ساعة واحدة
حادثة قصر العدل بالحسكة وتساؤلات "دمج قسد".. ماذا تحقق من اتفاق 29 كانون الثاني؟
السبت، 9 مايو 2026
جاءت حادثة اعتداء عناصر "الشبيبة الثورية" التابعة لـ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مبنى القصر العدلي بالحسكة مؤخراً، لتعيد إلى الأذهان الكثير من التساؤلات المتعلقة بعملية دمج "قسد" وكامل مؤسساتها في الدولة السورية، والتي نصّت عليها بنود اتفاق الـ29 من كانون الثاني 2026، الموقّع بين الطرفين.
واللافت للنظر، أن ملف القضاء شكّل خلال الأسبوعين الأخيرين حجر عثرة في مسار المفاوضات بين الحكومة السورية و"قسد"، نتيجة رفض "الإدارة الذاتية" طلب الوفد الحكومي في تسليم كامل المؤسسات القضائية بشكل فوري وإدماج القضاة ضمن ملاك وزارة العدل وفق معايير الكفاءة. كما أصرّت "الإدارة" على الاحتفاظ بكوادرها القانونية، واشترطت أن تقوم آلية الدمج على نسب محددة، تصل إلى 50 بالمئة من عدد القضاة.
لاحقاً، أعلن المتحدث باسم الفريق الرئاسي في المفاوضات، أحمد الهلالي، فشل الجهود الرامية إلى استكمال تسليم القصر العدلي في القامشلي، بعد رفض الجهات المسيطرة على المبنى تسليمه ومنع القضاة من ممارسة مهامهم، في خطوة وصفها الهلالي بأنها "تصعيد غير مبرر".
يعود ملف القضاء اليوم ليثير أسئلة حول بقية الملفات العالقة بين الطرفين، ومخاوف إزاء خطّة الدمج وجدّيتها، وذلك بعد حادثة هجوم عناصر "الشبيبة الثورية" (جوانن شورشكر) وسيطرتهم على مبنى القصر العدلي بالحسكة، واعتدائهم على موظفيه عبر رشقهم بالحجارة وتمزيق اللوحة التعريفية التي رُفعت صباح الخميس.
كما أظهرت مقاطع مصورة متداولة إقدام المعتدين على تمزيق الشعار الوطني واسم "الجمهورية العربية السورية" والدوس عليهما، ما أثار غضباً واستياء في الأوساط المحلية.
وما زاد من المخاوف إزاء جدّية المفاوضات الخاصة بالدمج وتنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني، هو أن الحادثة جرت بحضور عناصر من "الأسايش" وقوات "هات"، من دون تدخل منهما لمنع الاعتداءات أو إيقافها.
الاعتداء برّره منفّذوه بأنه جاء احتجاجاً على تغييب اللغة الكردية من اللوحة التعريفية الجديدة، بعد أن كانت القديمة تحتوي على نصّ مكتوب بالكردية، إلى جانب النص العربي، يشير إلى اسم المؤسسة وتوصيفها، بينما ضمّت اللوحة الجديدة نصّين، بالعربية والإنكليزية فقط.
عقب عملية الهجوم، قال متحدث الفريق الرئاسي أحمد الهلالي في تصريحات لتلفزيون سوريا، إن الفريق تلقى وعوداً بتسلم القصر العدلي في الحسكة يوم الجمعة (أمس)، مشيراً إلى أن الفريق الحكومي انسحب من محيط المبنى "حرصاً على عدم تصعيد الموقف".
والجمعة، كتب الهلالي منشوراً على فيس بوك، تضمن توضيحاً بخصوص "ما أسيء فهمه حول وضع لافتة على مبنى قصر العدل في الحسكة لا تتضمن اللغة الكردية".
وقال الهلالي: "القصر العدلي يمثل مؤسسة رسمية تُجسّد العدالة والالتزام بالقوانين النافذة في الدولة السورية. وبحسب المرسوم رقم /13/، تُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، ضمن المناهج الاختيارية أو الأنشطة الثقافية والتعليمية".
