في أوقات الأزمات الكبرى، لا يمكن أن تختزل إدارة المؤسسات في أرقام الموازنات ودفاتر الحسابات، فهي -مهما كانت دقيقة- لا تحقق استقراراً ولا تحمي بلداً إذا كان الثمن هو إنهاك المجتمع وتآكل قدرته على الاحتمال.
وحين تقف الحكومة أمام مفترق طرق بين معالجة عجز مالي من جهة، وحماية قدرة مواطنيها على الصمود من جهة أخرى، فمن المهم ألا يُختزل الحل في أرقام مجردة؛ لأن الاستقرار الاجتماعي نفسه جزء من قوة الدولة، وأحد شروط استقرارها ومظاهره.
لقد دفعت سوريا وشعبها على مدار سنوات الحرب ما تنوء بحمله الجبال؛ استنزافاً في الأرواح، وانهياراً في البنى التحتية، وتآكلاً في القوة الشرائية، خصوصاً لدى أصحاب الدخل المحدود ومن فقدوا مصادر دخلهم، فضلا عمن لا دخل لهم أصلاً. وفي هذا الظرف الاستثنائي، لا يمكن التعامل مع المحروقات على أنها مجرد سلعة تخضع لتقلبات الأسواق وتكاليف الاستيراد والتشغيل؛ لأنها في اقتصاد بلدٍ أنهكته الحرب مدخلٌ أساسي للخبز والنقل والزراعة والصناعة والتجارة والإنتاج والتدفئة والكهرباء وغيرها، وليست مادة للاستهلاك فحسب، وأي زيادة في أسعار المحروقات تنعكس مباشرة على ذلك كله، وما يبدو في الموازنة قراراً مالياً محدوداً قد يتحول في الحياة اليومية إلى وجبة تُحذف من مائدة أسرة، أو أجرة نقل يعجز عنها عامل، أو كلفة إنتاج إضافية يدفعها المواطن في نهاية المطاف.
إن الاستدانة ليست حلاً سحرياً، والدعم المفتوح ليس سياسة قابلة للاستمرار إلى الأبد، وفي أوقات الأزمات قد يكون شراء الوقت جزءاً من إدارة الأزمة، شريطة أن يكون مؤقتاً ومدروساً ومصحوباً بخطة واضحة للخروج منه..
ومن جانب آخر، فإن استمرار دعم الحكومة للمحروقات بصورة غير منضبطة قد يفرض أعباءً ثقيلة على المالية العامة، وقد يؤدي إلى إشكالات اقتصادية وهدر في الموارد. ومن ثم فإن الإصلاح المالي ليس ترفاً يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية، والاعتراف بضرورة الإصلاح لا يعني أن كلَّ وسيلة لتحقيقه مناسبةٌ، ولا أن المجتمع يستطيع تحمُّل كلفته في أي وقت وتحت أي ظرف، وأن لعامل التوقيت أثراً بالغ الأهمية، وربما يكون من أكثر العناصر حساسية في إدارة الأزمات، والقرار الذي قد يمثل إصلاحاً اقتصادياً مقبولاً في ظروف الاستقرار والنمو، يمكن أن يتحول في مجتمع أنهكته الحرب وضيّقت عليه سبل العيش إلى صدمة اجتماعية يصعب امتصاصها.
إن نقل كلفة الإصلاح كاملة إلى المستهلك دفعة واحدة، في مرحلة لم يستعد فيها الاقتصاد قدرته الإنتاجية ولم تستعد الأسر حدود كفايتها المالية، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ لأن انخفاض القدرة الشرائية يضر بالمواطن، ويضعف الطلب، ويضغط على الإنتاج، ويزيد الحاجة إلى تدخلات جديدة قد تعيد إنتاج المشكلة المالية بصورة أخرى. ومن هنا فإن قوة الحكومة في إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بحجم الوفر الذي تحققه للخزينة، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين سلامة المالية العامة والحفاظ على قدرة المجتمع والاقتصاد على الصمود والتعافي. والمواطن الذي فقد قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية لن ينظر إلى أي توفير تحققه الخزينة على أنه نجاح إذا كان هذا التوفير قد جاء على حساب قدرته على تأمين الغذاء أو الدواء أو النقل أو التدفئة....، كما أن المجتمع الذي تتراكم فيه مشاعر العجز والخذلان يصبح أقل قدرة على المشاركة في عملية التعافي والإنتاج وإعادة البناء؛ ولهذا فإن حماية القدرة الشرائية في جانب مهم منها سياسة اجتماعية واقتصادية واستثمار في الاستقرار.
والأمر يتعلق بالمجتمع كله لا بالحاضنة السياسية أو بفئة بعينها؛ لأن استعادة الثقة بين المواطن والدولة عنصر ضروري لنجاح أي برنامج إصلاح واستقرار طويل الأمد، وكلما شعر المواطن بأن الإصلاح يتمّ على حسابه وحده، ازدادت مقاومته له، حتى لو كان جزء منه ضرورياً من الناحية الاقتصادية، ولا ينبغي النظر إلى الأمر على أنه اختيار بسيط بين "المال" و"الناس"، فالسياسة المالية المستدامة مهمة، والدولة لا تستطيع الإنفاق بلا حدود، لكن عليها في المقابل أن تحسب الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لصدمة الأسعار إلى جانب كلفة العجز، وقد يكون تحمّلُ جزء من الكلفة المالية بصورة مؤقتة، عبر إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو تأجيل بعض النفقات الأقل إلحاحاً، أو استخدام أدوات تمويل قابلة للاستدامة، أقلَّ كلفة على الدولة والمجتمع من تمرير زيادة أسعار حادة في مرحلة التعافي وفي ظروف صعبة.
