Syria News

الخميس 5 نوفمبر / تشرين الثاني 2026

  • الرئيسية
  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة
  • تكنولوجيا
  • منوعات
  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • أعلن معنا
جاري تحميل الأخبار العاجلة...

حمل تطبيق “سيريازون” مجاناً الآن

store button
سيريازون

كن على علم بجميع الأخبار من مختلف المصادر في منطقة سيريازون. جميع الأخبار من مكان واحد، بأسرع وقت وأعلى دقة.

تابعنا على

البريد الإلكتروني

[email protected]

تصفح حسب الفئة

الأقسام الرئيسية

  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة

أقسام أخرى

  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • منوعات
  • تكنولوجيا

روابط مهمة

  • أعلن معنا
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • عن سيريازون
  • اتصل بنا

اشترك في النشرة الإخبارية

ليصلك كل جديد وآخر الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لصالح مؤسسة سيريازون الإعلامية © 2026

سياسة الخصوصيةالشروط والأحكام
اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين | س... | سيريازون
logo of الجزيرة اقتصاد
الجزيرة اقتصاد
3 دقائق

اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين

الخميس، 5 نوفمبر 2026
اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين
قبل أن يقول أي شيء، قال اسمه.
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف من فجر الأربعاء، 4 نوفمبر/تشرين الثاني، حين صعد عبد الرحمن السيد إلى المنصة في قاعة "ذا ديبارتمنت أت هدسنز" وسط ديترويت ليعلن فوزه. بعد صعوده ترك التصفيق يهدأ قليلا، ثم نطق اسمه كاملا، بحروفه التي تخرج من أعماق الحلق: "اسمي عبد الرحمن محمد السيد".
كان كل من في القاعة يعرف الرجل. لكنه أراد بالبدء باسمه لسبب بعينه.
فطوال الأسابيع الأخيرة من الحملة، ظل الرئيس دونالد ترمب يلوك هذا الاسم على منصات تجمعاته. سخر منه، وناداه باسم "محمد"، قائلًا لأنصاره في ولاية جورجيا إن من يحتار في اسم رجل من الشرق الأوسط يكفيه أن يقول أنه "محمد"، فسيصيب في 65% من المرات. ثم حاول أن ينطق الاسم الحقيقي، فخرجت من فمه أصوات متلعثمة تشبه "عبدولالالالا"، وختم بجملة تصلح شعارا لمنطقه: "أنا الرئيس، وأستطيع أن أناديك بأي اسم يحلو لي".
من على منصة ديترويت، اختار السيد أن يرد بالعربية. قال للحشد إنه اعتاد أن يقول "إن شاء الله" كلما سُئل عن نتيجة السباق، "لكن الليلة نستطيع أن نحوّل إن شاء الله إلى الحمد لله". ثم أضاف، بالإنجليزية هذه المرة، ترجمة حرفية للعبارة، وجهها إلى من سماهم "عناصر اليمين" الذين يقتطعون كلماته، كأنه يطمئنهم أنها ليست شيفرة أو كلمة سر بالعربية.
بعدها التفت إلى ترمب باسمه الأول: "دونالد، أعرف أنك عانيت مع اسمي". واقترح عليه حلا بسيطا، أن يناديه "سيناتور" بعد أن يؤدي اليمين في يناير/كانون الثاني. وسيؤديها أمام نائب الرئيس جيه دي فانس نفسه، بصفته رئيسا لمجلس الشيوخ. ولم ينس السيد ذكر فانس، ابن أوهايو الذي جال في ميشيغان يقود الحملة عليه، فأعلن النتيجة بلغة الخصومة الكروية الشهيرة بين الولايتين: "ميشيغان واحد، أوهايو صفر".
ثم خفض نبرته قليلا. "إلى كل الآباء والأمهات الذين عجزوا عن أن يشرحوا لأطفالهم لماذا يسخر الرئيس علنا من شخص بسبب اسمه أو طريقة صلاته، أخبروهم غدا أن الأشرار قد خسروا".
قبل أشهر، نشر ترمب صورة للسيد إلى جانب زوجته المحجبة، ووضعها بجوار صورة له مع زوجته ميلانيا، وكتب تحتهما "أمريكتان مختلفتان تماما". في ليلة الفوز، صعدت سارة جوكاكو، الطبيبة النفسية وزوجة عبد الرحمن السيد، إلى المنصة، ووقفت إلى جانب زوجها أمام الكاميرات، في الوقفة نفسها التي اختارها ترمب ليصوّر بها "أمريكا الأخرى". هذه المرة كان التعليق من نصيب نحو مليونين ونصف المليون ناخب في ميشيغان. لقد اختاروا أمريكا مختلفة بالفعل.
من على المنصة، قال السيد إن خصومه "يحاولون أن يصفوك بالكراهية إن كنت تؤمن بأن أطفال فلسطين يستحقون أن يكبروا في أرض أجدادهم دون أن يُقتلوا بأموال ضرائبنا"، وإن ناخبي ميشيغان لا يريدون أن تذهب أموالهم إلى "الفصل العنصري أو حرب الإبادة". رد أنصار السيد بالهتاف "فلسطين حرة"، وظلوا يرددونها بعد خروجهم من القاعة إلى الشوارع في الثانية فجرا.
وفي الساعة نفسها تقريبا، كانت قاعة منافسه الجمهوري المؤيد لإسرائيل مايك روجرز قد فرغت. فقرابة الواحدة بعد منتصف الليل، طلب الرجل من أنصاره أن يعودوا إلى بيوتهم، قائلا إن الليلة ستطول. وقال منظمو حملته إن الفندق أخبرهم أنه يريد القاعة خالية بحلول ذلك الوقت. هكذا أمريكا، خسر روجرز القاعة حتى قبل أن يخسر السباق رسميا.
قبل أربعة أيام فقط، أتم السيد عامه الثاني والأربعين. وُلد ليلة الهالوين، الليلة التي يتنكر فيها الأمريكيون لابسين أقنعة ليست لهم. أما هو، فلم يتنكر قط، إلا أن أمريكا ألبسته "عبدول"، اسما مختصرا وهو في الرابعة، كرهه لكنه سامح من يناديه به.
بهذا الفوز يصبح ابن المهاجر القادم من الإسكندرية أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد أن هزم روجرز بفارق سبع نقاط تقريبا. كانت معركة السيد شديدة، صارعه فيها اللوبي الإسرائيلي، والجمهوريون، وإعلاميون وقطاع من الديمقراطيين، لكنها لم تكن معركة انتخابية فقط. كانت المعركة في جوهرها حول من يحق له أن يسمي الآخر. وفاز عبد الرحمن.
في 6 فبراير/شباط 1967، وقف محمد علي في حلبة أسترودوم بمدينة هيوستن في ولاية تكساس أمام إرني تيريل، الملاكم الذي أصر قبل النزال على مناداته "كاسيوس كلاي"، اسمه القديم الذي تخلى عنه حين أسلم. على امتداد خمس عشرة جولة، كان علي يضرب خصمه ويصرخ فيه: "ما اسمي؟". فاز بالنقاط، وصار السؤال جزءا من تاريخ الملاكمة الأمريكية. كانت المعركة يومها، كما هي اليوم، على الحق في الاسم قبل أي شيء آخر.
بعد أربعين عامًا، وفي ربيع عام 2007، وقف شاب في الثانية والعشرين من عمره يلقي كلمة الخريجين في جامعة ميشيغان. تخرج بأعلى درجات التميز، ويستعد للحاق بكلية الطب. كان المتحدث الرئيسي في حفل التخرج الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
وفي خطابه أمام ستين ألفا، التفت كلينتون إلى الشاب وقال إنه يتمنى لو سمعه كل من يؤمن بصدام الحضارات. ثم، في غرفة تبديل الملابس، ربت على كتفه، وقال له إنه خطيب بارع، وإن عليه أن يفكر في العمل السياسي.
يتذكر عبد الرحمن السيد، بعد تسعة عشر عاما، في حواره مع ديفيد ريمنيك، رئيس تحرير مجلة "نيويوركر"، أنه ضحك في وجه الرئيس الأسبق، وأن كلينتون سأله عن سبب ذهابه إلى الطب بنبرة بدت كأنها تستنكر اختياره، فرد بأنه أسمر البشرة ومسلم، "وهذا ما نفعله". غير أن الحكاية كانت مختلفة قليلا حين رواها أول مرة. ففي مذكراته "سياسة الشفاء"، يكتب أن الجملة خطرت له فعلا، لكنه ابتلعها قبل أن تخرج، وأجاب بأنه يحب الناس ويحب العلم.
كان الشاب يعرف حدوده، أو هكذا ظن. يشرحها اليوم بسخرية بعد أن حطمها: "اسمي عبد الرحمن محمد السيد. لدي ثلاثة أسماء، اثنان منها لا يعرف أحد كيف ينطقهما، والأول من أحد عشر حرفا". ولكي يتعلم المتحدث بالإنجليزية نطقه، كما يقول، عليه أن يكتشف أن في حلقه أجزاء لم يكن يعرف بوجودها. وخلص يومها إلى أن "أمثالي لا يترشحون للمناصب".
وطوال تلك السنوات، عرفه الأمريكيون باسم واحد. لم يكن "عبدول" اسمًا اختاره أصلا. في صيف 1989، قبل أسبوع من أول يوم له في الحضانة، رأت زوجة أبيه جاكي أن اسما من أحد عشر حرفا سيثقل على طفل في ضواحي ميشيغان، ففاتحت أباه. استُبعد "بودي"، اسم التدليل المصري، لأنه يُنطق بالإنجليزية كلفظة "الجسد". وكانت أغنية لبولا عبدول تتصدر قائمة "بيلبورد" ذلك الصيف، وكان كريم عبد الجبار أسطورة كرة السلة قد اعتزل لتوه في أوج مجده. فصار الطفل "عبدول".
يكتب عبد الرحمن السيد أن "عبدول" بالعربية لا يعني شيئا، فهو "عبد الـ" بلا مضاف إليه، وأنه ما زال يفضل "عبد الرحمن" لمن يقدر على نطقه. حمل الطفل في أمريكا نصف اسمه، وترك بقيته عند باب الحضانة.
