يزداد غضب السوريين من إيران كلما زاد عجزهم عن النظر جنوبًا. لا لأن الجنوب أقل خطرًا، بل لأن مواجهة الخطر الوجودي تحتاج إلى أدوات لا يمتلكونها. والإنسان، حين تُسحب منه الأدوات، يبتكر بدائل نفسية، يبدّل زاوية النظر، ويختلق خصمًا يمكنه رفع صوته عليه دون أن يرتدّ الصوت كرصاصة.
عندما خرجت أخبار مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، لم يخرج السوري إلى الشارع لينحر خروفًا، أو ليؤدي صلاة شكر، أو ليغلق الطريق. كان السوري، في الغالب، في مكان آخر تمامًا: في طابور الخبز، أو على سكة اللجوء، أو في دوام طويل بلا نهاية، أو في محاولة ساذجة لتقسيط الحياة شهرًا بشهر.
لكن السوشيال ميديا، كعادتها، لا تعترف بهذا السوري. تفضّل السوري الذي يصرخ أمام الكاميرا، الذي يضحك ضحكة منتصرة، الذي يشتم، أو الذي يكتب تعليقًا قصيرًا يصلح أن يكون حكمًا نهائيًا على شعب كامل.
الذي عاش القصف والسجون والتهجير السوري لا يرى إيران بوصفها ملفًا إقليميًا، بل يراها بوصفها صورة دخلت في تفاصيل جرحه.
وهكذا، في ساعات قليلة، صار لدينا "سوريون شامتون". ثم في ساعات أقل، صار لدينا "سوريون متواطئون". كأن جمهور المنصات قادر على أن يصنع شعبًا افتراضيًا من عشرين فيديو، ثم يرفعه إلى مقام الحقيقة المطلقة. هكذا السوريون، وهذا معدنهم، وهذا موقفهم من الخطر الوجودي الذي يهددهم من الجنوب.
لكن السؤال الذي يستحق أن نضيّع عليه بعض الوقت ليس: هل الشماتة أخلاقية؟ هذا سؤال أخلاقي سهل، وإجابته بديهية، ويمكن لأي شخص أن يجيب عليه دون أن يفهم شيئًا. السؤال الحقيقي هو: لماذا تظهر الشماتة أصلًا؟ ولماذا تتحول إلى سردية اتهام جماعي؟ وكيف يمكن لمجتمع يعرف أن إسرائيل خطر وجودي أن يتصرف أحيانًا كأنه لا يعرف، أو كأنه يتناسى، أو كأنه يختار أن يبدل وجهته نحو خصم آخر؟
يخبرنا كارل مانهايم أن الأفكار السياسية لا تولد في الهواء. الأفكار تُصنع من الموقع الاجتماعي، من الخبرة، من الذاكرة اليومية، من مكانك في السلم الاجتماعي، من نوع الخوف الذي تعيشه، ومن نوع الخسارة التي تعرفها.
الذي عاش القصف والسجون والتهجير السوري لا يرى إيران بوصفها ملفًا إقليميًا، بل يراها بوصفها صورة دخلت في تفاصيل جرحه. والذي يقرأ السياسة من بعيد يراها بوصفها محورًا وتوازنات وخطرًا وجوديًا. الفارق ليس في الذكاء، بل في التجربة.
الناس لا تختار دائمًا موقفها. الناس تُدفَع إليه بحكم العادة الاجتماعية، أو "الهابيتوس" كما يقول بورديو. أي كيف تتشكل ردود الفعل حين يصبح اليومي هو النجاة. عندما تصير حياتك سلسلة من الاستنزاف، يصبح التفكير الاستراتيجي رفاهية، ويصير الوطن نفسه رفاهية في بعض الأيام. وهذا لا يبرر شيئًا، لكنه يفسر لماذا يتحول الغضب إلى شيء أقرب للثأر الرمزي منه إلى موقف سياسي.
ثم تأتي حنا آرندت لتقول شيئًا أشد مرارة: "المجتمعات التي تعيش العنف طويلًا تتطبع مع القسوة. تتكيف، لا لأنها فقدت إنسانيتها، بل لأن عدم التكيف يعني الانهيار". وهنا، الشماتة ليست فرحًا بموت رجل أو تعرض دولة كإيران لجحيم غير عادل، بقدر ما هي عرض من أعراض الاعتياد على الموت. يصبح الموت مادة كلام، ويصبح حدثًا على الشاشة، ثم يعود الإنسان إلى حياته كأن شيئًا لم يكن، لأن الحياة نفسها صارت تدريبًا على اللامعنى.
