7 أشهر
أول شتاء بعد التحرير.. سوريون يبدؤون من جديد في بيوتهم القديمة
الخميس، 6 نوفمبر 2025
عاد إبراهيم وحسين ومعاذ إلى بيت جدتهم في أحد أحياء ريف دمشق مع بداية أول صباحات الشتاء. فتحوا الباب فاستقبلهم دفء خفيف ممزوج برائحة الغبار. داخل الغرفة، كان السجاد القديم مفروشًا كما اعتادوا منذ طفولتهم. قالت الجدة جملتها المعتادة: "شلحو تيتة عالباب لاتوسخوا السجاد"، فأعادهم صوتها إلى زمن لم تكن فيه الأشياء معقدة.
ابتسم معاذ وقال: "يا الله يا تيتة فردتي السجاد! مو معقول قديش في دفا وحنية، ذكرتينا وقت كنا صغار." فردّت الجدة: "هي الأيام بردها متل السم، بس دفا البيوت بناسها يا تيتة، مو بالحجار ولا الحيطان."
لم يكن المشهد عن سجادٍ يُفرد أو مدفأة تُجهَّز، بل عن حياةٍ تعود ببطء إلى بيتٍ كان صامتًا، وها هو يتنفس من جديد. الدفء الذي ملأ الغرفة لم يأتِ من المدفأة، بل من اجتماع العائلة في غرفة واحدة، وذكريات مشتركة، وضحكات قديمة تعود لتصدح في المكان.
هذا المشهد البسيط في ريف دمشق يتكرر في بيوت كثيرة في سوريا، مع عودة سوريين من المنافي. فبعد سنوات الغياب، لم يعد البرد هو ما يؤرقهم، بل وحدة الغربة. أما دفء البيوت فبدأ يعود بسكانها، بجدران تنهض من صمتها لتقول للعائدين: "أهلاً برجعتكم".
في أول شتاء بعد سقوط النظام، يتحدّث السوريون عن "طعم الدفء" أكثر مما يتحدثون عن المازوت والكهرباء. يعودون إلى عادة تعليق الستائر الثقيلة، وفرش السجاد القديم، وتحضير الغلايات لأمسيات تدور حول الغربة، والفقد، والبلاد التي تغيرت. ففي غضون تسعة أشهر فقط، عاد (link is external)مليون سوري إلى بلادهم عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024.
حين يصبح الخراب أدفأ من الغربة
"بهالبيت ربينا وكبرنا، وهلق رجعت الذكريات، كأنها كانت بصندوق عجنب"، قال معاذ وهو يجلس مع أقاربه في صالون البيت الذي غادره منذ الطفولة. بدأوا يستذكرون خالهم الشهيد، فضجّت الغرفة بصمت ثقيل، ثم انفجرت الضحكات حين تذكّر أحدهم حادثة "قطرميز المربى" التي وقعت من يد عمتهم على السجادة، لتُجبرها الجدة على غسلها طوال الليل.
كانت الضحكات تعيد الحياة إلى غرفةٍ شاخت جدرانها، لكن بقي فيها دفا وحنان لم يغادرا.
ابنة معاذ، التي لم تعرف سوريا من قبل، جلست في حضنه، تسأله بدهشة: "بابا إنت كنت هيك بتعذّب وإنت صغير؟". ضحك وأجابها: "إي يا بابا، كنت هيك تمام". ضحكاتها اختلطت بدموع الجدة، التي قالت وهي تمسح وجهها: "بهالصالون وهالحيطان ربيوا أجيال. دفاكن هو اللي رجع عمر هالبيت."
خلف الجدران، ما تزال آثار الحرب واضحة. تصدّعات تنتظر من يرممها، كما تنتظر القلوب لقاء الأحبة. قالت الجدة وهي تنظر إلى الزوايا: "بهالبيت في دفا كبير، لا تتركوه." رد معاذ وهو يمسك يدها: "صدقيني يا تيتة، بكل الغربة ما في متل الدفا اللي بهالحيطان."
منظر للدمار والحطام مع عودة السوريين إلى منازلهم على الرغم من أن العديد من المباني غير صالحة للسكن تماما في داريا قرب دمشق، في 03 تشرين الأول/أكتوبر 2025. أ ف ب
بين البرادي والمونة.. دفء الطفولة يعود
رؤى، عادت إلى سوريا بعد سنوات من الغربة في كندا، لتستقر مع زوجها وأطفالها. مع اقتراب الشتاء، بدأت تجهيز بيت العائلة كما كانت تفعل أمها. فتحت مع أختها صناديق البرادي الثقيلة والسجاد الملفوف، لتفوح رائحة الذكريات القديمة.
توقفت رؤى عند إحدى الستائر، وقالت: "هدول البرادي ذكّروني بأمي، كانت تحبهم كتير وتخاف عليهم." دخل والدها محاولًا التخفيف عنهم، فقال ممازحًا: "لو بعرف، ما كنت خليت أختك تفرد الشتوي. خلينا نضل مصيّفين!"، فضحك الجميع، وعادت الدفء إلى اللحظة.
في الجهة الأخرى من البيت، كانت رائحة مربى التين تفوح، وأطفال رؤى يركضون في البيت. سأل أحدهم عن غرفة مغلقة، فأجابت: "هاي غرفة المونة يا حبيبي". فانهالت الضحكات حين تذكّر الكبار كيف كانوا يفتحونها خلسة لسرقة قمر الدين والفستق.
قالت رؤى لأختها: "فقدت روحي برا، رجعت ليعيشوا أولادي الذكريات والدفا. هناك ما في حنية، ولا أهل، ولا صوت ماما".
انقطعت الكهرباء فجأة، فنظرتا لبعضهما وسط العتمة. ضحكت أختها وقالت: "وهي ذكرى لتعرفي ما عم نحرمك شي".
البيت السوري.. ذاكرة لا تشيخ
مع اقتراب الشتاء الأول بعد سقوط النظام، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في سوريا، عنوانها "عودة الحياة". سجادة تُفرش، مدفأة تُنظف، ستارة تُعلق، وصوت طفل يركض في الممر.. كلها تفاصيل صغيرة لكنها تحمل معنى عميقاً لسوريين قرروا أن يبدؤوا من جديد.
العائدون لا يبحثون عن مأوى، بل عن رائحةٍ مألوفة، وحنينٍ محفوظ في حجارة البيت. يحاولون إعادة تعريف الوطن عبر البيوت التي حفظت أصواتهم وضحكاتهم، رغم الغبار والحرب.
"البيت مو بس مأوى.. هو هوية"، هكذا تختصر رؤى شعورها. ففي غرفتها، تحت بطانية مطوية، وبين فناجين القهوة، يعثر العائدون على شيء من أنفسهم.
Loading ads...
وبين رائحة "فناجين القهوة وكاسات المتة" تغمر المنازل ضحكات العائدين وهم يكتشفون من جديد دفء المنازل، ويتشكّل مشهد سوري جديد، مشهد لا يكتبه السياسيون ولا المهندسون، بل الناس أنفسهم بأيديهم التي تعيد ترتيب الأثاث، وبقلوبهم التي تحاول أن تُعيد دفئ ما تبقّى من الوطن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