لم يحل ذلك معضلة الاسم تماما على ما يبدو. فبعد أسبوع من هجمات سبتمبر 2001، كان عبد الرحمن، وهو في السادسة عشرة، يلعب مباراة كرة قدم أمريكية مع فريق مدرسته. طوال المباراة كان لاعبو الفريق المنافس يضربونه بعيدا عن أعين الحكام ويشتمونه. وفي الربع الثالث أمسك أحدهم وجهه من تحت الخوذة وصرخ فيه "عد إلى بلدك يا أسامة". وأسامة اسم أخيه الأصغر، الذي سارعت جاكي يوم الهجمات إلى إخراجه من المدرسة. رد عبد الرحمن بلكمة، فأُخرج من المباراة. أمسك المدرب بخوذته، وقال له إنه سيبقى "عبدول السيد" بقية حياته، وإن له أن يجعل ذلك عذرا لفشله أو دافعا للنجاح. واختار الأخير.
وبعد ربع قرن، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقف ترمب في تجمع انتخابي بولاية جورجيا، وروى لأنصاره أنه تعرض للانتقاد لأنه نادى المرشح الديمقراطي "محمدا"، وأنه لا يبالي. ثم أعلن اكتشافه بفخر المحقق. أحدهم أرسل إليه الاسم الكامل، فإذا بالاسم الأوسط "محمد" فعلا. "هذا يعني أنني كنت محقا".
لم يدرك ترمب، أو لم يهتم، أن "محمد" في اسمه العربي ليس اسمه هو. فقد جاء المهندس محمد السيد من الإسكندرية أواخر السبعينيات ليدرس في جامعة واين ستيت بديترويت، وهو الرجل الذي يقول عنه ابنه إنه "ظل يدرس بجدّ حتى صنع لي حياتي". حين كان ترمب يسخر من "محمد"، كان يسخر من أبي عبد الرحمن.
"اختصر عبد الرحمن السيد اسمه للأمريكيين سنوات، ثم عاد ليعلمهم كيف ينطقونه، لكنه لم يغير منه حرفا"
رد السيد على مراحل. في البداية اكتفى بالتصحيح: "يظن أن اسمي محمد.. اسمي عبدول، وأنت تعرف ذلك". ثم، في تجمع بمدينة رويال أوك عشية التصويت، قال الاسم كله دفعة واحدة، وأضاف أنه "أمريكي تماما مثل مايك أو دونالد، أو أيا كان ما يرمز إليه الحرفان جيه دي". كانت الضربة الأخيرة موجهة إلى نائب الرئيس، الذي وُلد باسم جيمس دونالد باومان، ثم صار جيمس ديفيد هامل، قبل أن يستقر على اسم عائلة جدّيه لأمه. الرجلان من مواليد العام نفسه، 1984. أحدهما حمل ثلاثة أسماء غيرها واحدًا تلو الآخر، والآخر اختصر اسمه للأمريكيين سنوات، ثم عاد ليعلمهم كيف ينطقونه، لكنه لم يغير منه حرفًا.
في سوق للسمك بالإسكندرية، كان الجد يبيع الطماطم. وُلد ابنا أكبر لمالك أرض ميسور، لكن أباه مات وهو في الثالثة عشرة، فاستولى أعمامه على الميراث ودفعوه إلى الشارع، ولم يتجاوز تعليمه الصف الثامن. أما الجدة، فكانت الخامسة بين تسعة أطفال لرجل يصلح مصابيح الشوارع، لم تدخل مدرسة قط، وتزوجت في الخامسة عشرة. فقدت اثنين من أطفالها الثمانية رضيعين، ويصفها حفيدها بأنها أذكى إنسان قابله في حياته.
كان محمد أكبر أبنائها. في الصباح يساعد أباه في نصب كشك الطماطم، وبعد المدرسة يعود ليفككه، ثم يصعد إلى السطح، لأن البيت غرفة نوم واحدة لثمانية، فيذاكر على ضوء مصباح الشارع. تخرج في هندسة الإسكندرية من أوائل دفعته وعُيّن في هيئة التدريس، لكن نشاطه السياسي، كما يروي ابنه، "جعله خطرا على النظام". فغادر في منتصف العشرينيات ليدرس الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية بجامعة واين ستيت، ثم عمل في جنرال موتورز، ودرّس الهندسة الميكانيكية في معهدها الذي صار لاحقا جامعة كيترينغ.
يقول الابن إنه يعرف أين كان سيكون لولا ذلك. قال في خطاب فوزه بالانتخابات التمهيدية إنه، لولا "حادثة تاريخية"، كان سيصبح سائق سيارة أجرة في مصر، مثل آخرين من عائلته هناك. كانت الحادثة أن أباه ركب الطائرة إلى أمريكا. وفي مذكراته يذكر أن عمه ما زال يقود سيارة أجرة اشتراها له أبوه.
وُلد عبد الرحمن في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1984، في روتشستر هيلز، إحدى ضواحي ديترويت. وحين بلغ الثالثة، انفصل والداه. بقي مع أبيه. أما أمه، فاتن الكومي، فكانت طالبة طب وقيادية في جامعتها، وكبرى بنات عالم أحياء، فقدت أمها في الثالثة عشرة.
لم يلتقِ الأبوان قبل الزواج إلا مرة واحدة، عشرين دقيقة تحت أعين الأهل، ثم عُقد القران بالهاتف. يكتب الابن أنهما لو كانا فرقة موسيقية لكانا فرقة الأغنية الواحدة، وكان هو الأغنية. تخرجت في طب الإسكندرية عام 1983، وعاشت بعد الطلاق في مصر ثم في ميزوري، وتزوجت مترجما مات شابا بأزمة قلبية، وعملت في أمريكا ممرضة ممارِسة في الطب النفسي. وستعود إلى قصته بعد أربعة عقود من باب لم يتوقعه أحد.
بعد الطلاق قضى الطفل شهورا في مصر، ثم لم يعد إليها إلا في صيف 1998، وهو في الثالثة عشرة، مسافرا وحده، وقد كاد ينسى العربية، لغته الأولى.
وهناك تعلّم حدود الكلام، وقيمة جواز السفر. في سوق مزدحم ذات عصر، صرخ بشتائم في حق الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك علّمه إياها أبناء عمه. في المساء جاء رجال شرطة بثياب مدنية يسألون عنه. طلب منه جده أن يحضر جوازه، ورفعه في وجوههم قائلا إن "الولد أمريكي ولا يحق لهم أن يكلموه". يكتب أنها المرة الأولى التي رأى فيها الخوف على وجه جده، وأن أبناء عمه لو فعلوها لربما كان مصيرهم مختلفا.
وفي الصيفيات التالية، صارت جدته تذكّره بأن الشيء الوحيد الذي يميزه عن أبناء عمومته، وهم أذكياء مثله في كل شيء، أنه يعود إلى أمريكا حين ينتهي الصيف، ولا يدّعي نفسه غير ذلك. وصف عبد الرحمن طفولته، التي تنقّل فيها مع أبيه بين ميزوري وفلوريدا قبل أن يستقر في بلومفيلد هيلز، بأنها "حياة مرفهة جدا"، وقال إن الامتنان لهذه الفرص يعني عنده أن يحاول رفع الظلم عن الجميع.
كانت الجدة محقة أكثر مما أرادت. في عام 2017، مات ابن عمه أحمد في حادث سير في زحام القاهرة، وهو في الخامسة والعشرين. ويكتب في مذكراته أن ابن عم آخر، يكبره بسنوات قليلة، يعيل أطفاله شهرا كاملا بما يشتري في أمريكا زوجا من الأحذية الرياضية. والشوارع التي نشأ فيها عبد الرحمن، كما يكتب، فيها حدود للسرعة وإشارات مرور، وربما أنقذت حياته يوما. أما غيابها فقتل ابن عمه.
تعلّم عبد الرحمن في الإسكندرية أن يتحاشى الهواء الملوث والخس غير المغسول جيدا. وبعد ثلاثين عاما، كما قال لريمنيك، وجد ميشيغان نفسها تسجل أسوأ نسبة تلوث هواء في تاريخها صيفين متتاليين، وتحذّر سكانها من أكل الخس.
لكن الأبوين المنفصلين كانا قد تركا فيه شيئا مشتركا. فبحسب ما نشرته مجلة كلية الطب في جامعة كولومبيا عام 2016، كان الاثنان معارضين صريحين للنظام في بلدهما، وأورثا ابنهما "شعورا بالمسؤولية الاجتماعية والالتزام بالتغيير". كُتبت هذه الجملة في مجلة جامعية، قبل عشر سنوات من أن يحاول خصومه، ومنهم عرب مسلمون ربما لم تطأ أقدام بعضهم أمريكا، تحويل هذا الإرث إلى تهمة.
ثم تزوج الأب زميلة له في معهد جنرال موتورز، جاكلين جونسون. تعارفا، كما يروي الابن، في حديث عن "دائرة مور"، وهي رسم هندسي يبيّن كيف يتغير جسم تحت ضغوط خارجية متباينة، ويقول إنه وأخوه أسامة وأخته سامية صاروا تطبيقا اجتماعيا لتلك الدائرة. وُلدت جاكي في فلينت، وتعود جذور عائلتها في أمريكا إلى ما قبل الثورة، فهي، بحسب مذكراته، من نسل بعيد لأبيغيل آدامز، زوجة الرئيس الثاني جون آدامز. لاحقا اعتنقت جاكي الإسلام، وارتدت الحجاب. وبعد سنين قالت لطلاب مسلمين في ديربورن عام 2011 إن الناس صاروا بعدها يفترضون أنها لا تتكلم الإنجليزية، أو يشككون في ذكائها، وهي أستاذة الهندسة التي كانت أول امرأة في جامعتها تُرشَّح لدرجة الأستاذية في تخصصها.
"هكذا نشأ طفل يحمل اسم عبد الرحمن محمد في بيت ترعاه امرأة يعود نسبها إلى الحرب التي أسست الولايات المتحدة"
هكذا نشأ طفل يحمل اسم عبد الرحمن محمد في بيت ترعاه امرأة يعود نسبها إلى الحرب التي أسست الولايات المتحدة. وبقيت عائلتها على دينها، فجدّاه من جهتها شمّاسان في الكنيسة المشيخية. وبعض أفراد هذه العائلة صوّتوا لاحقا لترمب. وكانت جاكي أول من فاز بانتخابات في البيت، إذ انتُخبت عضوة في مجلس مدارس بلومفيلد هيلز قرابة عام 2010. وحين التحق عبد الرحمن بجامعة ميشيغان، سكن عند جدّيه من جهتها، وظهر الاثنان في إعلان لحملته هذا العام. وكتب معلقا على الإعلان أن "جذور عائلتي في وسط ميشيغان تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر". كان يقصد عائلة زوجة أبيه، وكان يعني انتماءه إليها كما ينتمي إلى الإسكندرية.
