6 أشهر
مبادرة "بذورنا جذورنا" تعيد إحياء التنوع الزراعي السوري بعد التحرير.. ما قصتها؟
الخميس، 13 نوفمبر 2025
في تقرير مطوّل نشرته مجلة New Lines Magazine الأميركية، تتبّعت المجلة رحلة فلاحين سوريين حملوا معهم بذور بلادهم عبر المنافي والسنوات القاسية، قبل أن يعيدوها إلى تربتها الأصلية بعد سقوط النظام. ويسلط التقرير الضوء على مبادرة "بذورنا جذورنا" التي تحوّلت خلال الحرب إلى مكتبة حية لحماية التنوع الزراعي السوري، وكيف تمكنت من جمع مئات الأصناف البلدية والحفاظ عليها من الاندثار، ثم إعادتها إلى سوريا بصمت وبأيدي الفلاحين أنفسهم.
وفيما يلي ينشر موقع تلفزيون سوريا الترجمة الحرفية الكاملة للتقرير
يقوم فلاح من ريف حلب يرتدي "الحطة"، أي القطعة القماشية البيضاء التي لفها بإحكام حول رأسه، بوضع البذور في أكواب بلاستيكية صغيرة تماماً كما يسكب المرء القهوة في فنجانه، وعلى كل كوب كتب بقلم أزرق أسماء معينة، منها ورد جوري، وهندباء، وكزبرة.
كل ذلك تم في غرفة علق على جدارها العلم السوري الجديد بنجومه الثلاث، والذي أصبح علماً للدولة بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول الماضي، لكونه يمثل الثورة التي انطلقت في عام 2011، وتلك الغرفة موجودة في بيت أقيم في قرية ريفية تعرف باسم الذيبة الواقعة شرقي مدينة سراقب بمحافظة إدلب.
أمسك شاب حفنة من التراب وهو يقول: "ما الذي ستطرحه هذه؟"
فسلمه الفلاح كيساً صغيراً، وقال: "تجد التعليمات هنا، فهي لا تحتاج لماء كثير، وهذا الكيس يكفي لزراعة دونم واحد أو أكثر".
في ذلك اليوم، شارك الفلاح في عملية تبادل البذار، ولكن هذه العملية لا تشمل أي نوع من البذار، بل فقط البذور التقليدية أو "البلدية" كما يسمونها، والتي تعرف علمياً بالأصناف التي يتم تلقيحها طبيعياً، أي تلك البذور المحلية الموروثة من تربة بلاد الشام، إذ بخلاف البذور المصنعة التي تعرف بالـ(هجينة)، أي تلك التي تصنع في المخابر لتنتج محصولاً وفيراً لمرة واحدة ومن بعدها تذبل وتموت، وتصبح مجدبة، وهذا ما يجعل الفلاح معتمداً على الشركات المصنعة لهذا البذار، فإن البذور البلدية تمثل سلالات حية، بحيث يمكن إعادة زراعتها وانتقائها في كل موسم، سواء في المنفى أو في التربة السورية، ويقوم بذلك الفلاحون الذين ظلوا في أراضيهم أو من زرعوا تلك البذار في كل مكان نزحوا إليه.
بداية (بذورنا جذورنا)
يصادف يوم 25 تشرين الأول آخر يوم من أيام الحصاد التي تمتد لأسبوع والتي تنظمها منظمة غير حكومية لبنانية تعرف باسم بذورنا جذورنا، وهكذا اجتمع الفلاحون من مختلف أنحاء سوريا في قرية الذيبة من أجل الحديث عن استقلالية الفلاحين في سوريا بعد الحرب، فكان ذلك أول اجتماع كبير للفلاحين على الأراضي السورية منذ بداية الحرب، ومثل ذلك بداية رمزية لعمل هذه المنظمة غير الحكومية داخل سوريا، بما أن الاجتماع ترأسه اثنان من أعضائها الذين عادوا من المنفى ليزرعوا بذورهم من جديد.
لم يكن هنالك أي شيء يضمن نجاة البذار من الانقراض خلال الحرب، ولهذا انتقلت من شخص لآخر بسرية في تحد للفناء.
من بين الحشد الذي اجتمع في قاعة صغيرة برزت شخصية معروفة ذات عينين خضراوين تعودان لذلك الإنسان الذي أسهم في عقد هذا الاجتماع، أما قصته فهي عابرة للحدود، تماماً كما حدث للبذور التي في يده.