وأضاف: "في المقابل، تُعد اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة في الجمهورية العربية السورية، وفق الدستور والتشريعات النافذة، ويُلزم القانون باستخدامها في المؤسسات الرسمية، والتعليم، والتوثيق القانوني والمعاملات الرسمية. كما تُعتبر حماية اللغة العربية، واعتمادها حصراً في المخاطبات والمعاملات الرسمية، جزءاً من سيادة الدولة والنظام العام".
وشدّد على أن "هذه القوانين النافذة لا يمكن تجاوزها في المرحلة الحالية وفق الإعلان الدستوري، إلا من خلال تعديلات دستورية وقانونية مستقبلية تُقر ضمن المؤسسات التشريعية المختصة، وفي مقدمتها مجلس الشعب السوري المنتظر انعقاده قريباً".
إلا أن القصر العدلي لم يجرِ تسليمه يوم الجمعة وفق الوعد المقطوع. واليوم السبت، أفاد مراسل تلفزيون سوريا بأن لافتة جديدة رُكبت فوق مدخل قصر العدل في الحسكة تمهيداً لتسليمه إلى الحكومة السورية. واقتصرت العبارة التعريفية في اللافتة على اللغة العربية فقط، بحسب ما أظهرت الصورة الملتقطة من قبل المراسل.
عقب العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة السورية في كانون الثاني الماضي، واستعادت من خلالها المناطق التي كانت خاضعة لـ "قسد" في حلب وشمال شرقي سوريا، دخلت البلاد مرحلة جديدة لإعادة دمج مؤسسات "قسد" ضمن مؤسسات الدولة، وذلك بعد سنوات من سيطرة "الإدارة الذاتية" والتشظي الأمني والإداري.
وأطلق الطرفان -بعد اتفاق 29 كانون الثاني- مساراً يقضي بوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للهياكل العسكرية والإدارية التابعة لـ"قسد"، بالتوازي مع دخول قوات الأمن الحكومية إلى مراكز المدن الرئيسية في الحسكة والقامشلي، ونقل المؤسسات المدنية والمعابر والنقاط الحدودية إلى إدارة الدولة.
ولم يقتصر الاتفاق الذي وُصف حينها بـ"الشامل"، على الترتيبات العسكرية فحسب، بل شمل أيضاً ملفات: السجون، القضاء، الإدارة المدنية، والتمثيل السياسي، بما في ذلك تسوية ملفات النازحين والمعتقلين والحقوق المدنية للمجتمع الكردي.
بعض الملفات المذكورة، حققت تقدماً طفيفاً مقابل تعثر واضح في ملفات أخرى أكثر حساسية.
ويرى الصحافي والباحث السوري سامر الأحمد في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن اتفاق الدمج بين الحكومة السورية وقسد "يسير ببطء، لكنه حقق خلال الفترة الماضية خطوات مهمة على الأرض، خاصة في ملف الدمج العسكري".
بالعودة إلى الاعتداء الأخير على مبنى القصر العدلي بالحسكة، ظهر اسم (الشبيبة الثورية) مجدداً كمنفّذة لذلك الاعتداء، ما يثير الجدل حول استمرار نشاط هذه الفرقة التي ارتبط اسمها على مدار السنوات الـ15 الأخيرة، بعمليات خطف الفتيات وتجنيد الأطفال، ومختلف أعمال التخريب والعنف، بالإضافة إلى حرق العديد من مقار الأحزاب السياسية الوطنية الكردية.
وهنا، يبرز السؤال حول ماهية عملية الدمج الخاصة بالملف الأمني، ومدى تحققها.
في المجالين السياسي والعسكري، تمثّلت عملية الدمج بتسمية اثنين من قياديي قسد ضمن الحكومة السورية، الأول نور الدين أحمد محافظاً للحسكة، والثاني سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية.
بينما اندمجت أربعة ألوية من "قسد" رسمياً ضمن الجيش العربي السوري، موزعة على عين العرب "كوباني" والحسكة والقامشلي وديرك، فيما يجري العمل على استيعاب بقية القوات عبر صيغ تنظيمية مختلفة، مثل كتائب أو ألوية إضافية، وفق احتياجات المؤسسة العسكرية، وفق تصريحات أدلى بها سيبان حمو لموقع "هاوار" في مطلع أيار الجاري.