يحب السيد أن يقارن نفسه بباراك حسين أوباما. ويقول لريمنيك إن والد أوباما "هاجر من أفريقيا، وأبي هاجر من جزء آخر من أفريقيا". لكل منهما اسم غريب على الأذن الأمريكية، وأم وأب من عالمين. ويضيف الفارق الوحيد: أوباما "طويل ونحيل"، وأنا "قصير وممتلئ".
لكن قصر القامة والامتلاء لم يمنعاه من التميز. في مدرسة بلومفيلد هيلز الثانوية، التي تخرج فيها عام 2003، كان قائدا لثلاثة فرق رياضية، وكان لاعب كرة قدم أمريكية جيدا إلى حد أن الخصوم كانوا يرسلون لاعبين اثنين لمراقبته.
في جامعة ميشيغان درس الأحياء والعلوم السياسية، وتخرج بأعلى درجات التميز، وألقى كلمة الخريجين التي استوقفت كلينتون. ثم نال منحة رودس إلى جامعة أكسفورد. وكتب في طلبه للمنحة آية من سورة المائدة، "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، بصيغته هو: "يعلّمنا ديني أن من أنقذ حياة واحدة، فهو كمن أنقذ البشرية كلها". وفي أكسفورد صار قائدا لفريق رياضة اللاكروس، وربما بسبب إعجاب بعض السكان المحليين به، أطلق محل سندويتشات صغير في سوق المدينة المغطاة اسمه على أحد أصنافه، "العبدول". قبل أن يتلعثم الرئيس الأمريكي في اسمه بسنوات طويلة، كان بائع سندويتشات في أكسفورد يكتبه على لوح القائمة بلا عناء.
وفي جامعة ميشيغان التقى سارة. كان ذلك في خريف 2005، في المعرض الذي تقيمه الجامعة كل عام لتعريف الطلاب الجدد بالأندية الطلابية. كانت سارة جوكاكو في سنتها الأولى، وتطوعت للوقوف خلف طاولة رابطة الطلاب المسلمين، فمدّت إليه منشورات تعرّفه بالرابطة، وهو عضو نشط فيها منذ سنوات. يكتب أنه ردّها مبتسما، وأن أول ما لفته فيها ابتسامتها الواسعة وثقتها الهادئة بنفسها. وفي مايو/أيار 2006، بعد أقل من عام على لقائهما، تزوجا في حفل صغير بمسجد قريب، وأقاما الاستقبال في الحديقة الخلفية لبيت عائلته. كانت في التاسعة عشرة، وكان في الحادية والعشرين.
جاء والدا سارة من قرية ساحلية صغيرة في ولاية كارناتاكا جنوب الهند. وهي الرابعة بين خمسة أبناء لطبيب كلى اسمه طيّب، يكتب صهره أنه يكسب رزقه بجهد ثم يتبرع به لقضية خيرية بعد أخرى. وكانت سارة وإخوتها يقضون أغلب صيفهم في تلك القرية. كان لكل منهما إذن مكان بعيد يعود إليه حين ينتهي العام الدراسي، هو إلى الإسكندرية، وهي إلى قريتها في كارناتاكا. وحين سافر إلى أكسفورد، بقيت سارة في آن آربر (ميشيغان) عاما إضافيا لتستكمل متطلبات دراسة الطب، التي قررت دراسته متأخرة.
كان عبد الرحمن يريد يومها أن يكون جراحا يعالج الأطفال المصابين بتشوهات العمود الفقري في الأماكن الفقيرة. ثم ذهب ليتدرب في مستشفى بنيويورك، ليختلف كل شيء حين شاهد بعينيه ما يراه المرضى من علية القوم في الطابق التاسع وما يعانيه المواطنون العاديون في القبو.
قبل أكسفورد، وفي سنواته الأولى بجامعة ميشيغان، تتلمذ عبد الرحمن على عالم الأوبئة ساندرو غاليا، الذي علّمه أن يبحث عن العوامل الاجتماعية التي تحوّل الخطر إلى كارثة. كانت باحثة من جامعة شيكاغو، قد درست نتائج الولادة لدى النساء ذوات الأسماء العربية في كاليفورنيا بعد هجمات سبتمبر، فوجدت ارتفاعا بنسبة 34% في خطر نقص وزن المواليد. مدّ عبد الرحمن الدراسة إلى ميشيغان، مفترضا أن المجتمع العربي الكبير في مقاطعة واين، أعلى تجمع للعرب الأمريكيين في البلاد، سيحمي أمهاته وأطفاله. وثبتت فرضيته. كان الطالب يقيس بالأرقام ما يمكن أن تفعله الجماعة بأجساد أفرادها.
ثم قطع دراسة الطب بعد عامين حين نال منحة رودس. في أكسفورد كتب أطروحة الدكتوراه عن عدم المساواة في السمنة في إنجلترا، ونالها عام 2011. وحين عاد، علم أن أستاذه غاليا صار رئيسا لقسم علم الأوبئة في جامعة كولومبيا، فلحق به إلى نيويورك ليكمل دراسة الطب هناك، ضمن برنامج يجمع البحث العلمي بالتدريب الطبي. كان لا يزال يريد أن يصبح جراحا، قبل أن يعدل إلى الطب الباطني طمعا في وقت يتسع للبحث.
في المستشفى الذي تدرّب فيه، رأى طابقين. في الطابق التاسع، كان العازفون يعزفون البيانو لكبار الزوار الأجانب القادمين لإجراء عمليات في القلب. وفي القبو، كان فقراء نيويورك يُدفعون خارج النظام الصحي قبل أن يحصلوا على العلاج الذي جاؤوا من أجله. قال في حواره مع ريمنيك: "قليلون من يقولون إن كلية الطب جعلتهم راديكاليين". وكان هو واحدا منهم.
ثم جاءت مارثا، كما يسميها في مذكراته، المريضة التي حسمت قراره. في تدريبه بقسم الطب الباطني في مستشفى ألن بنيويورك، وصلت إلى الطوارئ امرأة مشردة في منتصف الستينيات، انزلقت ثملة على درج مترو غطاه الجليد وارتطم رأسها بالأرض. أراد الأطباء المقيمون أن يضمّدوا الجرح ويصرفوها. شك طالب الطب في أن وراء السقوط شيئا آخر، فاحتج بأنهم لم يقيّموا حالتها بإنصاف، وماطل في إكمال سجلها الطبي حتى تمر أعراض انسحاب الكحول، إلى أن أقنع رؤساءه بإدخالها. تبيّن أنها تعاني قصورا في الغدة الكظرية سببه فيروس الإيدز.
عالجها عبد الرحمن، ورتّب نقلها إلى مركز تأهيل يقبل المصابين بالإيدز. وقبل خروجها بيوم، قالت له إنها ستعود إلى البيت مع ابنتها، وإنها ستكون بخير. بعد أسبوعين، وهو في طريقه إلى العشاء في مطعم تركي، صعد إلى عربة مترو فرأى امرأة ممددة على وجهها فوق المقاعد. استدارت ببطء. كانت مارثا.
"دخل السيد الجامعة ظنا أن البحث العلمي قادر على أن يحرك السياسات. ثم ضاق بالأوراق البحثية وطلبات التمويل، وقال إن ما يهمه حقا هو بناء المؤسسات"
في تلك الليلة سحب طلبه للإقامة الطبية، وهي الطريق إلى رخصة مزاولة المهنة، وترك الطب السريري كله. اكتشف، كما يقول، أن ما يهمه هو ما يحدث للمريض قبل أن يصل إلى باب المستشفى. لهذا لم يحصل قط على رخصة الطب. وبعد أكثر من عقد، سيقف مايك روجرز في المناظرة ليقول إن الرجل ليس طبيبا حقيقيا.
في عام 2014 صار السيد أستاذا مساعدا لعلم الأوبئة في كلية الصحة العامة بجامعة كولومبيا. دخل الجامعة لأنه ظن، كما قال، أن البحث العلمي قادر على أن يحرّك السياسات. ثم ضاق بالأوراق البحثية وطلبات التمويل التي لا تغيّر شيئا ملموسا، وقال إن ما يهمه حقا هو "بناء المؤسسات".
في تلك الأثناء، كان أصدقاء له من ميشيغان قد عادوا إلى ديترويت للعمل مع عمدتها الجديد مايك دوغان، وكانوا يحكون له عن 62 ألف عمود إنارة نُصبت في شوارع كانت معتمة، وعن سيارات إسعاف صارت تصل في ثماني دقائق بعد أن كانت تتأخر قرابة الساعة. وحين سمع أن المدينة تبحث عن مدير لإدارة الصحة، تقدّم. وقبل أن يقبل الوظيفة خاض، كما يقول، "محادثتين صعبتين" مع زوجته سارة، الطبيبة المقيمة في الطب النفسي بجامعة كورنيل في نيويورك، التي بقيت هناك حتى انتقلت إلى برنامج في جامعة ميشيغان. في أغسطس/آب 2015 عيّنه دوغان. كان في الثلاثين، أصغر مسؤول صحة عامة في مدينة أمريكية كبرى.
كانت المدينة التي عاد إليها ظلا باهتا لما كانت عليه. في تعداد عام 1950، بلغ عدد سكان ديترويت نحو مليون و850 ألف نسمة، وكانت خامس أكبر مدينة أمريكية، وعاصمة صناعة السيارات التي جذبت السود الفارّين من الجنوب الريفي والمهاجرين من أنحاء العالم. وفي عام 2013، حين أعلنت إفلاسها في أكبر إفلاس لمدينة في تاريخ الولايات المتحدة، كان قد بقي فيها قرابة 700 ألف شخص. وكانت إدارة الصحة قد توقفت عن العمل قبل ذلك بعام، ونُقلت خدماتها إلى مؤسسة غير ربحية، وارتفع معدل وفيات الرضع في المدينة إلى ما فوق معدله في بعض الدول النامية، وفقد الناس ثقتهم في قدرة حكومتهم على رعايتهم. ثم عادت الخدمات إلى الإدارة في يوليو/تموز 2015، قبل وصوله بأيام، فكان على الطبيب الشاب أن يعيد بناءها من أساسها.
كان الجراح الذي لم يصبح جراحا قد وجد لنفسه تخصصا آخر، فسمّى عمله الجديد "جراحة مجتمعية". بل إنه صدّر مذكراته بعبارة عالم الأمراض الألماني رودولف فيرخوف: "الطب علم اجتماعي، والسياسة ليست إلا طبا على نطاق واسع". وكان قد قال لمجلة كلية الطب في كولومبيا عام 2016 إنه، بدل أن يحفر في الأنسجة، صار يحفر في أحشاء البيروقراطية، ويوفّق بين أطراف متعارضة ليصل إلى حل قد يستغرق سنوات، وقد يستطيع إنجازه على الفور. واعترف بسذاجته، أو ببراءته، قائلا: "هناك تفاؤل ساذج تأتي به إلى عملك حين تكون شابا".