يعتبر وليد اليوسف، 41 عاماً، أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية (بذورنا جذورنا) التي أنشئت في عام 2016 ببلدة سعدنايل في سهل البقاع اللبناني. رحل اليوسف عن سوريا في عام 2012، بعد بداية الحرب، وعلى مساحة هكتارين من الأرض، جمعت ورشة تدريبية على الزراعة البيئية باحثين ولاجئين سوريين وفلاحين لبنانيين وفرنسيين، وشجعتهم على إنتاج البذار البلدية وانتقائها، وإعادة إنتاجها من تربة بلاد الشام، ثم اختير اسم الجمعية غير الحكومية عبر تصويت تم برفع الأيدي، وذلك خلال اجتماع ضم ستين شخصاً تقريباً أتوا ليتحدثوا عن استقلال ذاتي للفلاحين.
الفلاح السوري وليد اليوسف
تتذكر الفرنسية لارا بو، 35 عاماً، والتي كانت من أوائل من شاركوا في تلك الجمعية تلك الأحداث، فتقول: "كان هنالك أشخاص يعرفون أساليب الزراعة ولكن لم يكن لديهم أرض، وهنالك من كان لديهم أرض ولكنهم لا يعرفون كيف يحيونها، ومن هنا بدأت القصة، ومع تطور الجبهات، نزحت العائلات من سوريا وانضمت إلينا في لبنان".
الوعد بالعودة
تحولت هذه الجمعية إلى ما يشبه المكتبة الحية التي تحوي أكثر من 300 صنفاً من حبوب القمح والخضار العتيقة والأعشاب الطبية والزهور، وخلال الحرب، جرى الاحتفاظ بنسخة احتياطية حية من التنوع الحيوي السوري في مكان آمن بلبنان، بعد أن تسبب كل من الحرب والنزوح في إتلاف تربتها الأصلية. ومن لبنان، عادت تلك الأصناف بكل هدوء إلى سوريا، إذ حملتها أيدي الفلاحين الذين قرروا إعادة الحياة للأراضي التي أفنتها الحرب.
بذور الهندباء والأقحوان الطبي والبازلاء المجففة بعد أن وضعت في أكياس بلاستيكية حتى توزع على الفلاحين خلال المهرجان الذي أقامته جمعية بذورنا جذورنا
قبل ثلاثة أسابيع، عبر وليد برفقة زوجته فضة، 27 عاماً، الحدود في رحلة الإياب إلى سوريا بعد عشر سنوات أمضياها مغتربين في لبنان، حيث وصلا برفقة أولادهما الخمسة ومعهم حقيبة تنبض بالحياة، إذ تحتوي على مظاريف ورقية، صنفاها بعناية وبداخل تلك المظاريف بذور من مختلف بقاع بلاد الشام.
كانت تلك البذور البلدية هي البذور نفسها التي زرعاها، وأكثراها وخزناها في لبنان منذ عام 2016، بعيداً عن التربة الخاصة بها، ثم أعادا كل تلك البذور إلى البلد. وقد فتش الجنود اللبنانيون تلك الأكياس، وأخذوا يضحكون عندما انسكبت محتوياتها فوق ملابس تلك العائلة.
سأل أحد الجنود: "ما كل هذا؟"
فرد وليد: "إنها بذور".
لم يدرك العسكر بأن ما هو موجود في تلك الأكياس الصغيرة أكثر من مجرد بذور، لكونها تحمل بين طياتها الوعد بالعودة.
بالنسبة لوليد، لم تكن العودة مسألة شخصية بل رمزية أيضاً، لكونها تمثل بداية التحرك لاستعادة الزراعة لاستقلاليتها في سوريا.
يخبرنا وليد بأن الأغلبية الساحقة من الفلاحين في مختلف بقاع العالم وليس في سوريا فحسب، يتعاملون مع البذور الهجينة، ويقول: "نريد أن نحيي الرابطة بين الفلاحين والبذور البلدية، أي تلك التي تولد من الأرض نفسها"، ويصف ذلك بالثورة التي تندلع بلا سلاح، والتي بدأت خلال فترة الحرب في الأماكن التي كانت محاصرة بسوريا.
توجهت العائلة إلى قرية الذيبة لحضور اجتماع الفلاحين، والتي تبعد بضعة كيلومترات عن قريتهم.
