شهر واحد
حرب استنزاف.. لماذا تراجعت القوة الصاروخية الإيرانية خلال أربعة أيام؟
الخميس، 5 مارس 2026

تبدو المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أشبه بـ”حرب استنزاف” لمخزون الصواريخ الباليستية لدى الطرفين، فباتت لا تقاس الهزيمة بعدد الرؤوس الحربية المنفجرة وحدها، بل بوتيرة إطلاقها وقدرة الطرف على إدامة زخمه الناري.
وخلال أربعة أيام فقط من المواجهة العسكرية المفتوحة بين إيران والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت ملامح تحول جذري في ميزان القوى الصاروخي تتكشف، لتشير إلى التراجع غير المسبوق في قدرة طهران على إدارة معادلة الرشقات الكثيفة التي شكلت طوال سنوات ركيزة ردعها الاستراتيجي.
استهداف الرامي بدل السهام
منذ فجر السبت الماضي، تمكنت واشنطن وتل أبيب من تحويل ساحة المعركة من اختبار لقدرات الدفاع الجوي إلى حرب استنزاف عكسية، تدفع ثمنها البنية التحتية الصاروخية الإيرانية نفسها.
وتعتمد إستراتيجية التحالف على معادلة عسكرية باتت تُعرف باسم “استهداف الرامي بدلًا من السهام”، وهي المقاربة التي أعلن عنها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث صراحًة، مؤكدًا أنها تستند إلى معلومات استخبارية عالية الدقة تسمح بتتبع منصات الإطلاق لحظة تشغيلها.
وهنا يكمن السر في التراجع الملحوظ لقدرات إيران الهجومية، إذ كشفت شبكة “فوكس نيوز” عن آلية عسكرية – تقنية جديدة تحكم المعركة، مفادها أن أي عملية إطلاق لصاروخ باليستي تعني عمليًا كشف موقع المنصة فورًا.
وأوضحت الشبكة أن اللحظة التي تُشتعل فيها المحركات تطلق بصمة حرارية تلتقطها شبكة متكاملة من الأقمار الصناعية المزودة بمستشعرات الأشعة تحت الحمراء، ورادارات بعيدة المدى، وطائرات إنذار مبكر، لتتحول منصة الإطلاق خلال ثوانٍ إلى هدف محدد الإحداثيات للطائرات المقاتلة والمسيّرة ومنصات القصف الدقيق، وهو ما يفسر الانخفاض الحاد في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران يوميًا مقارنة بالأيام الأولى.
أرقام تكشف حجم الرشقات
كشفت بيانات جمعتها شركة “مينتل وورلد” المتخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة أن طهران أطلقت نحو 400 صاروخ باليستي وحوالي ألف طائرة مسيّرة باتجاه الإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، من دون احتساب الرشقات التي استهدفت إسرائيل.
في السياق رصد المحلل العسكري فابيان هوفمان تصاعدًا عدديًا في الهجمات على الإمارات وحدها من 165 صاروخًا قبل يومين إلى 174 ثم 186، إلا أنه استدرك محذرًا من أن هذا الارتفاع لا يعكس تصعيدًا نوعيًا، إذ أن متوسط الأهداف المصابة يوميًا لا يتجاوز عشرة أهداف، ما يدل على أن الكثافة النارية لا تزال محكومة بسقف عملياتي منخفض.
وأضاف خلال تدوينة له عبر منصة إكس أن إيران أطلقت منذ اندلاع المواجهة ما بين 600 و700 صاروخ باليستي، لكن هذه الأرقام تبقى أدنى من مستويات الاستخدام خلال “حرب الأيام الاثني عشر” سابقًا، حين كانت طهران قادرة على تنفيذ رشقات تتراوح بين 40 و50 صاروخًا دفعة واحدة.
هل فقدت طهران القدرة على التنسيق؟
رأى هوفمان أن طبيعة الصراع الراهن، بوصفه صراعًا وجوديًا من منظور النظام الإيراني، كانت تفترض لجوءًا أوسع وأكثر كثافة إلى الترسانة الباليستية، ولا سيما الصواريخ قصيرة المدى القابلة للاستخدام العملياتي السريع، غير أن تراجع وتيرة الإطلاق مقارنة بالذروة الأولى يوحي بأن القدرات الصاروخية ومنصات الإطلاق تعرضت لإضعاف ملموس.
وأضاف أن المخاوف المرتبطة بنقص مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى دول الخليج كانت مبررة في حال تمكنت إيران من الحفاظ على مستوى الشدة ذاته الذي شهدته الليلتان الأوليان، إلا أن هذا السيناريو لم يتحقق، وخلص إلى أنه، باستثناء البحرين ربما بحكم موقعها الجغرافي، لا تبدو أي دولة خليجية أخرى في وضع يبعث على قلق استثنائي في المرحلة الراهنة.
هذا التراجع العددي ليس سوى وجه واحد للعملة، بينما الوجه الآخر يتمثل في الاستنزاف الممنهج لمنصات الإطلاق ذاتها، فقد أكدت تقديرات إسرائيلية أن الغارات المشتركة دمرت حوالي 200 منصة إطلاق باليستي وعطلت العشرات بشكل كامل، ما يعني تحييد ما يقرب من 50 بالمئة من المنصات النشطة التي كانت تمتلكها إيران قبل الحرب.
كما تم تدمير موقع مركزي لإنتاج المتفجرات المستخدمة في الرؤوس الحربية، وأربعة منشآت رئيسية لخلط الوقود الصلب الخاص بمحركات الصواريخ الباليستية.