لم تفارقه تلك الثقة، إن لم تكن صارت أكثر حدة مع الوقت. بعد عشر سنوات، سيكتب عنه ريمنيك أنه "سلس وجذاب"، لكنه يُظهر أيضا "ومضات من التبجح والتعالي"، يوجهها خاصة إلى خصومه. ويضرب ريمنيك مثلا بقول السيد إن منافسته في الانتخابات التمهيدية هايلي ستيفنز لا تستطيع أن تربط "جملتين متماسكتين"، ويعلّق بأن ذلك التعليق ربما لم يكن فكرة جيدة من رجل يحمل شهادات أكسفورد والجامعات العريقة.
في ديترويت، جاءه أحد الحلول السريعة من جنوب غرب المدينة. هناك، في واحد من أفقر أحيائها وأكثرها تلوثا، طلبت مصفاة "ماراثون" النفطية إذنا بزيادة انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكبريت. قال السيد إنه رأى مع دوغان فرصة للدفاع عن حي "تُرك في الوحل" طويلا. كتب مقال رأي نُشر يوم جلسة الاستماع العلنية، فحضرها مع جلسة تالية نحو 500 شخص، وجلس بينهم العمدة ومدير الصحة. تراجعت الشركة، واستثمرت طوعا عشرة ملايين دولار لخفض انبعاثاتها، وبعدها أضافت البلدية أربعة ملايين دولار إلى ميزانية إدارته الصحية. قال لاحقًا بفخر: "قليلة هي الوظائف التي ترى فيها ثمرة عملك بهذه السرعة".
لكنه كان يعرف أن أفضل ما في الصحة العامة لا يراه أحد. قال إنها حين تعمل على أكمل وجه "تصنع أحداثا لا تبدو مهمة"، وضرب مثلا بالمياه النظيفة، التي ينساها الناس لأنها تصل إلى صنابيرهم كل يوم.
ثم جاءت فلينت لتذكّر ميشيغان كلها بما يحدث حين تتوقف المياه الجارية النظيفة عن أن تكون حدثًا غير مهم. في أبريل/نيسان 2014، قرر "مدير طوارئ" عيّنته الولاية لإدارة تلك المدينة الفقيرة أن يوفّر المال بالتوقف عن شراء المياه من ديترويت، والاعتماد على مياه النهر. لم تُعالَج المياه كما يجب، فأكلت الأنابيب القديمة، وتسرب الرصاص إلى بيوت آلاف الناس. ظل المسؤولون شهورا يقولون إن المياه آمنة، حتى نشرت طبيبة الأطفال العربية الأمريكية منى حنا عطيشة دراسة تُظهر أن نسبة الأطفال الذين ارتفع الرصاص في دمائهم تضاعفت تقريبا. وفي يناير/كانون الثاني 2016، أعلن الحاكم حالة الطوارئ.
كانت فلينت على بعد 65 ميلا من مكتب السيد، وفي الوقت نفسه تقريبا وصل الخوف إلى ديترويت. في أوائل 2016، وقّع رسالة تعرض على مدارس المدينة فحص مياهها، وحصلت إدارته على منحة قدرها 135 ألف دولار للغرض نفسه. وجدت الفحوص مستويات مرتفعة من الرصاص أو النحاس في 19 مدرسة من 62. وقتها نالت إدارته جائزة من وزارة الصحة في الولاية، وعيّنه الحاكم في مجلس جديد للقضاء على تسمم الأطفال بالرصاص.
"يصف السيد طريقته قائلا: أريد أن أحضر مفك البراغي، وأفكك بطريقة منهجية أجزاء النظام المشوهة، ثم أعيد بناءه"
وفي العام الذي تلا ذلك، اتجهت إدارته إلى مساحات أخرى. عملت على خفض وفيات الرضع، وأطلقت مع جامعة واين ستيت برنامجا يرافق فيه أمهات مجرّبات حوامل صغيرات في السن. ووزعت نظارات مجانية على أطفال كانوا يذهبون إلى المدرسة دون أن يروا السبورة، ووسّعت توزيع "نالوكسون"، الدواء الذي ينقذ ضحايا الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية.
لكن أكبر مشكلة صحية في المدينة كانت خارج صلاحياته. زار ذات يوم أما فقدت رضيعها، وطلب أن يستخدم الحمام. ضغط زر الماء فلم يسمع صوتا. لم يكن في الحوض مياه، وكانت زجاجات المياه مصفوفة بجوار المغسلة. كانت العائلة، كما يكتب، واحدة من عشرين ألف أسرة قطعت عنها ديترويت المياه في عام واحد. أثار الأمر في كل اجتماع، فوُصف في سخرية بأنه "قلب ينزف"، ثم استُبعد من الاجتماعات الخاصة بالمياه، وقيل له إن قطع المياه لا علاقة له بالصحة العامة. طالبه الناشطون بأن يعلن حالة طوارئ صحية، فلم يفعل، لأنه قدّر أن العمدة سيستبدل به رجلا مطيعا، وأن الإدارة التي يعيد بناءها ستموت معه. وكتب في مذكراته أنه ما زال يسأل نفسه هل كان قراره صحيحا.
يصف السيد طريقته في العمل بصورة يحبها. لم يأت، كما يقول، ليحرق النظام. "أريد أن أحضر مفك البراغي، وأفكك بطريقة منهجية أجزاء النظام المشوهة التي تعمل لصالح الناس الخطأ، ثم أعيد بناءه ليعمل لصالح من يجب أن يعمل من أجلهم". وحين اتهمه خصومه بأنه يريد هدم كل شيء، رد قائلًا: "ادرسه، افهم كيف يعمل، فكّر كيف يمكن أن تعيد بناءه، ثم أعد بناءه".
في فبراير/شباط 2017، بعد أقل من عامين في منصبه، كشفت صحيفة "ديترويت نيوز" أنه سيستقيل ليترشح لمنصب حاكم الولاية. ولم يكن قد ترشح لأي منصب في حياته.
في 25 فبراير/شباط 2017، أعلن عبد الرحمن السيد ترشحه لمنصب حاكم ميشيغان. كان في الثانية والثلاثين. ولو فاز، لصار أول حاكم مسلم لولاية أمريكية، ومن أصغر حكام الولايات سنا. وبعد أسابيع من الإعلان، كان قد طاف بثلاث وخمسين مدينة في ست وعشرين مقاطعة.
وبعد أسبوعين من إعلان ترشحه، دعته سارة إلى العشاء في مطعم "سوبينو" للبيتزا في سوق "إيسترن ماركت" بديترويت، على بعد خطوات من المكان الذي أطلق منه حملته، وأخبرته أنه سيصبح أبا. كان قد استقال من إدارة الصحة ليتفرغ للحملة، فلم يعد له دخل، وصارت الأسرة تعيش على راتب سارة، الطبيبة المقيمة في الطب النفسي. سألها إن كانت تريده أن ينسحب، فقالت إن أفضل ما يمكن أن يفعله لهذا الطفل أن يخرج ويفوز. وفي الأحد الذي تلا عيد الشكر عام 2017 وُلدت إيمالي، فأذّن في أذنيها وحنّكها بتمرة كما يفعل الآباء المسلمون. ويكتب أن اسمها يعني بالعربية "أملي"، وأنها نصف مصرية ونصف هندية، و"أمريكية مئة في المئة".
وجد اسمه في انتظاره. يروي في مذكراته أن أحد خبراء الاستطلاعات الذين قابلهم قال له إنه يعرف كيف سيُستقبل في الاستطلاعات شاب وطبيب وحامل منحة رودس، لكنه يعرف أيضا كيف سيُستقبل "مسلم عربي اسمه عبدول وله لحية". ونصحه آخرون بأن يغيّر اسمه، أو يحلق لحيته، أو يُبعد عن الصور زوجته المحجبة. كتب أنه رفض أن يُفكَّك إلى "مكونات" مثل وجبة في مطعم "تشيبوتلي" للطعام المكسيكي السريع، فلم يغيّر شيئا، وبقيت سارة في الصور بحجابها.
وقال لإذاعة "دبليو دي إي تي" في ديترويت إنه "في الثانية والثلاثين، وأسمر، ومسلم"، وإنه لن يهرب من هذه الحقائق "لأنها أنا، ولا أريد أن أهرب منها". وحين اشتدت التهديدات، عيّنت له حملته حارسا شخصيا. أما تهمة الإخوان، التي ستلاحقه بعد تسع سنوات، فولدت في تلك الشهور. كتب موقع "وورلد نت ديلي" اليميني عنه مقالا كاملا، وهو مجرد مرشح في انتخابات تمهيدية لحاكم ولاية، قبل التصويت بأكثر من عام. وتداول أنصار ترمب على فيسبوك منشورا يحذّر من أن الرجل "متعاطف مع الإخوان المسلمين"، وأن الولاية خطوته الأولى نحو البيت الأبيض.
لم يخفف السيد شيئا من برنامجه. اقترح نظاما صحيا حكوميا للولاية يغطي كل سكانها، سماه "ميشي كير"، ورفض تبرعات الشركات، وجمع نحو خمسة ملايين دولار من أفراد. وأيده بيرني ساندرز. وفي يناير/كانون الثاني 2018، نشرت مجلة "بريدج" المحلية في ميشيغان تقريرا يسأل عن أهليته للترشح، لأنه بقي ناخبا مسجلا في نيويورك حتى مارس/آذار 2015، لكن اسمه ظل على ورقة الاقتراع. وبعد الفوز المفاجئ للنائبة أكساندريا أوكاسيو كورتيز في نيويورك في يونيو/حزيران 2018، ظهر على الصفحة الأولى لصحيفة "نيويورك تايمز" مرتديا قميصا كُتب عليه "ألغوا وكالة الهجرة والجمارك".
في 7 أغسطس/آب 2018، حصل على 342,179 صوتا، أي نحو 30% من أصوات الديمقراطيين، وحلّ ثانيا خلف غريتشن ويتمر، المرشحة التي تدعمها ماكينة الحزب. تقول مجلة "سيمافور" إن هذا العدد كان كافيا للفوز في دورات انتخابية أقل إقبالا. ولاحقًا أظهر فيلم وثائقي بعنوان "كيف تُصلح انتخابات تمهيدية" حملة عبد الرحمن السيد باعتبارها حملة انتخابية ملهمة أطاح بها فساد الحزب والمال السياسي.
ولم تنتهِ التهديدات بانتهاء السباق. بعد أشهر من الهزيمة، اتصل به حموه ليخبره أن شرطيا من ديترويت جاء إلى البيت يطلبه. عرف بعدها أن اسمه كان بين ما بحث عنه على الإنترنت سيزار سايوك، الرجل الذي أرسل في أكتوبر/تشرين الأول 2018 ستة عشر طردا مفخخا إلى سياسيين ديمقراطيين وإلى شبكة "سي إن إن". يكتب أنه ممتن لأن شرطيا هو من طرق الباب، لا عبوة ناسفة، وأن ابنته كانت تعيش خلف ذلك الباب.
يقول السيد اليوم إنه تعلم من تلك الهزيمة شيئا عن الحياة العامة. قال لريمنيك إن المرشح لا يُمنح إنسانيته كاملة، لأن كل ما يقوله يوضع في سياق رواية جاهزة تُستعمل ضده، وضرب لذلك مثلا بقوله إنه "إذا تحدثت عن غضب مشروع، فأنا رجل عربي غاضب". وإذا انتقد خصمه الجمهوري وخصمته الديمقراطية معا، لا يبقى من كلامه في الأخبار إلا انتقاده للمرأة. ظل يسأل نفسه، بتعبيره، كم يحق له أن يغضب نيابة عن الآخرين. وكان جوابه أنه غاضب جدا.
