7 أشهر
مكتبات السوريين المنزلية تواجه الحرب.. حكايات عن فقدان آلاف الكتب
الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025
يقارن الستيني محمود بين مكتبته الصغيرة الجديدة التي تتجاوز الـ20 كتاباً بقليل، ومكتبته القديمة التي تعرضت للحرق على يد عناصر النظام المخلوع في أثناء اجتياحهم المدن ومعاركهم مع الثوار.
فعلى مدار سنوات طويلة -منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي تقريباً- بدأ محمود بتأسيس مكتبته المنزلية الخاصة؛ اشترى مجموعة مؤلفات الشيخ علي الطنطاوي كاملة، كحجر أساس لمكتبة سرعان ما كبرت خلال عقدين من الزمن لتتجاوز ألف مجلد وكتاب، بالإضافة إلى مئات المجلات الأدبية والسياسية والفكرية.
وفي أثناء المعارك التي طالت مدينته بريف دمشق، اضطر محمود للنزوح تاركاً منزله ومكتبته التي كانت أكبر إنجازات حياته، بحسب ما يؤكد لـ موقع تلفزيون سوريا، ويقول إنه لم يكن يتوقع أن تكون المكتبة محط انتقام من قبل جنود النظام الذين حرقوا الغرفة التي تضم بين جدرانها رفوفاً مليئة بمجلدات التاريخ والأدب العربي القديم والمعاصر، وهي المجالات التي حازت على اهتمام محمود على مدار أعوام طويلة.
بحرقة واضحة، يشير محمود إلى مكتبة متواضعة تضم بضع مجلدات أقدم على شرائها خلال السنتين الماضيتين كبداية لمكتبة جديدة. لكنه يشكو من ارتفاع أثمان الكتاب الورقي في ظل ضعف المدخول الذي يحصل عليه من عمله في بيع المواد الغذائية كعامل باليومية. ويضيف: "كانت مكتبتي جزءاً من حياتي الماضية الجميلة. لا أنسى الجلوس إلى المكتب والمطالعات الطويلة النهمة في مجلدات الأدب العربي وتسجيل الملاحظات والحواشي على أوراقها الصفراء".
كتب تحت أقدام الجنود
تشكل قصة محمود واحدة من القصص المأساوية لما حل بالمكتبات المنزلية في المدن السورية المنكوبة، فقد تعرضت عشرات المكتبات الخاصة للتخريب والحرق والنهب. في مدينة داريا، وبعد أن هجّر النظام المخلوع ثوارها نحو الشمال السوري، كانت أقدام الجنود تدوس على الكتب التي جمعها فريق من الثوار في قبو كبير كمشروع ثقافي وسط الحصار حاز على اهتمام عالمي بعد فترة.
عشرات المكتبات الخاصة التي كانت عرضة للدمار في ظل انهمال مئات البراميل المتفجرة على مباني المدينة كانت عرضة للحرق. قام الفريق بتجميع هذه المكتبات داخل القبو الضخم حفاظاً عليها وبغية القيام بنشاط ثقافي يساند كفاح الثوار بالبندقية. لكن جنود النظام عملوا على إتلاف هذه الكتب وإهانتها ونقل قسم منها إلى أماكن مجهولة ربما بقصد بيعها في السوق.
وتعطي مكتبة داريا صورة واضحة عن مصير عشرات المكتبات المنزلية السورية، التي تعرضت للإتلاف بينما بذل مالكوها أموالاً طائلة على مدار سنوات لتجميعها وترتيبها.
كتب نادرة التهمتها النيران
أبو وائل أحد هواة جمع الكتب القديمة خصوصاً المؤلفات التي نشرت في عصر النهضة العربية (بين منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين)، يوضح خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا أنه أجرى قبل اندلاع الثورة بقرابة خمس سنوات زيارات مكوكية إلى المكتبات التجارية في الحلبوني وبسطات الكتب تحت ما كان يعرف بـ"جسر الرئيس" بحثاً عن الكتب والمجلات النادرة.
استطاع أبو وائل الحصول على أعداد وافرة من مجلتي "السياسة" و"الثقافة" المصريتين الشهيرتين. يقول حول ذلك: "كنت أشتري العدد الواحد بـ 500 ليرة وهو مبلغ كبير في تلك الأيام يعادل يومية محترمة للعامل" ويتابع: "كانت فرحتي عارمة كلما حصلت على عدد من مجلات عصر النهضة أو على مجلد نادر من ذلك العصر كانت تبهرني أوراقه الصفراء وحروفه المغروسة في الورق وتجليده الفاخر".
في الحرب، خسر أبو وائل كتبه ومجلاته النادرة، فحين عاد إلى منزله بريف دمشق بعد سقوط النظام كان المنزل أكواماً من الأنقاض. ويوضح بأنه لم يعثر على الكتب بين الأنقاض ويظهر أنها تعرضت للتحريق أسوة بآلاف الكتب الأخرى.
