ساعة واحدة
بين علمانيّي إسرائيل ومتطرّفيها... هل تتمزّق الصهيونية؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

الانقسام الذي تشهده إسرائيل في هذه الأيام ليس وليد المرحلة الراهنة. جذوره تعود إلى السنوات الأولى التي أعقبت إعلان قيام الدولة عام 1948. حينها استطاع ديفيد بن غوريون أن يصل إلى حالة توافقية مع القوى السياسية بمنح التيار الديني الحريدي بعض الضمانات والإعفاءات من الخدمة في مؤسسات الدولة الناشئة. هذه الحالة التوافقية أصبحت جزءاً من آليات إدارة التوازنات في النظام السياسي القائم.
ومع التحولات الأمنية والاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية، عاد هذا الصراع إلى الواجهة مجدداً، خاصةً في قضايا الخدمة في المؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى التهديدات الأمنية التي تفرض تجنيد المزيد من الإسرائيليين للخدمة في الجيش، مما دفع التيارات العلمانية إلى الاحتجاج على هذا الوضع القائم.
نتيجةً لذلك، انتقل الانقسام من الشارع إلى الأحزاب ومؤسسات الدولة والكنيست.
في السياق التاريخي، لم يتشكل المجتمع الإسرائيلي وفقاً لحالة تطور طبيعية، بل من خلال تجميع اليهود من دول مختلفة.
هذا الأمر أدى إلى إنشاء مجتمع تنعدم فيه الروابط المشتركة من عادات وتقاليد وثقافة، مما عزّز مأسسة جذور الانقسام العميق بين مكوناته الإثنية والجذور التاريخية لتلك المكونات، إذ أصبح الانقسام والاختلاف سمةً أساسيةً من سمات المجتمع وقد انعكس بشكل واضح في الدولة والمؤسسات.
من جانب آخر، يرى الباحث في معهد السياسات والإستراتيجيا (IPS)، ليئور أكرمان، أنّ إسرائيل تقف عند مفترق طرق بالغ الخطورة، ويؤكد أنّ ثلاث قضايا تعمّق الانقسام الإسرائيلي الداخلي:
وبحسب أكرمان، فإنّ الانقسام لم يعُد مقتصراً على الخلاف الديني والعلماني، إنما تجاوز ذلك إلى قضايا جوهرية تتعلق بتوزيع الأعباء، وطبيعة النظام السياسي، واستقلال القضاء، ومستقبل الاقتصاد، ومكانة إسرائيل في الساحة الدولية.
تشير معطيات أوردها تقرير معهد السياسات اليهودية (JPPI)، إلى أنّ الفجوات والانقسامات في المجتمع الإسرائيلي اتسعت في السنوات الأخيرة، خاصةً بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، عدّ 55% من الإسرائيليين أنّ الاستقطاب الداخلي يشكّل التهديد الأخطر الذي تواجهه البلاد، فيما أعرب نحو ستة من كل عشرة إسرائيليين عن اعتقادهم بوجود خطر حقيقي لاندلاع مواجهات عنيفة داخلية قد تتطور إلى حرب أهلية.
وبيّن التقرير أنّ نحو نصف الإسرائيليين العلمانيين لا يرون أنّ إسرائيل تمثّل المكان الأكثر أماناً واستقراراً والأنسب للحياة للجيل القادم. وفي ما يتعلق بالخدمة العسكرية، كشف أنّ نحو 80% من الإسرائيليين يؤيدون مبدأ المساواة في تحمّل أعباء الخدمة العسكرية الإلزامية، في مقابل معارضة 79% من الحريديم للتجنيد.
يصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، أسعد غانم، في حديثه إلى رصيف22، المجتمع الإسرائيلي بأنه مجتمع يشهد انقساماً مركباً بين مجموعات غير متجانسة، سمّاها الرئيس الإسرائيلي السابق روفين ريفلين "شفتيم"، أي القبائل الأربعة (العرب والمتديّنين والشرقيين والعلمانيين)، لذا الانقسام صفة ملازمة للمجتمع الإسرائيلي.
ويضيف البروفيسور غانم: "في ظلّ تعاظم قوة المتديّنين والشرقيين بالتزامن مع استمرار الخلاف حول الخدمة المدنية أو العسكرية وعدم القيام بواجباتهم، يتعمّق الانقسام في ظلّ المؤشرات الديمغرافية التي تشير إلى أنّ هذا المعسكر سوف يزداد ويصبح الأكثرية في المجتمع اليهودي خلال 20-30 سنةً، وهذا طبعاً يغيّر الحالة الديمغرافية ويغيّر إسرائيل بأكملها".