ثم بدأت سنوات التيه، أو ربما سنوات التحضير. أسس لجنة عمل سياسي باسم "ساوث باو ميشيغان" لدعم المرشحين التقدميين. وصار معلقا على شبكة "سي إن إن"، ومقدما لبودكاست "أمريكا مشرّحة" عن السياسة والصحة. ونشر عام 2020 كتاب "سياسة الشفاء"، يشخّص فيه ما سماه "وباء انعدام الأمان" في أمريكا. وكتب مع الطبيب مايكا جونسون دليلا للمواطنين عن نظام "الرعاية الصحية للجميع"، نشرته جامعة أكسفورد عام 2021. وفي صيف 2020، اختاره بيرني ساندرز ممثلا له في فريق العمل الصحي المشترك مع حملة جو بايدن. كان الرجل الذي يريد نظاما صحيا حكوميا شاملا يجلس إلى الطاولة مع من لا يريدونه.
وفي ذروة الجائحة، وقف السيد يحدّث مجموعة من الناس في الهواء الطلق، والجميع بكمامات، عن أهمية اللقاح. يروي لريمنيك أن رجلا قال له إنه يعرفه، ورآه على "سي إن إن"، ويثق به، وسيأخذ اللقاح. ثم أضاف أن من الغريب أن يُطلب منه أخذ لقاح لم يكن موجودا قبل عام، لمرض لم يكن موجودا قبل عام، وهو لا يقدر على ثمن الإنسولين، الدواء الموجود منذ مئة عام لمرض السكر الذي لم يزل يعانيه طوال حياته. وسأله متى سيأتي أحد ليتأكد أنه يحصل على الإنسولين. يقول السيد إنه لم يجد ما يرد به لأن الرجل كان محقا.
وفي أواخر 2020، عاد إلى مسألة المياه، فبدأ يساعد مدينة ديترويت في البحث عن تمويل يمنع قطع المياه عن البيوت المتعثرة، وفي إعداد برنامج لتسعير يقدر عليه الفقراء.
في ديسمبر/كانون الأول 2022، عاد عبد الرحمن السيد إلى الإدارة من جديد. اختاره وارن إيفانز، رئيس مقاطعة واين، مديرا لإدارة الصحة والخدمات الإنسانية وشؤون المحاربين القدامى، التي تخدم 1.8 مليون شخص في أكبر مقاطعات الولاية وأكثرها تنوعا. وتسلم منصبه في مارس/آذار 2023 حين كان في الثامنة والثلاثين.
"يقول السيد في حملته إنه محا ديونا طبية قيمتها 700 مليون دولار عن 300 ألف شخص"
ولعل أشهر ما فعله هناك كان برنامجًا لشراء الديون الطبية للفقراء وإسقاطها، بالشراكة مع منظمة غير ربحية تشتري هذه الديون بثمن زهيد. ويقول في حملته إنه "محا" ديونا طبية قيمتها 700 مليون دولار عن 300 ألف شخص. لكن مجلة "بريدج" المحلية تحققت من الرقم، ووجدت أنه هدف يسعى إليه البرنامج، وأن ما سُدّد فعلا أقل منه بكثير. والسيد نفسه عاد فاعترف بأن الرقم يمثل طموحه الذي لم يتحقق بعد. لكن أحد مؤيديه كتب أن البرنامج ألغى "عشرات الملايين" من الديون عن أكثر من 100 ألف شخص.
وخاض هناك معركة إدارية صعبة تتعلق بالسجون هذه المرة. فقد كان مركز احتجاز الأحداث في المقاطعة في أزمة، فأعلن السيد مع إيفانز حالة طوارئ صحية فيه، ودخل في خلاف علني مع حكومة ويتمر حول المسؤولية عنه. يقول عبد الرحمن السيد إنه أعاد بناء عمليات المركز "من الصفر" خلال ثلاثة أشهر. لكن تقارير مفتشي الولاية، التي نشرها موقع "واشنطن فري بيكن" اليميني المؤيد لترمب، وصفت غرفا غمرتها مياه الصرف والقمامة. واستشهدت دعوى قضائية لاحقة بإعلان حالة الطوارئ نفسها دليلا على إهمال المقاطعة. تردد السيد سابقا في ديترويت في إعلان الطوارئ خوفا على إدارته، وعندما أعلنها هذه المرة، صارت وثيقة في يد خصومه.
ثم جاء عام 2025. أعلن السيناتور الديمقراطي غاري بيترز أنه لن يترشح لولاية ثالثة، وفتحت إدارة ترمب الثانية مقصاتها على تمويل البرامج الصحية الفدرالية، ومنها برامج في ميشيغان. يقول السيد إن ذلك ما دفعه إلى الترشح. في أبريل/نيسان 2025 استقال من منصبه، وأعلن حملته لمجلس الشيوخ بجملة واحدة: "أترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي لأنه في الولاية التي بنت الحلم الأمريكي، لا ينبغي أن يكون العيش بهذه الصعوبة". وفي اليوم نفسه، أيده بيرني ساندرز.
حين أعلن عبد الرحمن السيد ترشحه في أبريل/نيسان 2025، كانت العضوة في مجلس ولاية ميشيغان مالوري ماكمورو قد سبقته إلى السباق. وبعده بخمسة أيام دخلت هايلي ستيفنز، النائبة في الكونغرس لأربع دورات، والمسؤولة السابقة في إدارة أوباما التي عملت على إنقاذ صناعة السيارات، وهي سيرة لها وزن خاص في ميشيغان. تخرجت ستيفنز من مدرسة سيهولم الثانوية قبله بعامين، على بعد أقل من ربع ساعة من مدرسته في بلومفيلد هيلز. وقف ابنا الضاحية نفسها في طرفين متقابلين من الحزب.
كانت ستيفنز تعرف كيف تُكسب الانتخابات التمهيدية. في عام 2022، أجبرتها إعادة رسم الدوائر على مواجهة زميلها في الكونغرس آندي ليفين، اليهودي التقدمي المنتقد لسياسات إسرائيل. أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) نحو 4.2 ملايين دولار لدعمها، فخسر ليفين مقعده. وبعد أسابيع من إعلان السيد ترشحه، كان مسؤولو الحزب يتحدثون في السر عن خوفهم من انتخابات تمهيدية فوضوية في الولاية، خاصة مع التدخلات المتوقعة من أيباك.
ظهر السيد في الأشهر الأولى أكثر حذرا مما يصفه خصومه. حين أعلنت ماكمورو أنها ستصوت ضد بقاء تشاك شومر زعيما للديمقراطيين في مجلس الشيوخ، رفض أن يحذو حذوها. قال لموقع "بوليتيكو" إن من يعلن معارضته لمرشح واحد دون أن يعرف البديل "إما تنقصه الدقة، أو تنقصه الحنكة". وقال إنه فهم من لقاء مع لجنة الحزب لانتخابات مجلس الشيوخ أنها لن تتدخل في الانتخابات التمهيدية. لكن الحذر لم يشفع له عند قيادة الحزب، فبعد شهور وقف شومر خلف ستيفنز.
بنى السيد حملته على رفض أموال لجان الشركات، معتمدًا على الحشود. وقف بيرني ساندرز إلى جانبه منذ اليوم الأول، وتبعته ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. وفي التبرعات المباشرة، جمع السيد 14.5 مليون دولار مقابل 11.9 مليونا لستيفنز. كان الرجل متقدما بأموال الناس لا اللوبيات.
ثم جاء الربيع بأول رياحه. في أواخر مارس/آذار، نشر موقع "واشنطن فري بيكن" تسجيلا مسربا من اجتماع عقدته حملة السيد في 1 مارس/آذار، غداة مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول للحرب على إيران. يطلب فيه من فريقه ألا يعلقوا على مقتله، ويذكّرهم بأن "هناك كثيرين في ديربورن حزينون اليوم". تلقف الجمهوريون التسجيل، ووصفه السفير الإسرائيلي السابق مايكل أورين بأنه "انهيار أخلاقي". رد السيد في مقابلة مع "فوكس نيوز" بأن خامنئي "رجل سيئ"، لكن سوء الرجل لا يبرر خرق القانون الدولي في عمل منفرد خارج زمن الحرب. وظل يسمي الحرب "غير قانونية وغير مبررة".
وفي 7 أبريل/نيسان، جال في جامعتي ميشيغان وولاية ميشيغان مع حسن بيكر، صانع المحتوى اليساري الذي يتابعه الملايين، والذي سبق أن قال إن أمريكا "استحقت" هجمات 11 سبتمبر، قبل أن يعتذر فيما بعد. حضر الحدثين نحو 1200 شاب.
وصفت ستيفنز الخطوة بأنها "غير مقبولة". وقال مات بينيت، المحلل السياسي الديمقراطي، إن السيد "عار على الحزب الديمقراطي". أما السيد، فقال لشبكة "سي بي إس" إن هذا الجدل "يخبرنا كل ما نحتاج معرفته عن الأشياء التي تنشغل بها واشنطن". وشرح لريمنيك أن بيكر يخاطب قرابة ثلاثة ملايين متابع شعروا طويلا بأنهم مطرودون من السياسة، وأن نائبة الرئيس كامالا هاريس نفسها دعته ليبث من مؤتمر الحزب عام 2024. ورأى في الديمقراطية "الأداة التي نحل بها خلافاتنا سلميا". وفي اليوم نفسه، ظهر على "فوكس نيوز"، القناة التي يصفها بأنها "حلبة مصارعة حرة كلامية لكبار السن".
في تلك الشهور ظهرت حدته أيضا. قال إن ستيفنز لا تستطيع أن تربط "جملتين متماسكتين". ونقلت "بوليتيكو" عنه قوله في مكالمة مع متبرعين، عن السيناتور الديمقراطي جون فيترمان المؤيد لإسرائيل، إن الأمثل "أن تعلّق غولا واحدا على رمح"، فيفهم الباقون الرسالة.
وبعد جولات من الهبوط في استطلاعات الرأي، في 5 يوليو/تموز، أعلنت ماكمورو انسحابها من الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي دون أن تؤيد أحدا. وفي اليوم نفسه، أعلنت المدعية العامة للولاية دانا نيسل تأييدها لستيفنز. صار السباق إذن بين رجل ومؤسسة.
