لم تكن الحرب ولا إغلاق المضائق البحرية ولا تقلبات أسواق النفط هي التي كشفت سر القوة الصينية، بل كشفته شبكة كهرباء تمتد آلاف الكيلومترات، ومصانع تنتج ملايين البطاريات والألواح الشمسية، وسياسة بدأت قبل ربع قرن حين قررت بكين أن أمنها القومي لن يبقى رهينة تدفقات النفط.
وبينما كانت دول كثيرة تبحث عن موردين جدد للوقود، كانت الصين تعمل على تقليل حاجتها إليه من الأساس، عبر تحويل اقتصادها تدريجياً إلى اقتصاد يعتمد على الكهرباء المنتجة محلياً. وعندما هزت اضطرابات النفط أسواق الطاقة في العالم عام 2026، اتضح أن أكبر درع تمتلكه الصين لم يكن مخزونها النفطي فحسب، بل منظومة طاقة متكاملة بُنيت بصبر وعلى مدى سنوات طويلة.
أدت الاضطرابات التي شهدتها منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز لأسابيع خلال عام 2026 إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بصورة حادة، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً طالما تجاهلته الاقتصادات الكبرى: من يمتلك بالفعل منظومة طاقة قادرة على الصمود أمام الأزمات؟
ظاهرياً، بدت الصين من أكثر الدول عرضة للخطر، إذ يعتمد جزء كبير من وارداتها النفطية والغازية على المرور عبر مضيق هرمز. لكن الواقع جاء مختلفاً؛ فقد كان تأثير الأزمة على الاقتصاد الصيني محدوداً مقارنة بمعظم اقتصادات آسيا، وهو ما أثار اهتمام الخبراء حول الأسباب الحقيقية وراء هذه المرونة.
صحيح أن بكين تمتلك احتياطيات نفطية استراتيجية وتجارية ضخمة تكفي لأكثر من مئة يوم، كما نجحت خلال السنوات الماضية في تنويع مصادر وارداتها من روسيا وآسيا الوسطى ودول أخرى، إلا أن العامل الحاسم كان مختلفاً تماماً. فخلال العقد الأخير لم تعد الزيادة في الطلب على الطاقة تُلبّى عبر استيراد المزيد من النفط، بل عبر الكهرباء المنتجة داخل البلاد.
هذا التحول لم يكن قراراً طارئاً فرضته الأزمة، بل ثمرة استراتيجية طويلة المدى بدأت منذ مطلع الألفية. فقد عملت الصين على كهربة وسائل النقل تدريجياً، فاستبدلت ملايين السيارات العاملة بالوقود التقليدي بأخرى كهربائية، الأمر الذي خفض استهلاك النفط بما يزيد على مليون برميل يومياً. كما توسعت في كهربة الصناعات الثقيلة مثل الصلب والإسمنت والكيماويات، وهي قطاعات تعد من أكثر الصناعات استهلاكاً للطاقة وصعوبة في خفض الانبعاثات.
ولكي تنجح هذه الخطة، لم يكن يكفي إنتاج الكهرباء فقط، بل كان لا بد من إنشاء شبكة قادرة على نقلها بكفاءة عبر مسافات شاسعة. لذلك استثمرت بكين بكثافة في خطوط النقل فائقة الجهد، التي تنقل الكهرباء المولدة من مزارع الرياح والطاقة الشمسية في غرب البلاد إلى المراكز الصناعية والسكانية الضخمة على الساحل الشرقي، ما جعل الاعتماد على الطاقة المحلية يتزايد عاماً بعد آخر.
أمن الطاقة قبل المناخ
ورغم أن العالم ينظر اليوم إلى التحول نحو الطاقة النظيفة باعتباره استجابة لتغير المناخ، فإن الدافع الصيني كان مختلفاً في البداية. ففي أوائل العقد الأول من القرن الحالي، بدأت بكين تدرك أن اعتمادها المتزايد على النفط المستورد يمثل نقطة ضعف استراتيجية، خاصة مع مرور معظم الإمدادات عبر مضيق ملقا ومضيق هرمز، وهما ممران بحريان يمكن أن يتعرضا للإغلاق أو التوترات العسكرية.
في الوقت نفسه، كانت البلاد تواجه أزمة داخلية في قطاع الكهرباء، إذ لم تعد محطات التوليد وشبكات النقل قادرة على مواكبة النمو الصناعي الهائل، ما تسبب في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في عدد من المقاطعات الصناعية خلال عامي 2003 و2004.
