ساعة واحدة
"أربع عملات في محفظة واحدة".. سكان إدلب في مواجهة التعقيد النقدي
الجمعة، 1 مايو 2026
يواجه السكان في محافظة إدلب تعقيدات يومية يفرضها تعدد العملات المستعملة ضمن التداولات اليومية في الأسواق المحلية، في وقتٍ تحضر فيه التساؤلات حول إمكانية اعتماد الليرة السورية بوصفها العملة الوطنية للبلاد، لحساب الاستغناء عن باقي العملات التي بدا استخدامها بشكل مزدوج يحدث حالةً من الارتباك والتشتت بين الأهالي.
وفي السنة الأولى بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، حلّت الليرة السورية "ضيفاً" على الأسواق المحلية في إدلب مع بدء توافد السوريين من باقي المحافظات، إلى جانب استخدام سكان المحافظة العملة السورية في باقي المناطق السورية والعودة بها، بعد أن جرى حظر استخدامها لأكثر من 5 سنوات.
لكن مع تعميم الخامس عشر من كانون الأول 2025، وما تبعه من إصدار للعملة الجديدة، بدأت تشهد الليرة انتشاراً محدوداً في المحافظة، لكن ما تزال الليرة التركية تشكل العماد الرئيسي لغالب المداولات اليومية بين الأهالي.
تعميم محافظة إدلب الموجّه إلى جميع المؤسسات والجهات العامة، يلزم بالتعامل بالليرة السورية لإجراء جميع المعاملات المالية والإدارية، ويشمل المديريات والمؤسسات الحكومية، وشركات القطاعين العام والخاص، والمعامل، والأفران، والمصارف، ومحطات الوقود، ومكاتب الصرافة، ومجالس الوحدات الإدارية (المدن والبلدات والبلديات)، ساهم في تسجيل حضور لافت للعملة السورية، إلا أنها ما زالت خيار بديل أمام باقي العملات الأجنية.
ومنذ بدء تطبيق التعميم، أصبحت العملات الأربع ـ الدولار الأميركي والليرة التركية والليرة السورية بشقيها القديم والجديد ـ في متناول الأهالي وسط حالةٍ من التشتت والتعقيد النقدي الذي يفرضه عدم استقرار سعر الصرف، إلى جانب عدم الرغبة في استخدام العملة القديمة مع توفر متواضع للعملة الجديدة، وسط تساؤلات حول مستقبل التعامل بالليرة التركية وخيارات سحبها من الأسواق المحلية وتأثير ذلك على العملة الوطنية واستقرار الأسواق.
في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي يعيشه السوريون في إدلب، روى فيصل النجم، وهو مهجّر يقيم في الشمال السوري ومن أبناء مدينة خان شيخون، معاناته اليومية مع تعدد العملات، مشيراً إلى أن الأوضاع كانت مستقرة نسبياً في السابق عندما كان التعامل يقتصر على عملتين فقط هما التركي والدولار.
لكن الأمور تغيرت - بحسب النجم - مع عودة العملة السورية إلى التداول، ليدخل الأهالي في حالة ارتباك كبير، خاصة أن التعامل بالليرة السورية أصبح منقسماً إلى قديم وجديد.
وأوضح النجم لموقع تلفزيون سوريا أنه بسبب تنقله المستمر بين الشمال ومنطقته الأصلية خان شيخون، أصبح مضطراً لحمل أربع عملات معه هي "الدولار، والليرة التركية، والليرة السورية القديمة، والليرة السورية الجديدة"، نتيجة التضارب الكبير في أسعار السلع وأسعار الصرف.
وأضاف أن المشكلة الأكبر تكمن في الرواتب، حيث يقبضون بالليرة السورية بينما معظم مشترياتهم في إدلب تكون بالليرة التركية، مما يترك المجال للتاجر لتحويل السعر بين العملتين وفق ما يراه مناسباً، مؤكداً أنهم يتعرضون مراراً لخسائر عند شراء سلعة مسعّرة بالتركي والدفع بالسوري، ليكتشفوا لاحقاً أنهم دفعوا أكثر من السعر الحقيقي.
واختتم النجم حديثه بمناشدة الجهات المعنية سحب العملة السورية القديمة بالكامل من السوق، ووقف التعامل بالليرة التركية، والاكتفاء بعملة واحدة فقط، لتمكينهم من تدبير شؤونهم اليومية.
وفي هذا السياق، من الجدير ذكره أن موقع تلفزيون سوريا وجه أسئلة إلى محافظة إدلب ومصرف سوريا المركزي، تضمنت الاستفسار عن وجود خطة لسحب العملة التركية من الأسواق، أو إعادة تنظيم السوق النقدي في المحافظة، إلى جانب التدابير المتوقع اتخاذها لضبط الأسواق، وجاء الرد من الجهتين برفض التعليق على أي من هذه الأسئلة.
ولا تبدو المعاناة باتجاه واحد، إنما أيضاً الباعة يواجهون ذات المشكلة في التعامل مع الزبائن، وهو ما يشير إليه سامر العمر ـ صاحب بقالية في بلدة حزانو بريف إدلب الشمالي ـ معتبراً أن عرض عملات متعددة من الزبائن بشكل يومي على مدار الساعة يتطلب عمليات حسابية مكثّفة، تبدأ من عملة التسعير التي غالباً ما تكون بالدولار نظراً لعدم استقرار سعر صرف العملات الأخرى.