ثم ألقت أيباك بثقلها. في أوائل يوليو/تموز، أطلقت لجنتها "مشروع الديمقراطية المتحدة" أول إعلاناتها المؤيدة لستيفنز، ولم يذكر أي منها إسرائيل، بحسب وكالة أسوشيتد برس. كانت الإعلانات تتحدث عن أي شيء آخر. وبحلول يوم التصويت، كانت أيباك ولجانها قد أنفقت نحو 30 مليون دولار، وهو أكبر إنفاق لها على سباق واحد في تاريخها. ووصل ما أنفقته ست جهات خارجية لصالح ستيفنز إلى نحو 62 مليون دولار، أي تسعة أضعاف ما أُنفق لصالح السيد، بحسب شركة "آد إمباكت" لرصد الإعلانات.
"جعل السيد المال نفسه موضوع حملته قائلا إنه يسمح لأصحاب الملايين والشركات وجماعات المصالح الخاصة مثل أيباك بشراء السياسيين وبيعهم"
سُئلت ستيفنز عن دعم أيباك، فقالت لوكالة أسوشيتد برس إن كل من يدعمها يفعل ذلك "بسبب تفانيها من أجل أهل ميشيغان". أما السيد، فجعل المال نفسه موضوع حملته قائلا إن "المرض هو هذا النظام الذي يسمح لأصحاب الملايين والشركات وجماعات المصالح الخاصة مثل أيباك بشراء السياسيين وبيعهم". وقبل الانتخابات التمهيدية بأيام، قال لريمنيك إنك حين تنفق ستين مليون دولار لهزيمة رجل واحد ثم يهزمك، "فقد حولته إلى داود". وأضاف ساخرا: "شكرا جزيلا يا متبرعي أيباك"، وهو الشكر الذي كرره على منصة الفوز.
كانت حجة ستيفنز الأقوى أن السيد لا يستطيع الفوز في نوفمبر/تشرين الثاني، معتمدة على الاستطلاعات التي كانت تسندها. في أواخر يوليو/تموز، كان السيد يتقدم عليها، لكنه كان متأخرا عن روجرز بعشر نقاط في الانتخابات العامة، بينما كانت ستيفنز متعادلة معه. وكان روجرز قد قال في مكالمة في يونيو/حزيران، نشرت مضمونها شبكة "سي إن إن" في 23 يوليو/تموز، مستهينًا بعبد الرحمن السيد، إنه سيكون "في وضع جيد" إن فاز بالترشيح، فنشرت حملة ستيفنز بيانا مزيفا يحمل شعار حملة السيد، عنوانه "تنبيه: مايك روجرز يؤيد عبدول السيد".
وقبيل التصويت بأيام، ألقت الحاكمة ويتمر بثقلها خلف ستيفنز. ورأت شبكة "إن بي سي" في ذلك محاولة أخيرة لوقف صعود السيد.
ليلة 4 أغسطس/آب، وقف السيد على مسرح "ماجستيك" في ديترويت قبل أن تُحسم النتيجة. قال لأنصاره إنهم لم يعرفوا أن خصومهم سيتفوقون عليهم في الإنفاق "بأحد عشر دولارا مقابل دولار". لم تعلن أسوشيتد برس النتيجة إلا صباح الأربعاء، بعد أكثر من اثنتي عشرة ساعة على إغلاق الصناديق. فاز السيد بحصوله على 48.5% مقابل 47.5% لستيفنز، بفارق نقطة واحدة تقريبا.
فازت ستيفنز في مقاطعات الضواحي الكبرى وكان أداؤها قويا في ديترويت نفسها. وفاز عبد الرحمن في مقاطعات الجامعات. لكن الفارق جاء من مكان آخر. نال نحو 80% من أصوات ديربورن ذات الحضور العربي القوي، و70% في ديربورن هايتس، و82% في هامترامك. ومن ديربورن وديربورن هايتس وحدهما، حصل على 16,265 صوتا أكثر من ستيفنز، أي معظم الفارق الذي فاز به في الولاية كلها.
قبل قرابة عشرين عاما، افترض الطالب في جامعة ميشيغان عبد الرحمن السيد أن المجتمع العربي في مقاطعة واين يحمي أبناءه، وصدق فيه ظنه.
صباح الأربعاء، أقرت ستيفنز بهزيمتها، وكتبت أنها اتصلت بالسيد لتعرض عليه دعمها الكامل. وأعلنت ويتمر وبيترز تأييدهما له في مواجهة روجرز. وكتب ترمب أن فوزه "خبر عظيم" للجمهوريين. وبعد ثلاثة أشهر، قبل التصويت بيومين، ستقف ستيفنز لتؤيد خصمها السابق روجرز في كنيسة بديترويت ضد السيد، في مفارقة شديدة الدلالة عن السياسة الأمريكية والفوارق التي كثيرا ما تكاد تختفي بين حزبيها الكبيرين.
يصف عبد الرحمن السيد نفسه بأنه مسلم متدين. يقول لريمينيك إنه يضع وجهه على الأرض "أربعا وثلاثين مرة في اليوم"، وإن أغلب الناس لا يفهمون لماذا يفعل ذلك، وإنه لا يحتاج إلى أن يفهموا. كل ما يريده أن يحتفظ بحقه في أن يفعله.
لكن خصومه نقلوا المعركة إلى مساحة أخرى. ففي 5 أغسطس/آب، صباح إعلان النتيجة، أصدر مايك روجرز بيانا يقول إن منافسه الجديد "تعهد بدعم الإخوان المسلمين". وفي اليوم نفسه، أطلقت اللجنة الجمهورية لانتخابات مجلس الشيوخ إعلانا يصفه بأنه "أكثر مرشح لمجلس الشيوخ تطرفا في أمريكا"، ويقول إنه تعهد بدعم الجماعة.
اعتمد خصوم السيد على مقال عمره خمسة عشر عاما. في 30 يناير/كانون الثاني 2011، وثورة يناير في يومها السادس، جلس طالب الدكتوراه ابن السادسة والعشرين في غرفته بأكسفورد، عائدا لتوه من شتاء قضاه في مصر، وكتب لموقع "هافينغتون بوست" مقالا عنوانه "لماذا يجب أن تدعم الولايات المتحدة المحتجين في مصر".
حجته كانت أن أمريكا لن تخسر شيئا إن وقفت مع الميدان. فمبارك يستمد قوته من جيش تموّله واشنطن، وأي انتقال للسلطة سيمر عبر هذا الجيش. وسخر من القول بأن دعم مبارك يحمي "الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، ونقل عن بنيامين نتنياهو قوله في تلك الأيام إنه غير متأكد من أن الوقت مناسب لكي تمر المنطقة العربية بالعملية الديمقراطية. ثم رد على الخوف الأكبر في واشنطن، أن تذهب مصر إلى الإخوان. كتب أن الجماعة، حتى لو وصلت إلى الحكم، لن تصنع دولة تشبه إيران، فهي حركة سُنية بلا مرشد على طريقة الخميني، والجيش سيبقى صاحب الكلمة الأخيرة، ولن يقبل حكومة إخوانية بلا ضمانات ديمقراطية.
وفي تلك الفقرة كتب أن الإخوان لن يقدروا على الاستئثار بالسلطة بالسرعة التي فعلها "نظراؤهم" الإسلاميون في إيران عام 1979. بعد خمسة عشر عاما، نبشت الناشطة اليمينية لورا لومر المقال، وقرأ الجمهوريون الكلمة على هواهم. صار ثوار إيران "نظراء" الإخوان في عقل الكاتب.
"كان الانتماء للإخوان تهمة رئيسية استخدمها خصوم عبدول خلال الحملة الانتخابية"
أما التهمة الأخرى فظهرت في أواخر سبتمبر/أيلول. نشر موقع "واشنطن فري بيكن"، الموقع نفسه الذي سرّب تسجيل خامنئي، خبرًا عن بيان صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، ووقّعه 46 ممن وصفوا أنفسهم بقيادات الجالية المصرية في أمريكا. في الترتيب الثالث والثلاثين جاء اسم "د. عبد الرحمن السيد" من نيويورك. كان يومها طالب طب في جامعة كولومبيا، في الثامنة والعشرين.
صدر البيان بعد أيام من الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الراحل محمد مرسي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني، وعزل به النائب العام عبد المجيد محمود، وحصّن قراراته من الطعن أمام القضاء إلى أن يُكتب دستور جديد. أيد الموقعون "القرارات الثورية"، وطالبوا الرئيس "بتطهير الإعلام والشرطة في أسرع وقت"، وتعهدوا بأن يقفوا "صفا واحدا دعما للرئيس المنتخب".
لكن البيان حمل تحفظه أيضا. كتب الموقعون: "لا نخفي التخوف من وجود مثل هذه الصلاحيات في يد الرئيس"، وطلبوا منه أن يعلن أن الإعلان ينتهي بمجرد الانتهاء من كتابة الدستور.
ليس في البيان ما يجعل موقّعه عضوا في جماعة، ولم تجد الصحافة المحلية في ميشيغان دليلا على أي صلة للسيد بالإخوان. لكن في البيان ذاته دعوة صريحة إلى "تطهير" الإعلام، وتأييدا لقرار حصّن الرئيس من القضاء، أشارت الصحافة إلى كونها نقطة ضعف في سجل الرجل. ولاحقا رفضت حملته الرد على أسئلة صحيفة "نيويورك تايمز" الخاصة بالبيان.
المفارقة أنه في صباح الأحد 25 أكتوبر/تشرين الأول، سألت المذيعة كريستين ويلكر روجرز عن البيان في برنامج "ميت ذا برس" على شبكة "إن بي سي". في المقابلة ذكّرت المذيعة روجرز بأنه قال عام 2012، حين كان يرأس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، إن هناك أفرادا "معتدلين" في الإخوان سيكون على واشنطن أن تتواصل معهم وتتحدث إليهم. في العام الذي وقّع فيه عبد الرحمن السيد البيان، كان رئيس لجنة الاستخبارات، منافسه الانتخابي اليوم، يبحث عن الإخوان ليحاورهم. لم يجب روجرز عن السؤال مباشرة، واتهم المذيعة بأنها تلوي المعلومات لتدافع عن موقفها، ثم شرح أنه كان يريد حماية التعاون الاستخباراتي بين مصر وإسرائيل.
ثم ألقى ترمب بثقله. في ليلة 24 أكتوبر/تشرين الأول، كتب أن السيد "جهادي من الإخوان المسلمين" يكره اليهود والسود والأمريكيين. وفي اليوم التالي، في تجمع بمدينة بورت هيورون، قال إنه جاء إلى ميشيغان ليمنع "عضوا جهاديا في الإخوان المسلمين" من دخول مجلس الشيوخ، وإن على السيد أن يمر عبر جهاز كشف المعادن قبل أن يُسمح له بدخول المجلس. وشبّه التصويت ضده بما فعله ركاب الرحلة 93، الذين قاوموا خاطفيهم يوم 11 سبتمبر. وقبله وقف روجرز على المنصة نفسها ليقول إن الإخوان لم يحتفلوا هذا العام في أمريكا إلا بانتصار واحد، هو فوز السيد بالانتخابات التمهيدية. حتى بشارة بحبح، مؤسس "عرب أمريكيون من أجل ترمب"، قال إن كلام الرئيس "يتجاوز خطا أحمر"، ووصفه بالعنصري.