هذه الضغوط دفعت الحكومة إلى اتخاذ سلسلة من القرارات التي ستصبح لاحقاً أساس التحول الحالي، مثل تطوير شبكة وطنية عملاقة لنقل الكهرباء، وإنشاء مؤسسات متخصصة لإدارة قطاع الطاقة، والتوسع في استغلال مصادر الطاقة المحلية بدلاً من الاعتماد المتزايد على النفط المستورد.
وبمرور الوقت، أصبحت الفكرة أكثر وضوحاً: إذا استطاعت الصين تشغيل النقل والصناعة بالكهرباء المنتجة محلياً، فإن اعتمادها على النفط المستورد سيتراجع تدريجياً، وبالتالي ستصبح أقل عرضة للضغوط الجيوسياسية.
عندما أصبح الهواء النظيف مطلباً شعبياً
لم يكن الأمن القومي وحده هو الدافع نحو التحول. ففي أواخر العقد الأول من الألفية، وصلت مستويات التلوث في المدن الصينية إلى مستويات غير مسبوقة، وبلغت الأزمة ذروتها خلال شتاء عام 2013 عندما غطى الضباب الدخاني الكثيف العاصمة بكين، فيما سجلت مستويات الجسيمات الدقيقة أرقاماً قياسية أثارت غضب الرأي العام.
أدركت القيادة الصينية أن المشكلة لم تعد بيئية فقط، بل أصبحت قضية تمس الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. لذلك أطلقت حملة واسعة لتحديث قطاع الطاقة، شملت إغلاق آلاف الغلايات الصناعية القديمة العاملة بالفحم داخل المدن، وتشديد معايير الانبعاثات على محطات الكهرباء، والتوسع في استخدام الكهرباء والغاز بديلاً عن الفحم في المناطق الحضرية.
وخلال أقل من عقد، انخفضت مستويات التلوث في المدن الصينية بصورة ملحوظة، وأصبح المواطن يلمس بنفسه الفرق في جودة الهواء، وهو ما منح سياسات التحول الطاقي دعماً شعبياً لم يكن قائماً عندما كانت تُطرح باعتبارها مجرد إجراءات لمواجهة تغير المناخ.
الأزمة المالية صنعت فرصة
جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتمنح الصين فرصة إضافية لتسريع خططها. ففي الوقت الذي اتجهت فيه دول عديدة إلى تقليص الإنفاق، أطلقت بكين حزمة تحفيز اقتصادي ضخمة تجاوزت أربعة تريليونات يوان، ولم يذهب الجزء الأكبر منها إلى العقارات فقط كما يُعتقد، بل خُصصت استثمارات هائلة لتوسيع شبكات الكهرباء، وإنشاء مشروعات الطاقة المتجددة، ودعم الصناعات التي أصبحت لاحقاً العمود الفقري لاقتصاد الطاقة النظيفة.
وساعدت هذه الاستثمارات على خفض تكاليف إنتاج الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات، بعدما ارتفع حجم الإنتاج بصورة غير مسبوقة، لتتحول الصين خلال سنوات قليلة إلى أكبر قاعدة صناعية في العالم لهذه التقنيات.
وبحلول منتصف العقد الماضي، لم تعد الصين مجرد مستهلك للطاقة النظيفة، بل أصبحت المنتج الأكبر لمعداتها، وهو ما منحها ميزة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد، ورسخ الأساس لمنظومة الطاقة التي أثبتت قدرتها على مواجهة صدمات عام 2026.
من بناء السوق إلى قيادة الصناعة
رغم أن تقنيات الطاقة النظيفة كانت موجودة منذ سنوات، فإنها لم تكن قادرة على المنافسة اقتصادياً في بداياتها. فتكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، وكذلك أسعار البطاريات والسيارات الكهربائية، كانت مرتفعة إلى درجة جعلت الطلب عليها محدوداً. لذلك أدركت بكين أن نجاح التحول لا يعتمد على تطوير التكنولوجيا فقط، بل على خلق سوق واسعة تستوعبها حتى تنخفض تكلفتها مع زيادة الإنتاج.
اعتمدت الحكومة الصينية مزيجاً من الحوافز والدعم والتنظيمات. ففي قطاع السيارات الكهربائية، أطلقت نظاماً يلزم شركات السيارات بإنتاج نسبة متزايدة من المركبات العاملة بالطاقة الجديدة، أو شراء أرصدة من الشركات التي تتجاوز المستهدفات. كما منحت المدن الكبرى، مثل بكين وشنغهاي، امتيازات كبيرة لمشتري السيارات الكهربائية، سواء عبر تسهيل الحصول على لوحات الترخيص أو إعفائهم من الرسوم المرتفعة، وهو ما شجع ملايين المستهلكين على التحول إلى المركبات الكهربائية.