حتى الثامن من كانون الأول في العام المنصرم، أي يوم سقوط النظام البائد، بقيت الذيبة تخضع لسيطرة قوات الأسد، بعد أن انتزعتها من يد المعارضة في كانون الأول من عام 2019، إثر قتال ضار، انسحبت خلاله جماعات الثوار باتجاه إدلب، ما ضيق الخناق على الجبهة المحيطة بآخر جيب تبقى بيد الثوار.
على مدار أربع سنين، بقيت فضة في سوريا في حين حاول زوجها في لبنان أن يأتي بها، إلى أن التمّ شملهما في عام 2015، ومنذ عام 2016، صارا يعملان في الأرض معا ويزرعان فيها البذور البلدية. وقفت فضة بثوبها الطويل وحجابها الرقيق على مبعدة، يلفها غموض من نوع ما، بل قوة لم تفصح عن نفسها، إذ كانت كلما تحدث وليد ترسل له إشارة قلب بيديها، وكأن حالة الشوق بينهما لم تخفت أبداً.
فضة برفقة زوجها وليد في قرية الذيبة
يتابع وليد حديثه بحرقة فيقول: "بعد الحرب في العراق عام 2003، أتت المنظمات غير الحكومية بأكياس تحتوي على بذور صناعية، غريبة على التربة المحلية وعلى المناخ هنا، وقبل الحرب، كان هنالك نحو 1100 صنف من القمح في العراق، ولكن بعد الحرب، لم يبق سوى ثلاثين منها تقريباً، أي إنهم خسروا قسماً كبيراً من تراثهم".
من الجد إلى الولد
في أثناء حديث وليد، ارتفع صوت آخر في قاعة الاجتماع، فكان هذا الصوت مختلفاً في نبرته، إلا أنه أتى حاملاً القناعة نفسها.
فخلال اجتماع الطاولة المستديرة، وقف سلمان دقدوق المعروف باسم (كاسترو) وهو سوري أسس مزرعة تضامنية للاجئين في اليونان، وقال: "صحيح أن المنظمات غير الحكومية تساعدكم، لكنها تشلكم في أثناء مساعدتها لكم" فكرر من خلال كلامه ما دعا إليه وليد بالنسبة لاستقلالية العمل الزراعي.
عزت المحمد وهو يعمل في أرضه بقرية الذيبة
في أرجاء تلك القاعة، ترددت قصص النزوح والغربة، فقد عاش تجربة النزوح والفقد والعواقب المباشرة للحرب معظم المشاركين الذين بلغ عددهم 60 مشاركاً، ومن بينهم عزت المحمد، وهو فلاح رفض أن تموت بذوره، حتى عندما كان في المنفى، فحملها عبر الحدود، متنقلاً من منفى إلى منفى. وقد عقد ذلك الاجتماع في بيته.
يبلغ عزت من العمر 39 وتعود أصوله لقرية الذيبة، وقد رحل عن سوريا في عام 2016 متوجهاً إلى سعدنايل بلبنان، لكنه حمل معه واحدة من أنفس وأغلى ما يمتلكه، وهي حفنة من بذور قريته، وبعد سنة عمل فيها مع جمعية (بذورنا جذورنا)، عاد إلى سوريا، حيث عاش نازحاً بعفرين في الشمال السوري، وبقيت تلك البذور معه، بعد أن عمل على إكثارها في لبنان، وعنها يقول: "وصلتني من جدي، وستذهب لولدي".
وكغيره من الحاضرين، تحدث المحمد عن بذوره وكأنها أهله، إذ كان ولهه بها بادياً في حديثه عندما وصف الباذنجان بالألماس، وتحدث بعشق عن الفليفلة والملوخية البلدية.
في عفرين، استأجر عزت قطعة أرض صغيرة وبدأ بزراعة الأصناف البلدية التي حملها معه، وتحت الخيمة التي عاش فيها مع ستة أطفال، أمضى خمس سنوات وهو يكدح بكل صبر وأناة، لكنه يذكر كل ذلك ببساطة من دون أن يشتكي، وكأن الصبر والتحمل مرحلة من مراحل الزراعة، فيقول: "إن ذلك ما أنقذني"، وذلك لأن بقية الفلاحين الموجودين في المخيم اكتشفوا ما زرعه من خضراوات، فميزوا وفرتها ونكهتها، ثم صاروا يسألونه عن البذور، وعن ذلك يقول: "أعطيتهم بذوري، وهذا ما أبقاها حية".
حمل غيره من اللاجئين بذورهم معهم، إلا أن تلك البذور لم تنج مثل بذوره، لكونها لم تتأقلم مع المناخ في الغربة، أو لم تزرع من جديد طوال سنين.
