يفتح سقوط النظام الاستبدادي باباً أساسياً لاستعادة الحرية، لكنه لا يختصر الطريق إليها، فتغيير السلطة يبدّل الإطار السياسي الذي تتحرك داخله البلاد، أما استعادة الثقة بالحق في الاعتراض والمشاركة والمساءلة فتحتاج إلى مسار أطول، وقد يكتشف المواطن، بعد زوال أسباب الخوف القديمة، أنه ما زال يتردد في استخدام صوته.
لا يُقاس التحرر إذن بمجرد زوال الجهة التي كانت تمنع المطالبة بالحقوق، بل أيضاً بقدرة الإنسان على استعادة شعوره بأن هذه الحقوق تخصه، وذلك بتفكيك العلاقة القديمة بين المطالبة والخطر، وإعادة بناء الثقة بأن الحق ليس عبئاً ينبغي تجنبه، بل أساساً من أسس العلاقة بين المواطن والدولة.
ما زال السوريون يحسبون كلفة المطالبة بحقوقهم قبل أن يفكروا في الحق نفسه، وكأن سنوات القمع لم تترك وراءها ضحايا وذكريات فقط، بل تركت أيضاً إنساناً تعلّم ألّا يطالب. فهل حققنا الحرية التي ننشدها فعلاً، أم أننا ما زلنا نعيش وفق قواعد الخوف التي ورثناها؟
تُفهم الحرية في معناها العام، بوصفها قدرة الإنسان على الاختيار والتعبير عن رأيه واتخاذ قراراته والمشاركة في تحديد الشروط التي تحكم حياته، من دون أن يخضع للإكراه أو التهديد. لكنها لا تعني أن يفعل الإنسان كل ما يريد، ولا أن تتحول إرادته إلى سلطة على الآخرين؛ فالحرية ترتبط بالمسؤولية، وبالاعتراف المتبادل بالحقوق، وبوجود قواعد عامة تحمي الأفراد من التعسف وتضمن ألا تكون حرية أحدهم سبباً في انتهاك حرية غيره، فهي ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء، بل حقاً أساسياً ينبغي أن يحظى بالحماية القانونية والسياسية والاجتماعية.
غير أن تعريف الحرية من الناحية النظرية لا يكفي لفهم حضورها في حياة الناس، فقد يعيش الإنسان في بيئة لا تمنعه رسمياً من التعبير عن رأيه، لكنه قد يتجنب الكلام خشية العواقب، وقد يمتلك حق الاعتراض من الناحية القانونية، لكنه يشعر بأن ممارسته تنطوي على كلفة ومخاطرة لا يستطيع تحملها، فتظهر المسافة بين امتلاك الحرية بوصفها حقاً، والقدرة على ممارستها بوصفها جزءاً طبيعياً من الحياة.
تتجاوز الحرية التي نقصدها هنا حدود العلاقة بين الفرد والسلطة، لتشمل علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع المحيط به، وهذا يعني ألا تكون الحرية شعاراً سياسياً بل تتحول إلى ثقافة تنظم الحياة المشتركة وتحدد طبيعة العلاقات بين أفراد المجتمع.
لا تقتصر السيطرة في ظل الاستبداد على التحكم والمنع بل تمتد إلى تشكيل السلوك اليومي للأفراد، بحيث يصبح التعبير عن الرأي مصدراً محتملاً للخطر، وقد عاش السوريون عقوداً في ظل نظام جعل التعبير السياسي المستقل محفوفاً بالمخاطر، وضيّق المجال أمام التنظيم والعمل العام والمحاسبة، وفي بيئة كهذه، يصبح تجنب المخاطر استراتيجية للعيش، وليس مجرد تعبير عن ضعف شخصي.
تتراكم آثار هذا الواقع بمرور الزمن، فيتعلم المرء منذ نشأته حدود الكلام قبل أن يفهم السبب، ثم لا يعود الخوف بحاجة إلى إلى تعليمات دائمة، لأن المجتمع نفسه قد يبدأ بإعادة إنتاج السلوك الذي فرضته السلطة، أحياناً بقصد الحماية، وأحياناً من دون إدراك كامل لما يترتب عليه.
مع استمرار القمع سنوات طويلة، أصبح الخوف أقل ارتباطاً بوجود التهديد المباشر وأكثر ارتباطاً بالتوقع الدائم لحدوثه. واتضح أن سلوك السوري ما زال يتقدم وفق احتمالات الخطر حتى عندما تغيرت الظروف التي أنتجتها، وبهذا بقيت القدرة على الاعتراض والرفض في تراجع ليس بسبب الجهل بالحقوق فحسب، بل لأن الخبرات السابقة تجعلنا نتوقع أن المطالبة قد تكون أعلى كلفة من التنازل، وهكذا يستمر أثر السلطة بعد تراجع قدرتها على فرض إرادتها، من خلال قواعد سلوكية ترسخت في الوعي والممارسة.
ما نعنيه هنا بتوريث الخوف لا يعني انتقاله وراثياً من جيل إلى آخر، بل بوصفه نمطاً من التعلم الاجتماعي، ينتقل عبر ترسيم عرفي عام للحدود بين السلطة والفرد، إذ لا يبقى الخوف محصوراً في ذاكرة من عاشوا القمع، بل قد يؤثر في تصورات من جاؤوا بعدهم عن الممكن والمسموح.
