لا يمكن قراءة ما أعلنته وزارة الداخلية السورية عن الخلية التي نفّذت اعتداءات استهدفت منطقة المزة ومطارها العسكري في دمشق بوصفه مجرّد تطور أمني تقني، أو حادثاً معزولاً في سياق أمني مضطرب. فالإشارة الواضحة إلى أن الصواريخ ومنصّات الإطلاق والطائرات المسيّرة المستخدمة تعود إلى حزب الله ترقى عملياً إلى مستوى اتهام مباشر بالتورط في هجمات داخل العاصمة، وتحديداً في واحدة من أكثر المناطق حساسية من حيث الرمزية السيادية والعسكرية.
هذا الاتهام، وإن لم يكن الأول من نوعه، فالدولة السورية الناشئة من رحم الثورة والحرب، كانت قد تحدثت بوقت سابق عن تورط الحزب إياه في أحداث الساحل أو اشتباكات عشائرية على الحدود، إلا أن البيان الأخير هو الأكثر وضوحاً وصراحة، خصوصاً أنه يستند – بحسب الرواية السورية – إلى تحقيقات ميدانية، اعترافات موقوفين، ورصد مسارات إطلاق وضبط معدات. في المقابل، يواصل الحزب نفيه الدائم لأي دور له في استهداف الداخل السوري، محاولاً الفصل بين وجوده السابق في سوريا وبين الواقع الحالي.
غير أن هذا النفي يصطدم بحقيقة يصعب تجاوزها، بصمات الحزب في سوريا لم تختفِ بالكامل، سواء على مستوى الشبكات البشرية أو البنى اللوجستية أو الخبرة العملياتية، ولا سيما في مناطق كانت في السابق مسرحاً مباشراً لتداخل أمني وعسكري كثيف، كان الحزب أحد نجومه.
يبدو أن الحزب لا يزال أسير منطق "الأدوات" و"الساحات البديلة"، حتى عندما تصبح كلفة هذا المنطق أعلى من مردوده
الأهم من ذلك أن ما تكشفه هذه الوقائع هو خلل واضح في بوصلة الحزب تجاه سوريا الجديدة. فمن زاوية المصلحة السياسية البحتة، لا يظهر أي مبرر منطقي لمعادات حكومة سورية تسعى إلى تثبيت سلطتها، وضبط أمن عاصمتها، وإعادة ترتيب علاقتها مع محيطها، بما في ذلك لبنان نفسه. بل إن الاستقرار النسبي في سوريا يفترض، نظرياً، أن يخفف من الضغوط الإقليمية على الحزب، لا أن يتحول إلى ساحة رسائل واشتباك غير مباشر. ومع ذلك، يبدو أن الحزب لا يزال أسير منطق "الأدوات" و"الساحات البديلة"، حتى عندما تصبح كلفة هذا المنطق أعلى من مردوده.
اختيار منطقة المزة ليس تفصيلًا عابراً. فالحزب يعرف هذه المنطقة جيداً، ليس فقط بوصفها حياً حساساً قريباً من مراكز القرار، بل باعتبارها مساحة شهدت خلال سنوات الحرب عمليات أمنية وعسكرية معقّدة، وراكم خلالها الحزب علاقات واسعة مع خلايا، أفراد، وشبكات محلية. من الطبيعي، في هذا السياق، أن تبقى بعض هذه الشبكات قابلة للاستثمار، سواء لتوجيه رسائل أمنية محدودة السقف أو لإثبات قدرة على الاختراق، خصوصاً عندما يكون الهدف سياسياً أكثر منه عسكرياً.
لكن قراءة هذه التطورات تظل ناقصة إذا جرى فصلها عمّا يجري على الحدود اللبنانية–السورية منذ فترة. فهذه الحدود لم تعد ساحة مفتوحة فقط لتهريب السلاح والمخدرات والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة التي تشكّل أحد روافد تمويل اقتصاد حزب الله، وفقاً لدراسات دولية ومؤسسات بحثية.
ما يجري هناك يبدو أبعد من ذلك بكثير؛ إنه اختبار عملي لمدى قابلية تحويل هذه الحدود إلى منصة لضرب استقرار سوريا نفسها، وتصدير الفوضى إليها، وإبقاء خاصرتها الغربية رخوة أمنياً، في ظل تراكم نشاط فلول النظام البائد، وبهذا المعنى، تصبح الحدود أداة ضغط مزدوجة، كمورد مالي من جهة، وساحة رسائل أمنية وسياسية من جهة أخرى.
يتقاطع هذا المسار مع حملة تحريض إعلامي ممنهجة داخل بيئة الحزب ضد دمشق، ومع خطاب يُنقل عن قياداته في لقاءاتهم مع موفدين أجانب، مفاده أن تمسكه بسلاحه مبرَّر بوجود "دولة سورية جديدة" يُصوّرها على أنها تهديد للوجود "الشيعي" في المنطقة. هذا الخطاب يتجاهل عمداً كل التطمينات التي أطلقها الرئيس أحمد الشرع تجاه لبنان بمختلف مكوّناته الوطنية والدينية، كما يتجاهل إعلانه الواضح عن الرغبة في طيّ صفحة الصراع مع حزب الله، تفادياً لزجّ لبنان في أزمات متلاحقة لا طاقة له على تحمّلها.
والأهم ما ينقله المسؤولين اللبنانيين عن الشرع خلال لقاءهم معه، وأهمها ما نقله نائب رئيس الحكومة الدكتور طارق متري، والذي كرر عبارة واضحة، وهي "الرئيس الشرع يتعالى عن الصغائر"، والأكيد أن هذه المواقف الأخوية تمس جوهر سردية الحزب تجاه دمشق.
ما كشفته وزارة الداخلية السورية يتجاوز تفكيك خلية أو إحباط هجوم. إنه مؤشر إلى صدام غير معلن حول قواعد الاشتباك في سوريا ما بعد النظام المخلوع، وإلى محاولة اختبار حدود الصبر السوري، سياسياً وأمنياً
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري في دمشق عن الوضع المتردد الذي يعيشه حزب الله في لبنان. فالحزب يواجه ضغوطاً داخلية وإقليمية متراكمة، وتراجعاً في هامش المناورة السياسية، ويبدو أنه يحاول التعويض عن ذلك عبر التأكيد على امتلاكه أوراق ضغط في ساحات أخرى. غير أن هذه المقاربة، وإن بدت مغرية على المدى القصير، تحمل مخاطر كبيرة على المدى الأبعد، لأن سوريا الجديدة تبدو أقل استعداداً لتحمّل هذا النوع من الرسائل، وأكثر ميلاً إلى المواجهة المباشرة والتسمية العلنية.
Loading ads...
في المحصلة، ما كشفته وزارة الداخلية السورية يتجاوز تفكيك خلية أو إحباط هجوم. إنه مؤشر إلى صدام غير معلن حول قواعد الاشتباك في سوريا ما بعد النظام المخلوع، وإلى محاولة اختبار حدود الصبر السوري، سياسياً وأمنياً. والسؤال المفتوح اليوم ليس ما إذا كان حزب الله متورطاً في حادثة بعينها فحسب، بل ما إذا كان مستعداً لمراجعة مقاربته لسوريا الجديدة، أم أنه ماضٍ في سياسات باتت مكلفة له وللمنطقة، وتضع لبنان نفسه في مرمى ارتدادات لا ضرورة لها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

