ساعة واحدة
باحثون يطورون واقياً شمسياً مستوحى من الأسماك باستخدام بكتيريا معدلة
الأحد، 17 مايو 2026

طور باحثون طريقة تجعل بكتيريا "الإشريكية القولونية" تنتج مركباً طبيعياً تستخدمه بعض الكائنات البحرية لمقاومة أضرار الأشعة فوق البنفسجية.
ومن المنتظر أن يفتح هذا الابتكار الباب أمام جيل جديد من مكونات واقيات الشمس، أكثر استدامة، وأقرب إلى النماذج البيولوجية التي طورتها الطبيعة عبر ملايين السنين.
وتدور الدراسة المنشورة في دورية Trends in Biotechnology حول مركب يعرف باسم "جادوسول" يوجد في بيض أنواع مختلفة من الأسماك وبعض الكائنات البحرية الأخرى.
ويساعد هذا المركب الكائنات على مواجهة التعرض القاسي لأشعة الشمس في المياه المفتوحة، حيث لا توجد مظلات ولا طبقات واقية سوى ما تنتجه أجسامها من جزيئات دفاعية طبيعية.
ويقول الباحثون إن السؤال الذي انطلق منه البحث يبدو بسيطا، وهو كيف تستطيع الأسماك والكائنات البحرية حماية نفسها من أشعة الشمس المستمرة، دون أن تتعرض لتلف واسع بفعل الأشعة فوق البنفسجية؟ والإجابة تكمن جزئياً في قدرتها على إنتاج مركبات طبيعية تمتص أو تخفف أثر هذه الأشعة، ومن بينها "جادوسول".
لكن تحويل هذا المركب إلى مكون قابل للاستخدام البشري ليس أمراً سهلاً، فوجوده في الطبيعة محدود، واستخراجه من مصادر بحرية ليس فعالاً بما يكفي، وقد يحمل تكلفة بيئية. لذلك، بدلاً من الاعتماد على جمعه من الكائنات البحرية، اتجه فريق البحث إلى تصنيع المركب داخل ميكروبات تعمل مثل "مصانع خلوية" صغيرة.
ووفقاً للباحث الرئيسي بينج تشانج من جامعة "جيانجنان" في الصين، فإن الهدف كان إيجاد طريقة قابلة للتوسع وأكثر مراعاة للبيئة لإنتاج "جادوسول" بدلاً من الاعتماد على استخلاصه من الطبيعة.
ويعكس هذا التوجه تحولاً أوسع في التكنولوجيا الحيوية، حيث تستخدم الكائنات الدقيقة لإنتاج مركبات ذات قيمة طبية أو صناعية أو غذائية، مع تقليل الضغط على المصادر الطبيعية.
اعتمد الفريق على بكتيريا الإشريكية القولونية، وهي من أكثر الكائنات الدقيقة استخداماً في المختبرات والصناعات الحيوية.
وقام الباحثون بإعادة بناء المسار الحيوي الذي يستخدمه سمك الزرد لإنتاج "جادوسول" داخل هذه البكتيريا، ثم أجروا تعديلات على جيناتها وظروف نموها لتحسين قدرتها على إنتاج المركب.
ويقول تشانج، إن النتيجة كانت لافتة من حيث الكمية، فقد ارتفع إنتاج "جادوسول" بنحو 93 مرة، من 45.2 ملليجرام لكل لتر إلى 4.2 جرام لكل لتر.
وأضاف أن هذا التحسن الكبير في العائد الإنتاجي يمثل خطوة مهمة، لأن أي تطبيق صناعي محتمل لمركب طبيعي يحتاج إلى طريقة إنتاج مستقرة، فعالة، وقابلة للتوسع.
ويرى تشانج أن الوصول إلى هذا المستوى من الإنتاج في المختبر مؤشر واعد، لأنه يشير إلى إمكانية تلبية الطلب المستقبلي على مكونات طبيعية لواقيات الشمس من خلال الإنتاج الميكروبي، بدلاً من الاستخراج المباشر من الكائنات البحرية.
لم يكتف الباحثون بإنتاج المركب، بل اختبروا أيضاً قدرته الأولية على الحماية من الأشعة فوق البنفسجية.
وأظهرت النتائج المبكرة أن "جادوسول" المنتج في المختبر يحمل وعوداً في هذا الاتجاه، ما يجعله مرشحاً محتملاً لاستخدامه مستقبلاً ضمن تركيبات واقيات الشمس أو منتجات العناية بالبشرة.