وكانت إدارة ترمب قد صنّفت فرع الجماعة في مصر منظمة إرهابية في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد ثلاثة عشر عاما من البيان.
لكن الحملة لم تتوقف عند ما كتبه السيد، بل وصلت إلى أمه.
في المناظرة الأولى، بدأ روجرز جملة عن "شخص في عائلتك قد يكون على قائمة المراقبة"، فقاطعه السيد بسؤال: "هل ستهاجم أمي؟". توقف روجرز. ولم يتوقف حلفاؤه.
فاتن الكومي، التي تعمل اليوم ممرضة ممارسة في الطب النفسي بولاية ميزوري، عملت بين عامي 1999 و2004 في "وكالة الإغاثة الإسلامية الأمريكية"، وهي جمعية خيرية صغيرة في ميزوري جمعت ما لا يقل عن عشرين مليون دولار لرعاية أطفال في أفريقيا وآسيا. في عام 2004 صنّفتها الحكومة الأمريكية داعمة لجماعات إرهابية منها تنظيم القاعدة. وانتهت القضية باعتراف الجمعية وعدد من قادتها بتهمة أخف من الإرهاب، هي تحويل أكثر من مليون دولار إلى العراق خلافا للعقوبات، وحُكم على مديرها التنفيذي مبارك حامد عام 2012 بالسجن قرابة خمس سنوات.
أما فاتن، فلم تُتهم بشيء. قال خمسة ممن شاركوا في القضية لصحيفة "نيويورك تايمز" إنهم لا يتذكرونها، لأنها كانت موظفة صغيرة، وقال تشارلز سويفت، محامي الجمعية، إنه لم تكن لها علاقة "بأي شيء". ومن بين 945 مستندا قدمها الادعاء، يخصها ثلاثة عشر، أغلبها رسائل توثق تحويلات مالية بين عامي 1999 و2001، ولا تكشف السجلات مضمونها ولا إن كانت تلك التحويلات مخالفة للقانون. قالت فاتن قبل سنوات لصحيفة محلية إنها عملت هناك لخدمة الأيتام، ولم ترَ أي صلة بالإرهاب.
لكن تغريدة أخرى حركت المياه أكثر وأكثر. في عام 2012، كتبت إيمان عبد الهادي، أخت عبد الرحمن من أمه، أنها أجرت "حديثا رائعا" مع أمها عن نشاطها في الإخوان المسلمين "في أوائل السبعينيات حين كانت في الجامعة". وكتبت في منشورات أخرى أن عائلتها "إخوان منذ زمن طويل". وإيمان اليوم أستاذة في جامعة شيكاغو.
لكن التواريخ لا تستقيم. تقول فاتن إنها تخرجت في طب الإسكندرية عام 1983، ودراسة الطب في مصر ست سنوات، فالأرجح أنها لم تكن قد دخلت الجامعة في أوائل السبعينيات. ومن يعرف تاريخ الحركة الإسلامية في الجامعات المصرية يعرف أن الإخوان في مطلع ذلك العقد كانوا يخرجون لتوهم من سجون عبد الناصر، وأن نشاط الطلاب الإسلاميين حمل يومها اسم "الجماعة الإسلامية"، قبل أن ينضم كثير من قادته إلى الإخوان في أواخر العقد، ويذهب جزء كبير من طلاب الإسكندرية إلى ما صار يُعرف بـ"الدعوة السلفية".
رد عبد الرحمن بأن ما يُستشهد به "شهادة سماعية من تغريدة"، وقال إنه لم يجرِ قط مثل هذه الأحاديث مع أمه. لكن علاقته بأمه كانت على ما يرام، فرغم الطلاق والبعد عن أمه طوال سنوات المدرسة، كتب أنه يحتفظ معها "بعلاقة محبة"، وأن العودة إلى أم وإخوة لم يكبر معهم ما زالت تصعب عليه.
غزة على فاتورة المنزل الأمريكي
في ميشيغان، كانت الحرب على غزة ذات تأثير أكثر مما يحب الديمقراطيون أن يعترفوا به. في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في فبراير/شباط 2024، المؤهلة للانتخابات الرئاسية، اختار أكثر من مئة ألف ناخب خيار "غير ملتزم"، احتجاجا على دعم جو بايدن لحرب الإبادة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حلّ ترمب أولا في ديربورن، وذهب قرابة خُمس أصواتها إلى مرشحة حزب الخضر جيل ستاين، وخسرت كامالا هاريس الولاية بنحو ثمانين ألف صوت. كان السيد واحدًا من هؤلاء، فكان يفهمهم ويفهمونه.
حين ذكّره ريمنيك بأن مصر، بلد أبيه، صنعت سلاما مع إسرائيل في عهد أنور السادات، وسأله لماذا يضيق بسؤال "حق إسرائيل في الوجود"، بدأ السيد جوابه من ميشيغان. تحدث عن أحياء لا يتجاوز متوسط الدخل فيها أربعة عشر ألف دولار في العام، وأطفال بلا مدارس صالحة، وسأل عما تدين به الدولة لهؤلاء الأطفال من أموال ضرائب آبائهم. ثم قال إنه يؤمن بحق متساوٍ في السلام والكرامة وتقرير المصير للفلسطينيين واليهود، وإنه سيؤيد أي حل يختاره شعبان حران، دولتين أو دولة واحدة أو "أرضا للجميع". أما ما يرفضه فهو أن يشارك في "تمثيلية" يردد فيها الإيمان بحل الدولتين، بينما ترسل أموال ميشيغان إلى جيش ارتكب إبادة، ويمارس الفصل العنصري، ويسعى إلى احتلال جنوب لبنان، ويغلق كل طريق إلى دولة فلسطينية.
لكن السيد تعرض لاختبار من داخل مدينته. ففي 12 مارس/آذار، اقتحم أيمن غزالي، الأمريكي من أصل لبناني البالغ من العمر 41 عاما، كنيس "معبد إسرائيل" في ويست بلومفيلد بسيارته. اشتعلت السيارة في ممر الكنيس الذي كان يضم فعالية للأطفال، وقُتل المهاجم. قبل أسبوع من الهجوم، كانت غارة إسرائيلية على بلدة مشغرة في البقاع اللبناني قد قتلت أخويه واثنين من أبنائهما، وهم يتناولون إفطار رمضان.
في يوم الهجوم، أصدرت حملة السيد بيانا يقول فيه إنه "مذعور ومفطور القلب"، ويقول لليهود إن لهم الحق في أن يتعبدوا في سلام، وإنه "لا مكان لمعاداة السامية في أمريكا". وفي اليوم التالي نشر مقطعا بصوته ووجهه. قال فيه إنه نشأ على بعد أقل من ربع ساعة من الكنيس، وإن كثيرين من أصدقاء طفولته وزملاء دراسته يصلّون فيه. ثم ذكر الغارة التي قتلت عائلة المهاجم، وطلب من مستمعيه أن يتخيلوا لو أنها لم تقع، ولو لم تكن هناك حرب على إيران ولا غارات على لبنان. وختم بأن علينا أن ندين الهجوم على الكنيس، وأن ندين معه "العنف الذي يقع على بعد ستة آلاف ميل".
وفي 7 أبريل/نيسان، في جولته مع حسن بيكر، أعاد الفكرة بالقول إن "الأشخاص المجروحين يجرحون الآخرين".
أثارت تصريحات السيد غضبًا بين بعض المتعاطفين مع الديمقراطيين من اليهود. من بين هؤلاء دانا نيسل، المدعية العامة للولاية، اليهودية المولودة في ويست بلومفيلد، التي قالت لديفيد فروم في مجلة "ذي أتلانتيك" إن كثيرين فهموا جملة السيد عذرا للمهاجم. لكن نيسل قالت في الحوار ذاته إنها ستقطع ذراعها اليمنى قبل أن تصوّت لروجرز، وإن ما يجمعها بالسيد في المبادئ والسياسات أكثر بكثير مما يجمعها بالمرشح الجمهوري. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أعلنت نيسل تأييدها للسيد رسميا.
في 29 أغسطس/آب، في مؤتمر الحزب الديمقراطي بمدينة لانسنغ، جلس السيد أمام نحو ثلاثين عضوا في التجمع اليهودي للحزب، أي أقل من ثلث من حضروا لقاء الربيع. قال لهم إنه أخطأ، وإنه أراد أن يضيف "سياقا"، وإنه يعتذر إن كانت كلماته قد سببت ألما. وقال إن الهجوم كان إرهابا داخليا، و"خطأ، نقطة". حينها قالت ناخبة من لانسنغ إن الاعتذار جعلها أكثر حماسا للتصويت له، وإن ظلت غير مرتاحة لموقفه من حل الدولتين. أما زاك نيسل، ابن المدعية العامة وأمين سر التجمع، فقال إن من حق اليهود في الحزب أن يقلقوا، لكن معالجة هذا القلق لا تكون إلا بالحضور.
"كانت إسرائيل حاضرا أساسيا خلال الحملة الانتخابية في ميشيغان"
لكن إسرائيل ظلت حاضرة في النقاش حتى النهاية. ففي أواخر أكتوبر/تشرين الأول، نشر الإعلامي التقدمي جنك أويغور إعلانا من إنتاج لجنة "ريبيليون" يظهر فيه زوجان في متجر يترددان في شراء البيض، فتقول المرأة إن عليهما أن يدّخرا سبعة دولارات "لقتل الفلسطينيين"، ثم يقول الراوي في الخلفية إن مايك روجرز يهتم بما يريده الإسرائيليون أكثر مما يريده الناخب الأمريكي، وإن عبد الرحمن السيد يهمّه المواطن في ميشيغان. شاهد الإعلان الملايين، ووصفه مؤيدو إسرائيل بأنه نموذج فج من معاداة السامية. كان الإعلان صورة كاريكاتيرية لحجة السيد نفسه، وهي أن إبادة غزة أصبحت بندًا في مصروفات دافع الضرائب الأمريكي. أما حملته فقالت إنها لا علاقة لها بالإعلان، لكنها لم تنتقده أو تُدنه.
يوم الانتخابات، أظهر استطلاع لصحيفة "فوروارد" اليهودية أن نحو 60% من الناخبين اليهود الذين صوّتوا مبكرا اختاروا عبد الرحمن السيد. ورأى موقع "جويش إنسايدر" في الاستطلاع نفسه "تآكلا كبيرا" في أصواته بين الناخبين اليهود حيث كان يُتوقع أن يصوت له نسبة أكبر من ذلك من بينهم.
