آخر تحديث: 12:47 (توقيت مكة)
سلطت مؤسسة "نيمن لاب" (Nieman Lab) الأمريكية المعنية برصد مستقبل الصحافة -في أحدث تقاريرها- الضوء على نموذج إعلامي بديل يُعرف بمشروع غرفة أخبار المكتبة.
وبحسب التقرير الموقع باسم الكاتبة في المؤسسة صوفي كلبيبر، يسعى هذا المشروع إلى التصدي لما يُعرف بأزمة الجفاف الإخباري التي تضرب المجتمعات الحضرية والريفية على حد سواء. والجفاف الإخباري هو الحالة التي تعاني فيها وسائل الإعلام شحا في المواد الجذابة أو الأخبار العاجلة.
ويقترح المشروع نقل العملية الصحفية من غرف الأخبار المغلقة والمنصات الرقمية المعزولة إلى فضاء عام موثوق هو المكتبات العامة. وتقوم فلسفة المشروع على تحويل السكان المحليين من متلقين سلبيين للأخبار إلى مشاركين فاعلين في التقصي والكتابة وصناعة محتوى يعبّر عن واقع أحيائهم اليومي.
وبحسب الكاتبة، يأتي هذا المشروع استجابة لقطيعة متزايدة بين الجمهور والإعلام، ففي وقت تندفع فيه غرف الأخبار نحو الرقمنة الكاملة ومنطق الخوارزميات، باتت التغطيات الصحفية أكثر تجريدا وأبعد عن ملامسة الهموم المباشرة للناس.
ومن هنا، توفر المكتبات العامة بيئة محايدة تجمع الجيران لمناقشة قضاياهم الخدمية والتنموية، قبل أن تتحول هذه النقاشات إلى نشرات ومجلات وأدلة إخبارية مطبوعة تُوزَّع مجانا في الأسواق والمراكز المجتمعية.
وتعود جذور المشروع إلى الصحفي والباحث تيري باريس جونيور، الذي راكم أكثر من 15 عاما في قيادة مشروعات الصحافة التشاركية بمؤسسات كبرى، من بينها "بروبوبليكا" (ProPublica) و"نيويورك تايمز" ومؤسسة "ذا سيتي" (THE CITY). وخلال هذه المسيرة، أطلق جونيور مبادرات مبكرة من بينها "غرفة الأخبار المفتوحة"، لكنه خلص إلى أن بناء الثقة واستدامة التغطية المجتمعية لا يتحققان بإرسال صحفيين لتغطية حدث ثم مغادرته، بل بتوطين الصحافة داخل مؤسسات تمتلك أصلا ثقة الجمهور ورصيدا من الخدمة العامة، وفي مقدمتها المكتبات.
ولتعميق هذه الرؤية أكاديميا، حصل جونيور على درجة الماجستير في علم المكتبات والمعلومات، وصقل نموذج مشروعه خلال زمالته في برنامج "جون إس نايت" للصحافة بجامعة ستانفورد. وانطلقت النواة الأولى للمشروع من شراكة ميدانية مع فرع "سانسيت بارك" التابع لمكتبة بروكلين العامة في نيويورك، حيث تدرب سكان الحي على أصول التقصي والصياغة، ونجحوا على مدى أكثر من عام في إصدار أكثر من 12 عددا شهريا من نشرة مجانية تحمل اسم "سانسيت بارك صن" (Sunset Park Sun)، مخصصة بالكامل للأسئلة الخدمية والتنموية التي تشغل أهالي المنطقة.
وبحسب الكاتبة، تقلب فلسفة "صحافة المكتبات" التحريرية اتجاه تدفق المعلومة المعتاد، فبدلا من أن يفرض المحرر أجندته الإخبارية كما جرت العادة، تنطلق العملية الصحفية من استطلاع ما يريد الجيران أنفسهم معرفته عن بيئتهم المباشرة. ويرى جونيور أن كما هائلا من المعلومات الخدمية والحلول القيّمة يبقى حبيس منشورات التواصل الاجتماعي أو أدراج الجهات الرسمية المغلقة، دون أن يتحول إلى معرفة عامة منظمة، ومن هنا فإن دور المشروع -كما يصفه- يتجاوز إصدار صحيفة تقليدية إلى تأسيس بنية تحتية محلية لتجميع هذه المعرفة وتوثيقها.
وقد اتسع طموح المشروع من إنشاء غرفة أخبار مستقلة واحدة إلى تصور أشمل: تحويل كل مكتبة عامة في الولايات المتحدة -البالغ عددها نحو 16 ألف مكتبة- إلى مساحة تفاعلية، يفحص فيها المواطنون واقعهم ويوثقونه بأنفسهم. وتتيح هذه اللقاءات للمشاركين تعلم أدوات الصحافة الأساسية، من التحقق من صحة الأخبار إلى طرح الأسئلة الدقيقة ومتابعة قضايا كصيانة الحدائق العامة وتأخر المشروعات العمرانية وحقوق المستأجرين وبرامج الدعم الاجتماعي.
وتقول الكاتبة إنه في زمن الانغماس الرقمي الكامل، يراهن المشروع عمدا على إعادة الاعتبار إلى المطبوع الورقي. ويشدد القائمون عليه على أن طباعة النشرات والخرائط الخدمية وتوزيعها مجانا على رفوف المكتبات والمقاهي والمحال التجارية يضمن وصول المعرفة إلى كل شرائح المجتمع، بمن فيهم من لا تتيح لهم الحواجز الرقمية أو الاشتراكات المالية متابعة الأخبار. ويرى المشروع أن المادة الورقية تمنح الخبر ملمسا وصحبة يفتقدهما المحتوى الرقمي المشتت، وتوطد العلاقة المباشرة بين سكان الحي الواحد.
Loading ads...
لكن جونيور يضع حدا فاصلا وواضحا بين التغطية الخدمية المجتمعية والتحقيقات الصحفية الشائكة، مؤكدا أن غرفة أخبار المكتبة لا تهدف إلى استبدال الصحافة المحترفة أو إلغاء دور المؤسسات التحريرية الكبرى. فالأعمال التي تنطوي على مخاطر قانونية، أو تتطلب حماية مصادر سرية، أو تغطية قضايا فساد معقدة، تبقى بحاجة إلى صحفيين محترفين ومستشارين قانونيين ومؤسسات متماسكة تحمي العمل الصحفي. لكن تمكين المجتمعات من توثيق معرفتها اليومية -كما يرى- يرفع عن كاهل غرف الأخبار التقليدية عبء التغطيات الروتينية، ويفتح المجال لبيئة إعلامية تتكامل فيها الخبرة الاحترافية مع المشاركة المجتمعية المباشرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