ولا تتوقف أهمية "جادوسول" عند امتصاص أو تخفيف أثر الأشعة فوق البنفسجية. فقد أظهرت التجارب أنه يمتلك نشاطاً مضاداً للأكسدة يمكن مقارنته بفيتامين سي، أي أنه قد يساعد على تحييد الجذور الحرة التي تتولد نتيجة التعرض للأشعة فوق البنفسجية، وتسبب تلفاً خلوياً.
وتضيف هذه الخاصية بعداً آخر إلى قيمته المحتملة. فواقيات الشمس لا تهدف فقط إلى منع حروق الجلد، بل إلى تقليل سلسلة من الأضرار البيولوجية التي قد تنتج عن التعرض للشمس، ومنها الإجهاد التأكسدي.
وإذا تمكن مركب واحد من الجمع بين الحماية من الأشعة فوق البنفسجية والنشاط المضاد للأكسدة، فقد يصبح جذاباً لصناعة مستحضرات الوقاية والعناية بالبشرة.
واستفاد الباحثون من هذه الخاصية المضادة للأكسدة في تطوير طريقة أسرع لاختيار السلالات البكتيرية الأعلى إنتاجاً للمركب، وفي اختبار يعتمد على تغير اللون، يتحول مؤشر كيميائي أرجواني إلى الأصفر عندما يقوم "جادوسول" بتحييد الجذور الحرة، ويسمح هذا التحول اللوني للباحثين بالتعرف بسرعة على السلالات البكتيرية التي تنتج كميات أكبر من المركب.
ويقول المؤلف المشارك روي روي شو، إن هذه الطريقة أكثر سهولة وكفاءة وأقل تكلفة مقارنة بالتحليلات الكيميائية التقليدية، وتكمن أهميتها في أنها لا تختبر المركب فحسب، بل تسرع أيضاً عملية تحسين إنتاجه داخل البكتيريا.
تأتي هذه الدراسة في وقت يتزايد فيه الاهتمام ببدائل لبعض مكونات واقيات الشمس التقليدية، فبعض هذه المكونات قد يسبب تهيجاً للبشرة الحساسة، أو يثير مخاوف بيئية تتعلق بتأثيره المحتمل في الكائنات البحرية، أو يعتمد في إنتاجه على مصادر بتروكيميائية. لذلك يبحث العلماء والشركات عن مركبات أكثر توافقاً مع الجلد والبيئة، دون التضحية بالفعالية.
ويبدو "جادوسول" مثيراً للاهتمام؛ لأنه مستوحى من آلية طبيعية تستخدمها كائنات بحرية بالفعل للحماية من الشمس. كما أن إنتاجه عبر مصانع ميكروبية قد يقلل الحاجة إلى استخلاصه من مصادر بحرية نادرة أو محدودة، وهو ما يمنح التقنية بعداً بيئياً وصناعياً في الوقت نفسه.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن المركب جاهز للاستخدام التجاري الفوري، كما أن الدراسة لم تقارن "جادوسول" مباشرة بواقيات الشمس التجارية، ولم تختبر سلامته على المدى الطويل، ولم تثبت بعد إمكانية تصنيعه على نطاق صناعي واسع بتكلفة مناسبة. كما أن أي استخدام في منتجات موجهة للبشرة سيحتاج إلى موافقات تنظيمية، واختبارات سلامة وفعالية أكثر تفصيلاً.
تشير النتائج إلى أن التكنولوجيا الحيوية قد تفتح طريقاً جديداً لإنتاج مركبات طبيعية يصعب الحصول عليها بكميات كافية من الطبيعة، وفي حالة "جادوسول" نجح الباحثون في نقل مسار إنتاج مركب بحري إلى بكتيريا شائعة الاستخدام، ثم رفعوا إنتاجه بدرجة كبيرة، وأظهروا أن له خصائص أولية في الحماية من الأشعة فوق البنفسجية ومقاومة الأكسدة.
Loading ads...
ويرى شو أن هذا العمل يوفر نقطة انطلاق نحو تطبيقات عملية، متوقعاً، بناء على التكنولوجيا الحالية، أن تبدأ بعض المنتجات في الظهور في السوق خلال عامين. لكن هذا التوقع يظل مرتبطاً بمدى نجاح الاختبارات اللاحقة في إثبات السلامة، والفعالية، والقدرة على التصنيع الواسع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




