحة للاجتهاد الإداري.
هذه الإشكالية لا تبدو نظرية كما قد يظن البعض، بل تنعكس مباشرة على بنية الدولة نفسها، وعلى الاقتصاد، والإدارة، والاستثمار، وحتى على ثقة الأفراد بالمؤسسات العامة. فحين تصبح المرجعيات متعددة، يتحول القرار القانوني إلى مسار طويل من التقديرات المتباينة، وتصبح الإجراءات أكثر بطئاً وتعقيداً، وتفقد المؤسسات قدرتها على إنتاج مسار واضح يمكن التنبؤ به.
وفي الواقع السوري الحالي، لا ترتبط هذه الأزمة بضعف التشريع بقدر ما ترتبط بطبيعة العلاقة بين المؤسسات. فثمة تداخل مستمر بين الاختصاصات، وتباين في فهم حدود الصلاحيات، وتعدد في الجهات التي تمتلك قدرة فعلية على التأثير في القرار التنفيذي.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق:
في مثل هذه البيئات، يصبح تنفيذ القانون مرتبطاً بالسياق أكثر من ارتباطه بالنص. وقد يختلف مسار الملف ذاته بين جهة وأخرى، أو تتغير آلية التطبيق بحسب المؤسسة أو التقدير الإداري أو حتى طبيعة العلاقة بين الجهات المعنية. ومع الوقت، لا يعود التعقيد استثناءً، بل يتحول إلى جزء من البنية الإدارية نفسها.
هذا الواقع ينعكس بصورة مباشرة على البيئة الاقتصادية والاستثمارية. فالمستثمر، سواء أكان سورياً أم أجنبياً، لا يبحث فقط عن قانون استثمار جيد، بل عن دولة قادرة على إنتاج قرار مستقر وواضح ومتسق؛ لأنه في النهاية، يمكن التعامل مع القوانين المعقدة، لكن من الصعب التعامل مع بيئة لا يمكن التنبؤ بآلية اتخاذ القرار فيها.
ومن هنا، فإن جزءاً كبيراً من المخاطر في السوق السورية اليوم لا يتعلق بغياب الفرص، بل بغياب الوضوح الكافي في المرجعيات وآليات التطبيق. فالمشكلة ليست دائماً في النصوص القانونية، بل في تعدد المسارات التي يمكن أن يمر بها النص نفسه قبل أن يتحول إلى قرار نافذ.
وفي ظل الحديث المتزايد عن مرحلة اقتصادية جديدة، وعن استقطاب الاستثمارات وإعادة تنشيط قطاعات الإنتاج والبنية التحتية، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؛ لأن بناء الثقة لا يتحقق عبر إصدار القوانين فقط، بل عبر قدرة المؤسسات على تطبيقها بصورة مستقرة ومتوقعة.
فالاقتصاد لا يخاف من القوانين الصارمة بقدر ما يخاف من غموض القرار.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في تحديث التشريعات أو إصدار قوانين جديدة، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات، وتوضيح حدود الاختصاص، وبناء مسار قانوني أكثر استقراراً وقدرة على الحسم.
وفي هذا السياق، لم يعد دور المحامي أو المستشار القانوني مقتصراً على تفسير النصوص، بل أصبح أقرب إلى قراءة البيئة المؤسسية نفسها: فهم مراكز القرار، وتحليل العلاقات بين الجهات المختلفة، واستشراف الطريقة التي قد يتحرك بها الملف داخل البنية الإدارية. فالقانون في البيئات المعقدة لا يعمل كنص مستقل، بل كجزء من منظومة كاملة من التفاعلات المؤسسية والسياسية والإدارية.
لكن الأخطر من ذلك كله أن استمرار تعدد المرجعيات لا يؤدي فقط إلى تعقيد الإجراءات، بل إلى استنزاف الثقة بالدولة نفسها؛ لأن الدولة، في جوهرها، لا تُقاس بعدد المؤسسات الموجودة فيها، بل بقدرتها على إنتاج قرار نهائي واضح يحظى بالاستقرار والاتساق.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في تحديث التشريعات أو إصدار قوانين جديدة، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات، وتوضيح حدود الاختصاص، وبناء مسار قانوني أكثر استقراراً وقدرة على الحسم.
فسوريا اليوم لا تواجه فقط تحدي إعادة بناء الاقتصاد، بل تواجه أيضاً تحدي إعادة بناء “وضوح الدولة” نفسها.
وفي النهاية، قد تكون أخطر الأزمات القانونية ليست تلك التي يغيب فيها القانون، بل تلك التي يصبح فيها القانون موجوداً، لكن القرار المرتبط به موزعٌ بين مرجعيات متعددة.
وعند هذه النقطة تحديداً، لا يعود السؤال: هل لدينا قوانين؟
بل: هل لدينا منظومة قادرة على تحويل هذه القوانين إلى قرارات واضحة، ومستقرة، وقابلة للثقة؟
لأن الدول لا تُقاس فقط بما تكتبه في نصوصها،
Loading ads...
بل بقدرتها على جعل هذه النصوص تعمل بالمعنى نفسه، أمام الجميع، وضمن المسار ذاته.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