وأضاف العمر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن التعامل يتركز غالباً على تحويل الدولار إلى الليرة التركية، لكن بعض الزبائن يفاجئونهم بحمل الليرة السورية بأنواعها (القديمة والجديدة)، وكل نوع يتطلب عملية حسابية مختلفة.
واعتبر العمر أن الحل الأنسب يتمثل في سحب جميع العملات المتداولة والاعتماد على العملة السورية الجديدة فقط، مشيراً إلى أنها "نظيفة وحديثة"، على عكس الليرة التركية التي أصبحت "مهترئة ومتعبة جداً"، وكذلك الليرة السورية القديمة التي تتطلب حجماً كبيراً من المال لا تتسع له الأدراج.
من جانبها، تحدثت الباحثة في اقتصاديات التنمية، نجاح عبد الحليم، عن معاناة الأهالي في الشمال السوري جراء تعدد العملات، موضحة أن حالة التشتت التي يعيشونها لا تعبّر عن خيار اقتصادي بقدر ما تعكس آلية تكيّف مع غياب الاستقرار النقدي.
وأشارت في حديثٍ لموقع تلفزيون سوريا إلى أن الخيارات المتاحة أمام الأهالي تظل محدودة، وتتركز على تقليل الخسائر من خلال اعتماد التسعير المزدوج بين الليرة التركية والسورية، أو الاحتفاظ بالمدخرات بعملة أكثر استقراراً مع استخدام الليرة السورية في التداولات اليومية فقط، معتبرة أن هذا السلوك هو محاولة لإدارة المخاطر في بيئة تتسم بتقلبات حادة.
وحول إمكانية التخلي عن العملة التركية، قالت عبد الحليم إنه رغم صدور تعميم في كانون الأول 2025 يقضي بحصر التعامل بالليرة السورية، إلا أن التخلي السريع عن الليرة التركية لا يبدو واقعياً، لأنها أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية اليومية في الرواتب والتسعير والمبادلات التجارية.
وشددت على أن أي تخلي عنها يحتاج إلى انتقال تدريجي، يقوم على توسيع استخدام الليرة السورية مع الإبقاء على التسعير المزدوج خلال مرحلة انتقالية، وتأمين سيولة كافية، وبناء حد أدنى من الثقة باستقرار العملة الوطنية، لافتة إلى أن استمرار التداول بالليرة التركية مقابل توسع التسعير بالليرتين يعكس أن السوق لم ينتقل بعد من القرار إلى التطبيق الكامل.
أما عن تأثير تعدد العملات، فأكدت الباحثة أن ذلك يضعف موقع العملة الوطنية، لأنه يقلل الطلب عليها ويحد من قدرتها على أداء وظائفها الأساسية كأداة ادخار ومرجعية للتسعير. وفي المقابل، يفرض هذا التعدد أعباء إضافية على الأهالي، مثل ارتفاع تكاليف المعاملات، والتعرض لخسائر نتيجة فروقات الصرف، وزيادة حالة عدم اليقين في الحياة الاقتصادية اليومية.
ورأت أنه رغم أن تعدد العملات قد يبدو حلاً عملياً على المدى القصير، إلا أنه يعمّق هشاشة البيئة الاقتصادية على المدى الأطول.
وحول إمكانية اعتبار الليرة السورية بديلاً قوياً، أوضحت عبد الحليم أنه لا يمكن اعتبارها بديلاً قوياً بالمعنى الكامل، فرغم عودتها إلى بعض التداولات اليومية واستخدامها في المدفوعات الصغيرة أو إلى جانب الليرة التركية في التسعير، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الاستقرار الكافي لتكون أداة ادخار أو مرجعية موثوقة للتسعير طويل الأجل، وبالتالي يبقى استخدامها جزئياً ومحدوداً.
واختتمت الباحثة حديثها بنصائح للأهالي لتجنب الخسائر مستقبلاً، داعية إلى إدارة السيولة بشكل مرن، بحيث تُستخدم الليرة السورية في التداولات اليومية بقدر الحاجة مع الاحتفاظ بالمدخرات بعملات أكثر استقراراً، إلى جانب متابعة تغيرات السوق والتعامل السريع مع أي تقلبات.
وشددت في ختام حديثها على أن المشكلة لا تتعلق برغبة الأهالي باستخدام الليرة السورية، بل بغياب بيئة نقدية مستقرة تسمح لهم بالاعتماد عليها بثقة.
وفي سياق متصل، أوضح الباحث الاقتصادي حيان حبابة، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن انتشار العملات الأجنبية يخضع لقاعدة العرض والطلب، مشيراً إلى أن تداول العملة الأجنبية يؤدي إلى تقليل الاعتماد على العملة الوطنية، مما يفقدها جزءاً من قيمتها وقدرتها الشرائية.
وأضاف حبابة أنه في عهد النظام المخلوع فقدت الثقة بالليرة السورية، لكنها بدأت تعود تدريجياً بعد التحرير. وحذّر من أن تعدد العملات يحمل آثاراً سلبية، داعياً إلى الاعتماد على الليرة السورية في التعاملات اليومية، وتخصيص الدولار الأميركي للادخار فقط.
وشدد على ضرورة تخلي السوريين عن أي عملة غير الليرة السورية، معتبراً أن انفرادها بالتداول والتسعير يُعد أحد مسببات قوتها.
Loading ads...
وأقر حبابة بأن التخلي عن العملة التركية قد يسبب فوضى مؤقتة في الأسعار، لكنه أكد أنها سرعان ما تنتهي مع استقرار عمليات التسعير.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مقتل عدد من اللبنانيين في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان
منذ ساعة واحدة
0