معضلة المخزون مقابل الكلفة
في تطور لافت، كشفت مصادر عسكرية أن طواقم الإطلاق الإيرانية باتت تفر من منصاتها بعد إطلاق صاروخ واحد فقط، خوفًا من التعرض للاستهداف من الطائرات المسيّرة التي تفرض سيادة جوية شبه كاملة فوق غرب إيران وطهران.
هذه الخسائر تضع إيران أمام معضلة استراتيجية مزدوجة، فمن ناحية، تخسر مخزونها من الصواريخ الباليستية الذي يُقدر بنحو 2500 صاروخ قبل الحرب، لكن الأخطر أنها تخسر القدرة على إطلاقها بشكل آمن.
ومن ناحية أخرى، تواجه إيران معضلة “اقتصاديات الحرب” حيث أن سعر الصاروخ الإيراني لا يكلف سوى جزء ضئيل من ثمن الصاروخ الاعتراضي الأميركي، إذ تتراوح كلفة صاروخ “باتريوت” الاعتراضي بين 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، في حين لا يتجاوز ثمن الطائرة المسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد” 20 ألف دولار، فيما تقدر كلفة الصاروخ الباليستي الإيراني بعشرات الآلاف فقط.
تبدو هذه المعادلة التي كانت تصب في صالح طهران خلال السنوات الماضية، أنها اليوم باتت أقل فعالية في ظل تدمير منصات الإطلاق نفسها، فالدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية، رغم كلفتها الباهظة، تمكنت خلال الأيام الأربعة الماضية من اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيّرات، بنسبة تجاوزت 95 بالمئة وفق التقديرات الإسرائيلية.
التحدِ الأكبر لـ”واشنطن” و”تل أبيب”
مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر بالنسبة لواشنطن وتل أبيب هو قدرتهما على الصمود في حرب الاستنزاف هذه، فالإنتاج السنوي المحدود من الصواريخ الاعتراضية، الذي لا يتجاوز 96 صاروخًا من طراز “ثاد” ونحو 600 صاروخ “PAC-3 MSE” المخصص لمنظومة “باتريوت”، يثير تساؤلات جدية حول قدرة التحالف على الحفاظ على وتيرة الاعتراض نفسها لأسابيع إضافية.
وقدرت تحليلات داخلية في قطر أن مخزونها من صواريخ باتريوت الاعتراضية قد لا يدوم سوى أربعة أيام فقط إذا استمرت الهجمات بالوتيرة نفسها، وهو ما يفسر الضغوط الخليجية غير المعلنة لوقف سريع للنزاع.
في المقابل، تواجه إيران معضلة أكثر تعقيدًا، فبالإضافة إلى تدمير نصف منصاتها المتحركة، فإنها تخشى على ما تبقى من ترسانتها المخبأة في “مدن الصواريخ” تحت الأرض التي حفرتها في أعماق الجبال على عمق يصل إلى 500 متر، وتجعل هذه التحصينات الهائلة من المستحيل تقريبًا تدمير المخزون الاستراتيجي بالكامل من الجو، حتى باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات التي تلقيها قاذفات “بي-2” الأميركية.
لكن المشكلة أن إخراج هذه الصواريخ من أنفاقها لإطلاقها يعرضها فورًا لخطر الاستهداف، وهو ما يفسر اعتماد إيران على وتيرة إطلاق متقطعة وغير مكثفة، في محاولة لإطالة أمد النزاع واستنزاف الدفاعات الجوية للخصوم تدريجيًا.
تآكل الردع الصاروخي
الخبير الفرنسي والباحث في مؤسسة البحث الاستراتيجي، إتيان ماركوز، يقدم قراءة مختلفة للوضع، فهو يرى أن تدني كثافة الرشقات الإيرانية يثير تساؤلات جوهرية بشأن احتفاظ إيران بمخزونها لإطالة أمد النزاع فعلًا، وما إذا كانت لم تعد قادرة على تنفيذ ضربات منسقة بسبب الخسائر الفادحة في منظومات الإطلاق والاتصال.
وأشار إلى أن من الملاحظ أن عددًا غير قليل من الصواريخ لا يزال ينجح في اختراق الدفاعات، ما قد يشير إلى أن هذه الدفاعات لم تعد محكمة أيضًا، وأن الإسرائيليين يدركون ضرورة الاقتصاد في استخدام صواريخهم الاعتراضية، مؤكدًا أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الخسائر الإيرانية أكبر بكثير من قدرتها على التعويض حاليًا، خاصة مع تدمير مصانع إنتاج الوقود الصلب والمتفجرات، ما يعني أن زمن إعادة الإنتاج قد يطول لأشهر إن لم يكن لسنوات.
ويبدو أن القيادة الإيرانية تدرك هذا التحول في ميزان القوى، وإن لم تعترف به رسميًا، حيث اكتفى المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي نيك بالقول إن بلاده “لن تنشر كل أسلحتها المتقدمة في الأيام الأولى”، في محاولة لتبرير التراجع النسبي في الردود.
Loading ads...
ولا تخفي هذه التصريحات حقيقة أن القدرة الصاروخية الإيرانية تلقت ضربة قاسية خلال أربعة أيام فقط، لتنذر بأن استمرار المعركة بهذه الوتيرة قد يؤدي إلى تحييد هذه القدرة بالكامل خلال أسبوع واحد فقط، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، تشمل احتمال تنفيذ عمليات برية محدودة لتأمين المنشآت الحساسة أو تدمير ما تبقى من الترسانة تحت الأرض.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