بدائل لمكتبات مفقودة
لتعويض مكتباتهم المنهوبة والمحروقة يلجأ قسم صغير من أصحاب المكتبات الخاصة إلى البدء من الصفر. حول هذه الفكرة يقول أبو تحسين وهو أحد الذين خسروا مكتبة ضخمة كانت مؤلفة من أكثر من ألفي كتاب إنه بدأ فعلاً بشراء عشرات الكتب لكنه يشكو خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا من عدم توفر عدد كبير من لائحة الكتب التي يحتاجها نتيجة التدهور الكبير الذي طاول سوق الكتب ودور النشر في البلاد، في ظل الظروف التي مرت بها البلاد.
أما محمد فلجأ إلى إنشاء مكتبة رقمية تحوي مئات الكتب القديمة والحديثة، وهو الخيار الذي يلجأ إليه معظم من فقدوا مكتباتهم الورقية كونه يعتبر الأرخص والأسهل لكنه لا يغني عن رائحة الكتاب الورقي الذي يضفي نوعاً من الحميمية على رحلة المطالعة، وفقاً لحديث محمد لـ موقع تلفزيون سوريا.
يوضح محمد أنه يحصل على الكتب الرقمية المقرصنة من مكتبات عديدة أهمها مجموعة "أبو عبدو البغل" التي تنشر آلاف العناوين عبر فيسبوك. كما يزور مكتبات إلكترونية أخرى مثل: مكتبة نور، فولة بوك، هنداوي، وغيرها من المواقع الإلكترونية التي توفر نسخاً مصورة للكتب المنشورة بشكل مجاني.
وللحصول على بعض الكتب النادر قام محمد بالتواصل مع بعض المكتبات العالمية عبر الإيميل مثل مكتبة جامعة "هارفارد" الأمريكية التي حصل من خلالها على عشرات الكتب النادرة المنشورة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومعظمها يتحدث عن سوريا العثمانية وسوريا في عهدي الفرنسيين والاستقلال.
العناية بالكتب رغم التكاليف الباهظة
ولا يكتفي هواة الكتب الذين فقدوا مكتباتهم بإعادة تكوين مكتبات ورقية جديدة عبر شراء الكتب المتاحة في السوق، أو الاستعاضة عنها بمكتبات رقمية تزخر بمئات العناوين، بل يلجأ بعضهم إلى العناية بالكتب النادرة سواء عبر تنزيل نسخها الرقمية من الإنترنت ثم إعادة طباعتها في مكتبات تجارية بصيغة تظهرها أقرب إلى الصورة الحقيقية، أو من خلال تصوير ما بحوزتهم من الكتب النادرة وتحويلها إلى كتب رقمية وتنزيلها عبر الإنترنت للقراء بشكل مجاني أو مدفوع.
ويؤكد سعيد وهو مالك مكتبة في ريف إدلب لـ موقع تلفزيون سوريا إقبال بعض هواة الكتب على تصوير نسخ رقمية نادرة في مكتبته، حيث يلجأ إلى طباعتها بصيغة احترافية بالاستعانة بإحدى دور النشر العاملة في المحافظة.
ويلفت إلى أن هذه العملية مكلفة نوعاً ما حيث يتجاوز سعر الكتاب الرقمي الذي يصل إلى 200 صفحة بعد تحويله إلى نسخة ورقية أكثر من 6 دولار (تعادل 65 ألف ليرة سورية وفقاً لسعر التصريف الحالي)، مشيراً إلى أن هذه الكلفة تجعل من فكرة إنشاء مكتبة ورقية كبيرة مشروعاً يحتاج إلى ميزانية لا يمتلكها معظم هواة الكتب من زبائن المكتبة.
ومن جانب آخر، يشكو قسم من أصحاب المكتبات الورقية الخاصة الذين تحدثوا لـ موقع تلفزيون سوريا من عدم توفر الكتب المستعملة في نزلة الحلبوني وتحت جسر الرئيس بعد قيام النظام البائد بترحيلها وإجبار بائعي الكتب على مغادرة المكان.
Loading ads...
حاول عدد من هواة الكتب هؤلاء العثور على بسطات الكتب المستعملة بعد تمكنهم من العودة إلى دمشق عقب سقوط النظام لكنهم تفاجؤوا من عدم توفرها بل وحلول بسطات مختلفة تبيع السلع التركية الرخيصة مكانها. يستذكر عدد ممن تحدثوا للموقع كيف كانت هذه البسطات مصدراً رئيسياً لمكتباتهم التي فقدوها خلال الحرب حيث كان رخص أثمان الكتب المعروضة تغريهم بشراء عشرات العناوين باستمرار لكنهم اليوم فقدوا هذا المصدر الذي كان سيوفر لهم دافعاً للشروع مجدداً في تأسيس مكتبات خاصة جديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