وفي الوقت نفسه، توسعت شركات الكهرباء الحكومية في إنشاء مئات الآلاف من محطات الشحن في أنحاء البلاد، ما أزال واحدة من أكبر العقبات أمام انتشار السيارات الكهربائية، وهي القلق من نقص البنية التحتية اللازمة للشحن.
أما في قطاع الطاقة الشمسية، فقد ضمنت الحكومة شراء الكهرباء المنتجة بأسعار مشجعة، ما وفر للمستثمرين عائداً مستقراً خلال السنوات التي كانت فيها هذه التقنيات لا تزال مرتفعة التكلفة. كما ألزمت شركات الكهرباء بشراء إنتاج مزارع الرياح، الأمر الذي وفر طلباً مضموناً وسرّع توسع هذه الصناعة.
هذه السياسات لم تكن استثنائية كل على حدة، إذ طبقت دول أخرى إجراءات مشابهة، لكن ما ميّز التجربة الصينية هو تنفيذها في عدة قطاعات بالتوازي، وعلى نطاق غير مسبوق، ما خلق سوقاً داخلية هائلة دفعت الشركات إلى زيادة الإنتاج وخفض التكاليف بسرعة.
منافسة شرسة صنعت عمالقة الصناعة
أثمرت هذه السوق الضخمة عن ظهور شركات أصبحت اليوم من أبرز اللاعبين العالميين في قطاع الطاقة النظيفة. فقد تحولت شركات تصنيع البطاريات، مثل "CATL"، خلال سنوات قليلة إلى أكبر منتج لبطاريات الليثيوم في العالم، بينما نجحت "BYD" في بناء نموذج يجمع بين تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية، ما منحها ميزة تنافسية يصعب تقليدها.
لكن هذه النجاحات لم تكن نتيجة دعم حكومي فقط، بل أيضاً بسبب منافسة داخلية شديدة بين عشرات الشركات الصينية، حيث دفعت المنافسة الحادة إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار بصورة مستمرة، حتى أصبحت المنتجات الصينية الأكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
شبكة كهرباء بحجم قارة
ورغم أهمية المصانع، فإن الإنجاز الأكثر تعقيداً كان بناء شبكة كهرباء قادرة على استيعاب هذا التحول. فالصين تمتلك أكبر شبكة لنقل الكهرباء فائقة الجهد في العالم، وهي تقنية تسمح بنقل كميات هائلة من الطاقة عبر آلاف الكيلومترات مع خسائر محدودة للغاية.
هذه الشبكة تربط مناطق إنتاج الطاقة المتجددة في غرب وشمال البلاد بالمراكز الصناعية والسكانية في الشرق، ما يسمح باستغلال موارد الرياح والطاقة الشمسية أينما توفرت، دون أن يظل الاستهلاك مقيداً بالموقع الجغرافي لمحطات الإنتاج.
وفي بدايات التوسع في الطاقة المتجددة واجهت الصين مشكلة كبيرة تمثلت في إهدار جزء من الكهرباء المنتجة بسبب عدم قدرة الشبكة على استيعابها، لكن الاستثمار المستمر في خطوط النقل، إلى جانب تطوير أنظمة تشغيل الشبكات، أدى إلى خفض هذه الخسائر بصورة كبيرة، وجعل دمج الطاقة المتجددة أكثر كفاءة.
ولم يقتصر التحول على إنتاج الكهرباء، بل امتد إلى استخدامها في مختلف القطاعات. فقد أصبحت الصين تمتلك أكبر شبكة للقطارات الكهربائية عالية السرعة في العالم، كما توسعت شبكات المترو في عشرات المدن، وانتشرت مئات الملايين من الدراجات والدراجات النارية الكهربائية، ما قلل الاعتماد على الوقود التقليدي في الحياة اليومية.