يعقب المحمد على ذلك بقوله: "أعدت زراعة بذوري في لبنان، ولهذا لم تخسر قوتها، لأن البذور التي لا تعيد زراعتها تموت في نهاية الأمر، وبوسعك أن تحفظ البذور في مجمدة لمدة سنة أو سنتين، ولكن إن لم تعدها للتربة، فستفقد ذاكرتها".
في الأول من شباط من عام 2025، رأى عزت قريته من جديد أخيراً، بعد مرور ثماني سنوات من الغربة والنزوح، فكان أول شيء فعله عند عودته هو إعادة البذور التي حملها معه كل تلك السنين إلى تربتها، حيث زرع الفلفل ثلاثي الفروع، ذلك الصنف الذي اختفى من قريته خلال الحرب حسبما ذكر، إلى جانب زراعة البندورة التفاحية، وصنف من الفاصولياء يعرف باسم العين السودا نسبة إلى قرية في فلسطين.
يخبرنا هذا الرجل بأن قرية الذيبة تتمتع بنحو 50% من السيادة الغذائية، أي قدرة الناس على إنتاج وتوزيع الغذاء بأنفسهم، ولهذا فإن حلمه أن تصبح تلك القرية مستقلة تماماً على الصعيد الغذائي.
ينظر المحمد بعينيه البنيتين اللتين تتسمان بالصبر والهدوء وهو يسترجع أيام طفولته، فيتذكر أباه وهو يسقي الزرع عندما كان فتى صغيراً، ويقول: "كان أبي يقول لي على الدوام: حافظ على أرضك، وحافظ على بذورك، ولهذا أعتبر بذوري مثل أبنائي، وأعتني بها كثيراً، لأنها تطعمني مثلها مثل أهلي".
الخضراوات تجمع من فرقتهم السياسة
في عصر ذلك اليوم، تشارك جميع الحاضرين في ذلك الاجتماع بتناول وجبة مندي، حيث وضعت في بيت المحمد منضدة طويلة فرشت بغطاء بلاستيكي، ثم اتخذ كل حاضر مقعداً لنفسه، حاملاً معه حكايته، غير أن الجميع حكى القصة نفسها، أي قصة الأرض، بعد أن اجتمع الفلاحون من مختلف أنحاء سوريا، سواء أكانوا عرباً أم كرداً، دروزاً أم سنة، في قرية الذيبة، وهذا ما دفع علي شاطو، 27 عاماً، وهو فلاح كردي من شمال شرقي سوريا إلى القول: "السياسة تفرقنا، وسبق للحرب أن فرقتنا.. ولكن الخضار تجمعنا".
فلاحون مجتمعون في بيت عزت المحمد
امتدت تلك الأجواء الإيجابية خارج قاعة الاجتماع، إذ في الصباح، اجتمع نحو ستين طفلاً في ساحة مدرسة الذيبة ليزرعوا أشجار الزيتون وليركبوا مضخة ماء، ضمن احتفالية صغيرة على هامش الاجتماع، مثلت بداية أخرى لهذه المرحلة. هذا وتحتل القرية قلب تلك الفكرة المنادية باستقلالية الفلاحين، غير أن التحديات كبيرة، فمدرسة القرية التي يفترض بها أن تكون ركيزة لهذا المجتمع، لم يتبق منها سوى هيكل انهار نصفه، بعد أن تشققت جدرانها، وتداعت الألواح المخصصة للتعليم داخلها، ومع اقتراب الشتاء، ماتزال النوافذ بلا زجاج يحمي الأطفال من شر البرد، فقد دمر جزء من المبنى بسبب قصف الأسد في عام 2017، كما تضرر جامع القرية بسبب هذا القصف.
"هنا بلدي"
في 25 تشرين الثاني، أخذ الأطفال يصلحون جدران مدرسة القرية، فاستخدموا طلاء بنياً ليغطوا عبارة: "بشار قائدنا"، وهبت لمساعدتهم شفق هي وجارتها فطوم، إذ لدى شفق ثلاثة أولاد، تتراوح أعمارهم ما بين ثماني وعشرة سنوات واثنتي عشرة سنة، وعن ذلك تقول: "إننا نزرع البذور في مشروع زراعي مشترك، أي أننا نجمع الخبرات المعرفية من الجميع، بما أن جميعنا مارسنا الزراعة من أجل البقاء بطريقة أو بأخرى".