وأضاف حمو أن باب الاندماج مفتوح أمام جميع التشكيلات العسكرية في سوريا، بشرط الالتزام بالمعايير المطلوبة، مؤكداً أنه لن تبقى أي قوة خارج إطار الجيش مستقبلاً.
ويعقّب الباحث سامر الأحمد بالقول إن هناك "تقدماً واضحاً فيما يتعلق بدمج مقاتلي قسد ضمن تشكيلات تابعة للفرقة 60 في الحسكة، من خلال التوافق على قوائم الأسماء، إضافة إلى بدء تدريب عدد من ضباط قسد في الكلية الحربية ليكونوا ضمن البنية العسكرية الجديدة".
فيما يتعلّق ببقية الملفات، يرى الأحمد أن "ملف تبادل المعتقلين شهد تقدماً ملحوظاً، كما بدأت خطوات تفكيك مؤسسات الإدارة الذاتية تدريجياً، عبر تسليم مبنى المحافظة، والتحضير لتسليم القصر العدلي، وهو ملف كان يشكل عقدة رئيسية خلال الفترة الماضية".
وأمس الجمعة، أعلن الهلالي إخلاء سبيل دفعة جديدة من معتقلي قسد، بلغ عددهم 232 عنصراً كانوا قد اعتُقلوا خلال الأحداث الأخيرة، مؤكداً أن الحكومة السورية تسلمت إدارة السجون في محافظة الحسكة. ووصف ما يجري بأنه "ليس عملية تبادل أسرى، بل استكمال لتنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني".
ملفات أخرى معقدة لم تُحسم بشكل كامل، أبرزها ملف التعليم. ويقول الأحمد إن "العام الدراسي انتهى تقريباً دون التوصل إلى صيغة نهائية بشأن المناهج؛ قسد تطالب بمناهج كردية كاملة، بينما تطرح الحكومة حلولاً جزئية تتعلق بإدخال مواد باللغة الكردية أو فتح صفوف خاصة ضمن المدارس ذات الغالبية الكردية".
ويصف الباحث -المنحدر من مدينة الحسكة- دخول مؤسسات الدولة، وخاصة الأجهزة الأمنية والإدارية، إلى مدينتي الحسكة والقامشلي بأنه "ما يزال محدوداً وخجولاً"، رغم أن هذا الملف "أساسي لإعادة الاستقرار وطمأنة السكان بعد سنوات من التوتر والانتهاكات وحملات الاعتقال التي ارتبطت بنفوذ كوادر حزب العمال الكردستاني في المنطقة" وفق تعبيره.
التحدي الأبرز الذي يواجه عملية الدمج حالياً، بحسب الأحمد، يتعلق بوجود تيارين داخل قسد "تيار يميل إلى التهدئة وتطبيق الاتفاق بقيادة شخصيات مثل مظلوم عبدي وبعض القيادات العسكرية والإدارية، وتيار آخر مرتبط أكثر بكوادر حزب العمال الكردستاني مثل فوزة يوسف والدار خليل وغيرهم".
ويضيف أن التيار الثاني "يخشى فقدان نفوذه الأمني والسياسي والاقتصادي، لذلك يحاول عرقلة بعض الخطوات. وتبرز هنا إشكالية (الشبيبة الثورية) ووحدات حماية المرأة وبعض الأجهزة الأمنية التابعة لـ قسد، إذ لا تزال ملفات تفكيكها محل خلاف مع الحكومة السورية".
Loading ads...
ويرى الأحمد أن نجاح الاتفاق خلال المرحلة المقبلة سيعتمد بشكل أساسي على قدرة الحكومة السورية ومن يتفق معها من قسد على "احتواء هذه التوترات، ووضع حد لقدرة القوى الرافضة للاندماج من تعطيل المسار أو دفع المنطقة نحو فوضى أمنية جديدة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