دخل السيد الانتخابات العامة وآخر استطلاع قبل التمهيدية يضعه متأخرا عن روجرز بعشر نقاط. كان مايك روجرز وجها مألوفا لناخبي الولاية. فهو عميل سابق في مكتب التحقيقات الفدرالي، ورئيس سابق للجنة الاستخبارات في مجلس النواب، خسر سباق مجلس الشيوخ عام 2024 أمام الديمقراطية إليسا سلوتكين بنحو تسعة عشر ألف صوت فقط، لكنه عاد هذه المرة بتأييد ترمب.
لكن ذلك لم يكن كافيًا. بحلول أوائل أكتوبر/تشرين الأول، تجاوز الإنفاق المعلن في السباق 205 ملايين دولار. أعلنت الجماعات الجمهورية إنفاق أكثر من 59 مليونا لصالح روجرز، منها نحو 22 مليونا من صندوق قيادة مجلس الشيوخ، وأكثر من 13 مليونا من لجنة "لا عودة إلى الوراء" المنبثقة عن لجنة ترمب، وقرابة أربعة ملايين من لجنة إيلون ماسك. وأعلنت الجماعات المؤيدة للسيد جمعها 23 مليونا. لكن السيد كان يملك ما لا يملكه خصمه. فبين منتصف يوليو/تموز ونهاية سبتمبر/أيلول، جمع 30.7 مليون دولار، وهو أعلى مبلغ يجمعه مرشح في تاريخ ميشيغان في وقت قصير كهذا، جاء أكثر من ثلثه من متبرعين صغار. وللمقارنة، جمع روجرز في الفترة نفسها 9.7 ملايين.
أما أيباك، فقالت بعد الانتخابات التمهيدية إن أعضاءها "مصممون" على أن يرفض الناخبون السيد. لكن روجرز نفسه كان قد طلب في أغسطس/آب من رئيس مجلس إدارتها ألا تتدخل. ثم تراجع بعد أن انكشف ظهره.
في المناظرة الأولى، في 8 أكتوبر/تشرين الأول، قال إنه سيقبل المساعدة من أي أحد يريد مساعدته. وفي أقل من يوم، أرسلت لجنة "مشروع الديمقراطية المتحدة" منشورات بريدية إلى نحو 130 ألف ناخب يهودي تتهم السيد بمعاداة السامية بكلفة قاربت المئة ألف دولار. ثم نقلت "نيويورك تايمز" أن اللجنة المدافعة عن حكومة بنيامين نتنياهو خططت لتحويل ما يصل إلى تسعة ملايين دولار لدعم روجرز، في موعد لا يظهر فيه المبلغ في الإفصاحات قبل يوم التصويت.
وانقسمت صحيفتا ديترويت الكبريان. في 17 سبتمبر/أيلول، أيدت "ديترويت نيوز" روجرز. وبعد عشرة أيام أيدت "ديترويت فري برس" السيد، دون أن تجامله. وصفت مسيرته في الصحة العامة بأنها "مبهرة، لكنها مبتورة"، وقالت إنه قد يسارع إلى "إجابات مبسطة عن مشكلات معقدة". ثم ردت على من يصفونه بالمتطرف بأن في السباق متطرفا فعلا، هو "منكر نتائج الانتخابات" الرئاسية، في إشارة إلى روجرز.
لم تفارق السيد حدته طوال السباق. في أواخر أغسطس/آب، قال جيه دي فانس إن الشريعة الإسلامية كانت ستبدو غريبة على جده، فكتب السيد ساخرا يتساءل إن كان فانس يستطيع أخذ زوجته أوشا، ذات الأصول الهندية، معه في رحلة إلى الماضي للقاء جده. وقال إنه أراد أن يرد على من يقسم الأمريكيين بحسب أصولهم إلى من هو أكثر وطنية وأقل. وفي تجمع قرب ديترويت، طلب منه فانس أن يُبقي اسم زوجته "بعيدا عن فمه"، وقال إنها "أعلى من مستواه بكثير"، ووصفه بأنه "شرير جدا جدا". ثم عاد فانس إلى الولاية مرة بعد أخرى، حتى آخر أيام الحملة.
وفي المساء الأول من التصويت المبكر، 24 أكتوبر/تشرين الأول، امتلأت صالة الرياضة في مدرسة "كاس تك" الثانوية بديترويت. جاء باراك أوباما، الرجل الذي يحب السيد أن يقارن نفسه به، ليرد على إعلانات استهدفت الناخبين السود بانتقادات قديمة وجهها السيد إلى أوباما نفسه. قال أوباما إن لديه خلافات مماثلة مع زوجته، وتحدث عن الهجمات على المرشحين الديمقراطيين فقال "رأينا هذا الفيلم من قبل. كنت بطله". ثم مازح الحضور عن شهادة الميلاد الكاملة التي اضطر يوما إلى نشرها ليثبت أنه وُلد أمريكيا. ووقف السيد بعده ليقول إنه يحب أمريكا بما يكفي ليطالبها بأن تكون أمريكا لكل أبنائها، وتحدث عن ابنتيه اللتين يربيهما فيها.
للسيد ابنتان، إيمالي وسيرين، ويعيش مع أسرته في آن آربر. ويحرص السيد على ألا تظهر وجوههما في الصور التي ينشرها. أما سارة، التي عملت في قسم الطب النفسي بمستشفيات جامعة ميشيغان قبل أن تفتح عيادتها الخاصة، فلم تظهر في الحملة إلا قليلا. لا تملك حسابات نشطة على وسائل التواصل، ولم تُجرِ مقابلات. في أحد إعلانات الحملة، روت مضاعفات خطيرة مرت بها بعد ولادتها الأولى وهي طبيبة مقيمة، وكيف ضمنت لها نقابتها إجازة مرضية، وقالت إنك لا تدرك حاجتك إلى النقابة حتى تحتاج إليها. ولم تنجُ هي أيضا من الحملة عليه. في يوليو/تموز، ادعى موقع "واشنطن فري بيكن" اليميني أن عيادتها لا تقبل التأمين الصحي ولا برنامج "ميديكير"، فرأى خصومه في ذلك تناقضا مع دعوة زوجها إلى رعاية صحية حكومية للجميع.
"كانت الحرب على إيران تثقل الحملة كلها"
كانت الحرب على إيران تثقل الحملة كلها. فقد حمّلها أوباما مسؤولية ارتفاع الأسعار والدَّين، وقال 44% من الناخبين المرجح تصويتهم في استطلاع لمعهد "ماريست" في منتصف أكتوبر/تشرين الأول إن صوتهم موجه أساسا ضد ترمب. في ذلك الاستطلاع، تقدم السيد بنقطتين، 50% مقابل 48%. صار السباق متقاربا، بعد أن كان قبل ثلاثة أشهر محسوما في نظر كثيرين.
ثم جاءت ليلة 3 نوفمبر/تشرين الثاني. صوّت أكثر من 4.8 ملايين ناخب، وهو رقم قياسي لانتخابات التجديد النصفي في الولاية. ومالت المقاطعات الثلاث والثمانون كلها نحو الديمقراطيين مقارنة بعام 2024، بحسب تحليل لوكالة أسوشيتد برس. فاز السيد بفارق يقارب سبع نقاط، وفق النتائج غير الرسمية، متأخرا بنحو ثلاث نقاط عن جوسلين بنسون، المرشحة الديمقراطية لمنصب الحاكم.
وتروي الأرقام المحلية القصة كلها. في ديترويت حصل على نحو 92% من الأصوات. وفي أوكلاند، مقاطعة الضواحي التي نشأ فيها، حصل على 56%، أكثر مما حصلت عليه هاريس. أما ويست بلومفيلد، بلدة "معبد إسرائيل"، ففاز فيها بفارق 2240 صوتا.
وفي ديربورن، المدينة التي فاز بها ترمب بست نقاط عام 2024، فاز السيد بخمس وستين نقطة. وكان الإقبال فيها الأعلى في تاريخها.
في يناير/كانون الثاني المقبل، سيقف عبد الرحمن السيد في قاعة مجلس الشيوخ، ويرفع يده أمام جيه دي فانس، ليؤدي اليمين عضوا في أغلبية ديمقراطية استعادت المجلس في الليلة نفسها. قبل عشرين عاما، أدى كيث إليسون، أول مسلم يدخل الكونغرس، يمينه الرمزية على نسخة من القرآن كان يملكها توماس جيفرسون. أما السيد فسيدخل المجلس الذي لم يدخله مسلم قبله.
قال لريمنيك إن أمامه في المجلس مهمتين. الأولى أن يرمي أكبر قدر ممكن من العصيّ في تروس إدارة ترمب، وأن يستجوب، إن نال المقعد الذي يتمناه في لجنة الصحة والتعليم والعمل، رجالا مثل روبرت كينيدي الابن الذي قال في تجمع لروجرز قبل أيام من التصويت إن العرب لا ينتجون علما، وشركات الدواء، عن الأموال التي جنوها. والثانية أن يستعمل "المنصة الهائلة" التي منحه إياها متبرعو أيباك، كما قال ساخرا، ليغيّر الحديث في أمريكا عن المال والسياسة والرعاية الصحية.
قبل ذلك كله، سيبدأ الأمر بنداء الأسماء. في التصويت بالمناداة، يقرأ كاتب المجلس أسماء الأعضاء بأسماء عائلاتهم، ويسبقها بلقب "السيد" أو "السيدة". وحين يصل إلى اسمه، سيقرأ الكاتب، بلسان أمريكي، ما معناه "السيد السيد". لن يكون بإمكان الرئيس أن يناديه كما يشاء، ولن يتلعثم خصومه في نطق اسمه مجددا.
Loading ads...
الآن، سيخاطب الجمهوريون والديمقراطيون والرئيس ونائبه عبد الرحمن محمد السيد باسم العائلة نفسه الذي كان يحمله بائع الطماطم في سوق السمك بالإسكندرية. هذا الاسم الذي هزم وإدارته مرتين، مرة حين تمسك صاحبه به، والثانية حين صدقت نبوءته بأن يحمل لقب "سيناتور" حين يلج إلى ذلك المبنى الذي تعهد بمنعه من دخوله.

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


اقرأ أيضاً


مباشر: حرائق بناقلتي نفط وقاطرة بحرية في مضيق هرمز وكوريا الجنوبية ترسل فريقا لإبقاء الممر مفتوحا

مباشر: حرائق بناقلتي نفط وقاطرة بحرية في مضيق هرمز وكوريا الجنوبية ترسل فريقا لإبقاء الممر مفتوحا

فرانس 24

منذ ثانية واحدة

0
مباشر - فرنسا: إضراب ومظاهرات ضد غلاء المعيشة ووزير الداخلية يتوعد برد حازم على أي "تجاوزات"

مباشر - فرنسا: إضراب ومظاهرات ضد غلاء المعيشة ووزير الداخلية يتوعد برد حازم على أي "تجاوزات"

فرانس 24

منذ ثانية واحدة

0
الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

صحيفة الشرق الأوسط

منذ 3 دقائق

0
اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين

اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين

الجزيرة اقتصاد

منذ 3 دقائق

0