ولا يوجد تفسير منطقي، بالنسبة لغانم، لعدم أداء اليهود المتدينين الخدمة في الجيش، لأنّ هذه الحالة التي وافق عليها بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي أصبحت حالةً دائمةً، وهذا يؤدي إلى تغييرات في المجال العام في تقسيم القوامة وتقسيم الموارد، ولذلك نحن أمام حالة متأزمة ومتراكمة في المجتمع الإسرائيلي.
يؤكد الخبير في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت، في حديثه إلى رصيف22، أنّ هذا الانقسام الداخلي تعمّق بعد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واشتعال عدد من الجبهات في آن واحد، مما فرض ضغوطاً كبيرةً على المؤسسة العسكرية حيث برزت الحاجة الماسة إلى التجنيد.
ومحاولات تغيير قيادات المؤسسة الأمنية والجهاز القضائي، استمراراً لخطة الانقلاب القضائي، ترمي وفق شلحت، إلى الهروب من المحاسبة وتحمّل المسؤولية عن إخفاقات ما قبل الهجوم المذكور.
ويضيف: "القضايا تكشف حجم الصراع الداخلي في إسرائيل. الدين والدولة والخدمة العسكرية والقضاء ومستقبل النظام السياسي تكشف حجم هذا الصراع السياسي. وبطبيعة الحال فإنّ الجدل في كل هذه القضايا مرتبط بالأساس بمستقبل النظام السياسي".
بالنسبة لشلحت، أطراف الائتلاف الحكومي الحالي، تسعى إلى إخضاع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية بعد أن نجحت في إخضاع السلطة التشريعية، وذلك بغية النأي بهما عن دورهما الرئيسي وهو سيادة القانون.
برغم الانقسام الداخلي العميق في المجتمع الإسرائيلي، والكلام لشلحت، هناك حالة من الإجماع ضد الفلسطينيين، وهذا الإجماع ساد منذ الانتفاضة الثانية وصار إلى رسوخ بعد طوفان الأقصى. والفارق بين ما تتطلع إليه الحكومة الحالية وما تتطلع إليه معظم الأحزاب المعارضة لها فارق غير جوهري، بالرغم من كونه مهماً ولا سيّما في ما يتعلق بسياسات الاستيطان والضمّ في أراضي الـ67 وخطط التهجير.
يتفق غانم مع هذا التقدير موضحاً أنّ المجتمع الإسرائيلي يتّحد كقبيلة واحدة عندما يتعلق الأمر بالصراع مع الفلسطينيين، مما يؤكد أنّه برغم سريان المواطنة فيه هناك خلافات داخلية عميقة تعكس طبيعته القبلية كونه مجتمعاً ذا نشأة غير طبيعية تشكّل من هجرات ومجموعات متنوعة ذات مصالح وخلفيات متباينة.
ويشير غانم إلى أنّ التباينات في المجتمع الإسرائيلي ترتبط بالمسألة الثقافية والمصالح الاقتصادية، فالجزء الأكبر يريد ثقافةً غربيةً أمريكيةً ليبراليةً أوروبية. المتديّنون يريدون ثقافةً من نوع آخر، ولذلك هناك خلاف حول قضايا جوهرية وهذا يعمق الحالة الإسرائيلية داخلياً. لكن عند الحديث عن الفلسطينيين، تتحول كل المجموعة اليهودية إلى قبيلة واحدة تتصرف وكأنها تريد الانتقام من الفلسطينيين لأنهم يقاومون السياسات الإسرائيلية العنصرية.
في موازاة هذه الانقسامات، يبرز صعود التيار الديني المتطرف. وفقاً للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، فإنّ التيار الصهيوني الديني القومي يمثّل ما بين 13% إلى 14% من مجمل السكان في إسرائيل، وتصل نسبة التكاثر الطبيعي لديهم إلى حدود 3.1%. أما المتديّنون (الحريديم)، فتصل إلى 4%، والعرب 2.5%، بينما لدى العلمانيين لا تتعدى 1.5%، علماً أنّ معدل التكاثر العام في إسرائيل يبلغ 2%.
عمل هذا التيار على إيجاد خطوط التلاقي مع التيار العلماني والتعايش معه، وفي الوقت ذاته اتسمت علاقته مع الديني الحريدي بالتصادم حتى وصلت إلى تكفير الحريديم للتيار الديني القومي. ويرتبط تاريخ هذا التيار سياسياً بحركة "كاخ" العنصرية التي أسسها الحاخام مائير كاهانا، ومن هذا التيار خرجت الشخصيات الأكثر تطرفاً وفاشيةً في المجتمع الإسرائيلي.
في ظلّ ازدياد العنف والإرهاب اليهودي الفردي والمنظم في الضفة الغربية والاعتداءات اليومية التي يقوم بها المستوطنون الذين ينتمون إلى الفكر الكهاني بتجلياته الجديدة في حزبَي الصهيونية الدينية والعظمة اليهودية، تعود إلى الأذهان مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف.