تعيش شفق على ما تنتجه حيواناتها وعلى ما تزرعه، مثل معظم عائلات تلك القرية التي يبلغ عددها نحو 400 عائلة، على الرغم من صعوبة تحديد العدد نظراً لنزوح بعضها بسبب الحرب ثم عودتهم إليها.
يرتدي أحمد البالغ من العمر بيجاما رياضية خضراء، وقد رسم على جبينه قلباً أحمر، ولبس بيده خاتماً، كما كتب على زنده بحبر أزرق فيما يشبه الوشم عبارة: "رضاك يا أمي"، وفي تلك العبارة ما يشبه أوشام أفراد العصابات، لكنها تعبر عن مشاعر كلها حنان ورقة، وإلى جانبه وقف ابن عمه بيهس، 9 أعوام، إذ منذ سقوط النظام، تركا حياة الخيام في لبنان وعادا إلى سوريا، وهذا ما جعل أحمد يصف الأمور بكلامه الطفولي قائلاً: "هنا أفضل، فهنا بلدي".
إلا أن ابن عمه لم يبد الثقة نفسها، فقد ولد في لبنان وأمضى حياته كلها هناك داخل أحد المخيمات، ولهذا يقول: "هناك كانوا يعطوننا في بعض الأحيان حقائب مدرسية جديدة أو سندويشات".
إلا أنهم يزرعون هنا بدلاً من أن ينتظروا عطاء الآخرين، فأملي التي تبلغ من العمر تسع سنين أخذت تساعدهم في زراعة شتلة زيتون بعد أخرى في باحة المدرسة.
في ذلك اليوم، وعلى الرغم من الدمار الذي حل بالمكان، ولد شيء ما في قرية الذيبة، إنه مشروع مشترك، وقد تعلم الأطفال من خلال زراعة الأشجار الإيمان بالمستقبل.
أصناف بذار معدة للتوزيع
بناء المستقبل "بذرة بذرة"
في أثناء زراعة الأطفال للمستقبل، عاد عجوز لجذور الذكريات، وهو مهندس زراعي اسمه أبو زهير وعمره 67 عاماً، وكان في السابق يتعامل بالبذور المستوردة من الولايات المتحدة في مطلع الألفية الثالثة، إلا أن صديقه المحمد، الذي يصفه بأنه عيونه، جعله يدرك بأنه "يستورد المرض إلى البلد" عبر جلب تلك البذور الأجنبية.
عندما قصف بيته في عام 2019، رحل أبو زهير برفقة عائلته من البلد مصاباً وخالي الوفاض، إذ ترك هناك بذوره وحقله وكل شيء، ونزح إلى إدلب، وبفضل جمعية (بذورنا جذورنا) تمكن من زراعة البذور البلدية من جديد بعد أن تم تهريبها من لبنان.
بين أصابعه، يطحن أبو زهير حفنة من نبات القراص المجفف ليرشها على مزروعاته، ويقول: "التربة مثل جهاز المناعة، إن جلبت لها بذوراً أجنبية من شركة باير الألمانية أو مونسانتو الأميركية، فإنك ستمرضها"، وعلى الرغم من أنه أصبح عجوزاً وخسر كل شيء، إلا أنه عاد لقريته، لأنه مايزال يؤمن بتعافي التربة السورية.
عندما حل المساء، انتهى الحديث من حيث بدأ، أي في حقول الذيبة. كان وليد وفضة اللذان عادا من لبنان في أرض صديقهما عزت المحمد، وهناك أخذت ابنتهما أريج البالغة من العمر تسعة أعوام تغني أمام مساكب الطماطم الصغيرة، فيما كانت الشمس تغرب خلفها. بيد أن صوتها لم يتهدج وهي تغني: "أخذوا أرضي، حبسوا أهلي، وقالوا بلدي صارت إلهم". تخبرنا أريج بأنها تحلم بأن تصبح طبيبة في المستقبل، وإلى جانبها، كانت أمها قد أعادت لتوها زراعة أولى الورود في البيت، بعد عشر سنوات من الغربة، إذ حتى قبل أن تطأ قدمها أرض بلدها، كانت فضة قد خططت لما ستفعله، وهو زراعة الحديقة بالنباتات الطبية والعطرية.
لم تثبط عزيمتهم رؤية بيتهم الذي تدمر نصفه، بل قرروا جميعاً إعادة بناء حياتهم، بذرة بذرة، وكأن كل بذرة من بذورهم حملت معها جزءاً صغيراً من قصة رجوعهم.
Loading ads...
المصدر: The New Lines Magazine(link is external)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