الخبر الجيد في هذه القراءة أن الانتقال ليس حتمياً، كما أنه لا يجعل المجتمع عاجزاً عن التغيير، فالسلوك المكتسب يمكن مراجعته، والتجارب الجديدة قادرة على تعديل التوقعات القديمة، خصوصاً عندما يجد الإنسان أن التعبير عن رأيه لا يؤدي بالضرورة إلى العقاب، وأن الاعتراض السلمي يمكن أن يفضي إلى نتيجة، وأن القانون يحميه عندما يتعرض للظلم، غير أن بناء هذه الثقة يحتاج إلى تجارب متكررة ومتراكمة.
تزداد أهمية هذه المسألة في الحالة السورية، بسبب الترابط بين الاستبداد وتراجع الثقة بين مكونات المجتمع، فاستعادة الشعور بالأمان لا يتعلق بالسياسة وحدها، وإنما ترتبط بالقدرة على تقبل الاختلافات وإدارتها بشكل يضمن الحقوق والواجبات بين السلطة والفرد وبين الأفراد أنفسهم.
مع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الاعتراف بصعوبة التحول من الإدارة بالخوف إلى الإدارة وفقاً للقانون، إلى مبرر لتأجيل الحرية أو التعامل معها بوصفها هدفاً مؤجلاً إلى أن تُحل جميع المشكلات الأخرى، وإلا فلن تنتج ثقة حقيقية، بل قد تعيد إنتاج علاقة تقوم على التوقعات والوعود بدلاً من الضمانات.
حريٌّ هنا أن نؤكد أن ثقافة الحرية لا تتشكل بقرار سياسي منفرد، ولا يكفي النص عليها في الدستور إذا لم تجد طريقها إلى المؤسسات والمدارس وأماكن العمل والعلاقات الاجتماعية، لأنها ممارسة يومية يتعلم فيها الأفراد أن الاختلاف لا يلغي الانتماء، فالحرية التي لا تحظى بحماية فعلية تبقى معرضة للتراجع كلما تبدلت موازين القوة، والدولة هنا مطالبة بإثبات أن القانون هو المرجع في التعامل مع المواطنين، والمجتمع مطالب بمراجعة أنماط العلاقة التي تجعل الصمت فضيلة في كل الظروف، ولا يمكن لهذه التحولات أن تتحقق عبر الوعظ وحده؛ فهي تحتاج إلى نماذج عملية متكررة تثبت أن الاختلاف ممكن، وأن المؤسسات قادرة على معالجة النزاعات، وأن اللجوء إلى القانون أكثر فاعلية وأماناً من الخضوع للأمر الواقع.
قد يكون من غير الواقعي انتظار اختفاء الخوف تماماً، فهذه العملية لا تسير في اتجاه واحد بالضرورة. فقد يتقدم المجتمع في مجال، ثم يتراجع في آخر، وقد تتشجع فئات على المشاركة بينما تبقى فئات أخرى أكثر حذراً بسبب تجاربها أو أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، لذلك لا يصح قياس التحول بمجرد ارتفاع سقف الخطاب العام أو اتساع مساحة التعبير في لحظة معينة.
إن الحرية لا تُستعاد دفعة واحدة، لأنها ليست لحظة سياسية تنتهي بانتهاء حدث، بل علاقة تتشكل بين الإنسان والواقع الذي يعيش فيه، وقد يحتاج السوري إلى وقت كي يتوقف عن توقع العقاب عند كل اعتراض، لكن الوقت وحده لا يكفي؛ فلا بد من مؤسسات تحمي الحقوق، ومن مواطنين يمارسونها، ومن مجتمع يقبل تبعات الاختلاف، ومن سلطة تدرك أن شرعيتها لا تُقاس بغياب الاعتراض، بل بقدرتها على التعامل معه من دون قمع.
يبدو أن آثار الخوف لا تسقط بالضرورة مع سقوط النظام الذي صنعه، وأن ما يحدد مسار المرحلة الجديدة ليس قدرتنا على إعلان التحرر من الماضي فحسب، بل قدرتنا على بناء واقع لا تعود فيه المطالبة بالحق مغامرة، ولا يصبح فيه الصمت شرطاً للأمان، عندها فقط تبدأ الحرية بالانتقال من كونها وعداً سياسياً إلى تجربة يعيشها الناس.
لطالما كان التنازل عن الحق في بلادنا أحياناً وسيلة لتجنّب الخطر، لكنه تحول مع تكرار التجربة، إلى سلوك مألوف يصعب التخلي عنه حتى عندما تتغير الظروف، ويستمر الإنسان في التعامل مع المطالبة بالحقوق باعتبارها مخاطرة حتى حين تصبح ممكنة، وعندها يتحول الاستثناء الذي فرضته ظروف القمع إلى قاعدة تحكم علاقته بالشأن العام وبالآخرين.
Loading ads...
بهذا المعنى، لا يبدو فك أغلال الخوف شرطاً ينبغي على الإنسان تحقيقه أولاً حتى يمارس حريته، بل هو أيضاً نتيجة تتشكل من خلال ممارسة الحقوق في بيئة تحميها، فالعلاقة بينهما متبادلة، تتقدم كلما توافرت الضمانات، وتتراجع كلما أعادت التجارب إنتاج التهديد والإقصاء، والتحدي السوري لا يكمن فقط في استعادة الحقوق التي حُرم منها الناس، بل في إعادة بناء العلاقة بها، بحيث لا يعود المواطن مضطراً إلى الاختيار بين كرامته وأمانه، ولا يحتاج إلى شجاعة استثنائية كي يطالب بما ينبغي أن يكون حقاً عادياً ومصوناً للجميع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي
منذ 23 دقائق
0
السوريون وفلسفة اللاعنف
منذ 30 دقائق
0
طريق أوليس وحلم العودة
منذ 2 ساعات
0