حينها، أقدم المتطرف باروخ غولدشتاين في 25 شباط/ فبراير 1994، على ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي التي راح ضحيتها ثلاثون فلسطينياً. عمل التيار القومي الذي ينتمي إليه على جعل قبره مزاراً، لكن المحكمة الإسرائيلية العليا أصدرت أمراً بهدم ما بُني على قبره لمنع تحوّله إلى مزار للمتطرفين، حيث كان غولدشتاين عضواً في حركة "كاخ" وعضواً في المجلس البلدي لمستوطنة كريات أربع القريبة من الخليل.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من تلك المجزرة المروّعة، عاد خطر الإرهاب اليهودي الفردي والمنظم إلى الواجهة من جديد، وفقاً لما كشفه موقع I24 NEWS عن خلية يقودها أستاذ الرياضيات في جامعة بار إيلان، شاحر نيفو، ليحمل دلالات سياسيةً وأمنيةً واجتماعيةً خطيرة. إذ عمل نيفو على هذا المخطط لأكثر من ثلاث سنوات، وكان يستهدف قتل أعداد كبيرة من المدنيين بما يقود إلى نزوح وتهجير قسري للفلسطينيين من مناطقهم واشتمل المخطط على محاولة بناء 12 خليّة.
يطرح ما سبق سؤالاً أمنياً وسياسياً بشأن احتمال وجود خلايا أخرى غير مكتشفة يمكن أن تقود إلى انتقال العنف من حوادث منفردة إلى موجة منسقة ومنظمة. وهذا يعود إلى توافر بيئة حاضنة للتطرف والكراهية تدعمها وتغذّيها شخصيات ومؤسسات سياسية نافذة في الدولة. وقد تمّ الكشف عن محاولة استقطاب شخصيات سياسية، بينهم المتطرّف موشيه فايغلين، مما يثير تساؤلات حول تعامل الجهات المختصة مع القضية ومراحل تطورها، وكذلك حول عدم إبلاغ فايغلين الجهات المختصة بعد رفضه المقترحات التي طرحت عليه، برغم كونه مرشحاً للكنيست القادم.
يرى شلحت أنّ المجتمع الإسرائيلي شهد تحوّلاً بعد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تمثّل في اتساع حدود الشرعية لاستخدام العنف ضد الفلسطينيين وأملاكهم، بحيث بات استخدام العنف الذي كان يُخفى في الماضي علنياً، وأصبح مصدر فخر لمرتكبيه.
في ضوء ذلك، لم تعُد للوقائع بحد ذاتها القيمة التي كانت لها في السابق. فما كان خفيّاً أصبح سياسةً مُعلنةً وأصبحت الجرائم التي يرتكبها المستوطنون تحظى بضوء أخضر من المؤسسة السياسية الأمنية وبتأييد الرأي العام في إسرائيل.
ويضيف أنّ القضية لا ترتبط بشخص يحمل أفكاراً متطرفةً، بل باللحظة التاريخية التي تتحول فيها تلك الأيديولوجيا والأفكار من خطاب إلى خطة عملية للتنفيذ، والكشف عن هذا المخطط الذي يجمع ما بين القتل والتدمير والتهجير الجماعي للفلسطينيين من الضفة الغربية وأراضي الـ48.
هذا المخطط يشكّل تجليّاً واضحاً للفكر الكهاني لحركة "كاخ" المحظورة وفق القانون الإسرائيلي. ولكن اليوم توجد أجسام سياسية في الكنيست مرتبطة مباشرةً بهذا الفكر الكهاني، مثل حزب "عوتسما يهوديت"، بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب الصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش، حيث تنطلق أيديولوجيا تلك الأحزاب من فكرة الطرد الجماعي للفلسطينيين من وطنهم.
يرى شلحت أنّ القضية تعكس تياراً باطنياً إسرائيلياً يحاول أن يستخدم تحوّلاً طرأ على سلوك إسرائيل حيال الفلسطينيين تأدّى عنه شرعنة العنف ضد الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، على نحو علني، والتباهي بذلك من دون أن يحاسب أصحاب هذه النزعة على فعلتهم.
من جهته، يرى غانم أنّ المخطط تتويج لحالة العنف الإسرائيلي الذي يتمثل بأشكال مختلفة تبدأ بالتمييز وصولاً إلى حالات محو الفلسطينيين سواء في غزة أو التطهير العرقي في الضفة الغربية وفي النقب والجليل.
Loading ads...
أما الخطر الأكبر، وفق غانم، فيكمن في قناعة من يرتكبون تلك الاعتداءات بأنّ لديهم شرعيةً لاتخاذ خطوات عنيفة ضد المواطنين العرب، وبالنسبة لهؤلاء لا يوجد فرق بين فلسطيني في الضفة أو في الـ48، فالحالة الإسرائيلية حالة عنيفة وتنتج مثل هذه الحالات بشكل اعتيادي لا استثنائياً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