وفي المقابل، فإن الاستدانة ليست حلاً سحرياً، والدعم المفتوح ليس سياسة قابلة للاستمرار إلى الأبد، وفي أوقات الأزمات قد يكون شراء الوقت جزءاً من إدارة الأزمة، شريطة أن يكون مؤقتاً ومدروساً ومصحوباً بخطة واضحة للخروج منه، وإدارة الانتقال من الدعم إلى الإصلاح بطريقة لا تدفع المجتمع إلى حافة الإنهاك، وليس استمرار الدعم بأي ثمن وإلى ما لا نهاية.
وإذا كانت الدولة مضطرة إلى تعديل الأسعار، فإن أمامها خيارات أكثر تدرجاً من رفعها بصورة مفاجئة وشاملة، ولعل من أبرزها:
أولاً: التدرج في تعديل الأسعار وتوزيع الزيادات على مراحل تسمح للأسر والقطاعات الاقتصادية بالتكيف، بدلاً من نقل الكلفة كاملة إلى المستهلك في خطوة واحدة.
ثانياً: إعادة توجيه الدعم بدلاً من إلغائه بصورة عشوائية، فدعم النقل العام والزراعة والمخابز وبعض القطاعات الإنتاجية الأكثر حساسية قد يكون أكثر كفاءة من تقديم دعم شامل يستفيد منه الجميع بالدرجة نفسها.
ثالثاً: إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام بحيث تعطى الأولوية في ظل هذه الظروف للإنفاق الذي يحمي القدرة الشرائية ويسهم في إعادة تحريك عجلة الإنتاج، مع تأجيل المشاريع والنفقات التي يمكن تأجيلها من دون ضرر جوهري.
رابعاً: تعزيز الشفافية؛ فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف حجم كلفة الدعم، وحجم العجز، وما الذي ستوفره زيادة الأسعار؟ وأين ستذهب الوفورات المتحققة؟ والإصلاح الذي يُشرح للناس ويُبنى على أرقام واضحة يختلف سياسياً واجتماعياً عن قرار يُفرض عليهم من دون تفسير.
خامساً: مكافحة الهدر والتهريب والفساد في منظومة توزيع المحروقات لا بد لها أن تسبق هذه المعالجة أو ترافق أي تحميل إضافي للكلفة على المستهلك؛ لأن المواطن لن يتقبل بسهولة أن يتحمل أعباء الإصلاح في الوقت الذي تستمر فيه مواطن الهدر من دون معالجة.
ليس الاختيار الحقيقي بين الخزينة والمواطن، وكأن إنقاذ أحدهما يستوجب التضحية بالآخر؛ فلا إنقاذ مستدام للخزينة إذا كان ثمنه إضعاف المجتمع والاقتصاد، ولا حماية مستدامة للمواطن إذا انهارت المالية العامة..
إن منطق التجارة والربح والخسارة المالية وحده لا يكفي لإدارة الدول في المنعطفات التاريخية الحساسة والظروف الصعبة، وتجاهل الحسابات المالية بحجة حماية المواطن ليس سياسة قابلة للاستمرار أيضاً، والمطلوب هو رؤية أوسع تدرك أن الخزينة والمجتمع مكوّنان لنظام واحد، وأن العلاقة بينهما دائرية متبادلة التأثير وليست خطية في اتجاه واحد؛ فالخزينة تحتاج إلى اقتصاد حيّ، والاقتصادُ يحتاج إلى مستهلك قادر على الإنفاق، والقدرةُ على الإنفاق تحرك الإنتاج، والإنتاج يحتاج إلى وقود تستطيع القطاعات المختلفة تحمّل كلفته، والدولة تحتاج إلى مجتمع مستقر قادر على المشاركة في البناء والنهوض. ولهذا فإن الإصلاح المالي الذي تفرضه الضرورة يجب ألا يتحول إلى صدمة اجتماعية، ويمكن للدولة أن تصل إلى التوازن المالي باختيار الطريق الذي يحفظ للمواطن قدرته على الاحتمال، وللاقتصاد قدرته على التعافي.
إذن، ليس الاختيار الحقيقي بين الخزينة والمواطن، وكأن إنقاذ أحدهما يستوجب التضحية بالآخر؛ فلا إنقاذ مستدام للخزينة إذا كان ثمنه إضعاف المجتمع والاقتصاد، ولا حماية مستدامة للمواطن إذا انهارت المالية العامة، ولا بد من إدراك أنَّ استقرار المجتمع أساس من أسس قوة الدولة واقتصادها، وأن القدرة الشرائية للمواطن أحد شروط دوران عجلة الإنتاج واستعادة الإيرادات وانتعاش الاقتصاد، وليست شأناً اجتماعياً منفصلاً عنه.
Loading ads...
وفي مرحلة ما بعد الحرب، قد يكون شراء الوقت والاستقرار، بكلفة مالية محسوبة ومؤقتة، أقلّ كلفة من دفع ثمن الانهيار الاجتماعي لاحقاً؛ لأن المال يمكن إعادة بنائه عبر الإنتاج والاستثمار والإصلاح....، أما الثقة إذا انكسرت، والاستقرار إذا اهتز، فإعادة بنائهما تحتاج إلى وقت وكلفة أكبر بكثير.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