هل بدأت الانبعاثات في الانخفاض؟
ورغم استمرار الصين في بناء محطات جديدة تعمل بالفحم، وهو ما أثار انتقادات واسعة، فإن بكين تؤكد أن هذه المحطات تؤدي دوراً احتياطياً لضمان استقرار إمدادات الكهرباء عند الحاجة، بينما يستمر التوسع السريع في مصادر الطاقة المتجددة.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن الانبعاثات الكربونية الصينية بدأت تدخل مرحلة مختلفة. فخلال السنوات الماضية كانت الانبعاثات تنخفض فقط عندما يتباطأ الاقتصاد، كما حدث أثناء جائحة كورونا أو فترات التراجع الصناعي، لكن المؤشرات الأخيرة توحي بأن الكهرباء النظيفة أصبحت تنمو بوتيرة أسرع من نمو الطلب على الطاقة، ما يسمح بخفض الانبعاثات حتى مع استمرار النمو الاقتصادي.
ومع ذلك، لا تزال الصورة غير محسومة، إذ يمكن لعوامل مثل تباطؤ الاستثمار في الطاقة المتجددة أو زيادة استهلاك الفحم في بعض الصناعات أن تعيد الانبعاثات إلى الارتفاع. لذلك يرى الخبراء أن الصين وصلت إلى مرحلة تمتلك فيها القدرة التقنية على خفض الانبعاثات، لكن استمرار هذا المسار سيظل رهناً بالسياسات الحكومية خلال السنوات المقبلة.
هل يمكن للعالم تكرار التجربة؟
الدرس الأهم في التجربة الصينية ليس أن على جميع الدول نسخ النموذج نفسه، فلكل دولة ظروفها الاقتصادية والسياسية المختلفة، كما أن قلة من الحكومات تمتلك القدرة على التخطيط لعقود طويلة، أو ضخ استثمارات هائلة، أو تنسيق السياسات بين المؤسسات والمقاطعات كما فعلت بكين.
لكن التجربة تثبت أن التحول في قطاع الطاقة لا يتحقق بالاعتماد على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، واستثمارات مستمرة، وسياسات واضحة تخلق سوقاً قادرة على استيعاب الابتكارات حتى تصبح منافسة اقتصادياً.
ولهذا اختارت دول مثل النرويج وكوستاريكا تشجيع السيارات الكهربائية عبر الإعفاءات الضريبية، بينما ركز الاتحاد الأوروبي على جذب الاستثمارات الصينية مقابل نقل التكنولوجيا، وتسعى الهند إلى بناء قاعدة صناعية محلية بالتعاون مع الموردين الصينيين، في حين تحاول البرازيل استقطاب مصانع الطاقة النظيفة بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
ورغم اختلاف المسارات، فإن الجميع يواجه الحقيقة نفسها: مستقبل الطاقة أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الكهرباء والتقنيات النظيفة، فيما أصبحت الصين اللاعب الأكثر حضوراً في سلاسل الإمداد العالمية لهذه الصناعات.
من قضية مناخ إلى قضية أمن قومي
لقد غيّرت أزمة الطاقة الأخيرة طريقة نظر العالم إلى التحول الطاقي. فبعدما كان يُقدَّم لعقود باعتباره ضرورة بيئية لمواجهة تغير المناخ، أصبح يُنظر إليه اليوم أيضاً باعتباره ركيزة للأمن القومي والاستقلال الاقتصادي.
فالدولة التي تستطيع إنتاج الجزء الأكبر من احتياجاتها من الكهرباء محلياً، وتملك شبكات حديثة ومصانع للبطاريات والألواح الشمسية والمعدات الكهربائية، ستكون أقل تعرضاً لاضطرابات أسواق النفط والغاز، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات الجيوسياسية.
ولم تكن الصين تخطط لمواجهة أزمة الخليج عندما بدأت رحلتها قبل ربع قرن، لكنها كانت تعالج مشكلات داخلية تتعلق بأمن الطاقة، وتلوث الهواء، والنمو الاقتصادي، وانتهى بها الأمر إلى بناء منظومة أثبتت قدرتها على الصمود في واحدة من أكبر صدمات الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
وهكذا، فإن القوة الحقيقية التي كشفتها أحداث عام 2026 لم تكن في حجم الاحتياطيات النفطية الصينية، ولا في تنوع مورديها، بل في امتلاكها منظومة متكاملة من الشبكات الكهربائية، والصناعة المحلية، والقدرات الهندسية، والتخطيط طويل الأجل. إنها منظومة لا تمنح الصين فقط مرونة أكبر أمام الأزمات، بل تضعها أيضاً في قلب التحول العالمي نحو اقتصاد يعتمد على الكهرباء أكثر مما يعتمد على الوقود الأحفوري، وهو التحول الذي يبدو اليوم أقرب إلى كونه خياراً استراتيجياً للأمن القومي، وليس مجرد استجابة لأزمة المناخ.
Loading ads...
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