زيغمونت باومان يرى أن القيم تصير سائلة حين تنهار السرديات الكبرى. العدو نفسه يصير كلمة قابلة للتعديل. الذاكرة المشتركة تختفي، ليظهر بدلاً عنها أرشيفات متصارعة. في كل بيت سردية، وفي كل طائفة سردية، وفي كل جماعة سردية، وفي كل منصة سردية. وكل سردية تُنتج أخلاقها المؤقتة، وتطلب منك أن تصفق لها، وإلا كنت خائنًا.
وفي الوقت الذي تتقاتل فيه المنصات على أخلاق السوريين، كانت السياسة تمشي في مسار آخر تمامًا: لقاءات باريس، وترتيبات أمنية ثلاثية بين سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة. دول تتفاوض لإدارة الحدود ومنع الانفجار، حتى لو كانت هي نفسها جزءًا من أسباب الانفجارات القديمة. هذا ليس سلامًا، بل إدارة صراع. ولكن وجوده كافٍ ليكشف سخرية المشهد: على الشاشة تزداد حرب التخوين، وعلى الطاولة هندسة واقعية باردة، وبينهما بشر يحاولون النجاة.
نحن، السوريون، لسنا خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا. نحن مجتمع خرج من حفرة عميقة، وما زال يتعلم كيف يرفع رأسه دون أن يبتلع الطين. بعضنا يتذكر الخطر الوجودي كل يوم، وبعضنا يهرب من تذكره كي يستطيع النوم.
في هذه الفجوة بالذات تولد كل الاتهامات، لأن من السهل أن تهاجم شعبًا على الإنترنت، ومن الصعب أن تفهم كيف يعمل العجز في الداخل. العجز لا يصنع صمتًا فقط، بل يصنع تبريرًا، ويصنع لغة تحمي صاحبها من الشعور بأنه خسر كل شيء. فإذا كان الإنسان عاجزًا عن مواجهة الخطر المستحيل المتمثل بتهديد وجودي كإسرائيل، فهو يحتاج إلى إقناع نفسه أن صمته ليس صمتًا، بل فهم. وإذا لم يستطع تغيير الواقع، فهو يحتاج إلى الاعتقاد أن الواقع لا يستحق كل هذا التوتر. هكذا تُبنى التبريدات والتبريرات طبقة فوق طبقة، حتى تصبح موقفًا، ثم تصبح هوية، ثم مادة لوسم جماعي من الخارج الذي يحمل عقده الخاصة حيال عجزه أمام إسرائيل أيضًا.
ومع ذلك، كل هذا لا يعني أن السوريين متواطئون. هذا التعميم، كما هو، كسل فكري. لأن السوشيال ميديا لا تعرض "السوري" بل تعرض السوري الذي يحقق انتشارًا. تعرض العينة التي تسبح في اقتصاد الانتباه. والعدالة في زمن المنصات ليست عدالة. من يصرخ أكثر يُرى أكثر، من يقول جملة صادمة يُقتبس أكثر، ومن يصمت لأنه يعمل ويخاف ويتعب ويطبخ لأولاده ويبحث عن فاتورة الكهرباء ليؤجل قطعها، هذا لا مكان له في المشهد.
نحن، السوريون، لسنا خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا. نحن مجتمع خرج من حفرة عميقة، وما زال يتعلم كيف يرفع رأسه دون أن يبتلع الطين. بعضنا يتذكر الخطر الوجودي كل يوم، وبعضنا يهرب من تذكره كي يستطيع النوم. بعضنا يختصر السياسة بكلمة "إسرائيل"، وبعضنا بكلمة "إيران"، وبعضنا لا يختصرها بشيء لأنه لم يعد لديه طاقة على الاختصار أصلًا.
والأقسى من كل ذلك، أن هذا الجدل كله قد يكون في النهاية جدلًا بين صور، لا بين بشر، بين جمل، لا بين حياة، بين اتهام واتهام مضاد، بينما الناس الحقيقيون يتساقطون بصمت.
Loading ads...
إذا كان هناك شيء واحد يجب أن نفعله قبل أن نتهم السوريين بالتواطؤ، فهو أن نفهم كيف يصنع العجز مجتمعات لا تشبه ما نظنه عنها، وكيف يمكن لإنسان يعرف الخطر أن يتصرف كأنه يتناساه، لأن التذكر الكامل يحتاج إلى قوة لم تعد متاحة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



