حين توصد أبواب الحياة في وجوه المنكسرين، ويبلغ بهم الفقر منتهاه حتى يغدو السقف المستور حلما بعيد المنال، تتحول المباني المهجورة المظلمة من مجرد حجارة صماء آيلة للسقوط إلى ملاذ أخير لقلوب أتعبها الخذلان وأنهكها الوجع؛ حيث نقلت حلقة برنامج بين قوسين، عبر شاشة رؤيا، مرارة أرواح لم تجد سوى ركام الزجاج والجدران المتصدعة سترا لعوزها، لينام أصحابها في عراء البرد القارس بلا ماء، ولا نافذة ترد صقيع الشتاء، ولا باب يحميهم من عيون الخوف أو غدر العابرين في عتمات الليل البهيم.
وتقاطرت مشاعر الألم في شهادة مازن (اسم مستعار)، الذي خرج يوما من دار الأيتام بعينين تائهتين بعدما بلغ السن القانونية وقيل له إن الدار لم تعد مأواه، ليمضي في دروب العمر عامل مياومة ينازع شظف العيش بين ركام الخردة وورشات البناء، حالما بأسرة تعوضه حرمان الطفولة، غير أن قسوة تكاليف الإيجارات كانت تطرده وأطفاله الخمسة مرة تلو الأخرى؛ حتى ألفى نفسه مرتميا في جوف بيت خرب يبكي فيه كرامته المهدورة، ويغرق في لجة الإدمان كمحاولة يائسة للهروب من انكساره الداخلي، لكن إنسانيته ظلت نابضة حين خاطر بنفسه لنجدة فتاة استغاثت من براثن اعتداء آثم بجوار مخبئه، صارخا بأمل مكنون أن يراه المجتمع إنسانا يستحق الاحترام، لا كائنا هامشيا يزدرى في طرقات المدينة.
وتجلت أقسى صور الفاجعة في حكاية أم ليان، التي جردت من براءتها طفلة في سن الرابعة عشرة حين زوجت قسرا من رجل ثمانيني حرمها أبسط حقوقها وأذلها، لتبلغ المأساة ذروتها عندما حاول بيع طفلتها الصغيرة ذات السنوات العشر لسداد دين مالي؛ الأمر الذي دفع هذه الأم المفجوعة إلى محاولة الانتحار، قبل أن تهرب بفلذات كبدها لتسكن مدرسة مهجورة موحشة، تقتات هي وبناتها على كسرات الخبز اليابس التي تجمعها من الحاويات، مؤكدة بدموع حارقة أن وحشة الخراب أرحم بمراحل من جحيم أب تجرد من كل مشاعر الأبوة، وهو ما رددته ابنتها ليان التي كبرت محرومة من التعليم والحنان، حاملة في ذاكرتها ندوب ليلة قاسية قيدت فيها تحت دابة لساعات طوال، ليبقى حلمها البسيط عيشا في غرفة دافئة يسترها باب مغلق يحميها من مخاطر الطرقات.
Loading ads...
وجاءت شهادة المستكشف محمد وائل أبو سعدة لتدق ناقوس الخطر الإنساني حول هذه البؤر المنسية التي تبتلع المحتاجين وتمتزج فيها قلة الحيلة بمخاطر الانحراف؛ موجها نداء استغاثة إلى كل قلب رحيم وإلى المؤسسات الـمعنية كافة لـمد يد العون لهؤلاء المهمشين، وانتشالهم من وحل الضياع والتشرد؛ إذ إن صون كرامة الإنسان وإعادة الأمان إلى عيون الأطفال هو جوهر الرحمة التي ينبغي أن تسود بين البشر، قبل أن يختنق الأمل نهائيا بين جدران النسيان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






