تمرّ الذكرى الرابعة والأربعون لمجزرة حماة هذا العام (2 شباط) محمّلةً بدلالة استثنائية؛ فهي تأتي بعد أيام قليلة من وفاة الجلاد الأول والمسؤول المباشر عن المذبحة، رفعت الأسد، من دون أن يقف يوماً أمام قضاء عادل أو يسمع حكم إدانة باسم عشرات آلاف الضحايا. وللمرة الأولى منذ شباط/فبراير 1982، تحلّ الذكرى على المدينة من دون حافظ ورفعت معاً، وكأنّ ما عاشته حماة كان كابوساً طويلاً امتد أكثر من أربعة عقود، لم تستفق منه إلا بعد سقوط النظام الذي ارتكب الجريمة وحماها ومنع مساءلتها.
غير أنّ رحيل الجلاد جسداً لا يعني غياب الجريمة، ولا يُغلق صفحة الدم التي ما زالت مفتوحة في الذاكرة السورية، فمجزرة حماة لم تكن حدثاً عابراً في تاريخ البلاد، بل كانت نموذجاً تأسيسياً لعقيدة القتل الجماعي والإفلات من العقاب، ورسالة مبكرة مفادها أن السلطة مستعدة لإبادة مدينة كاملة كي تبقى. وفي حين يودّع السوريون الذكرى الرابعة والأربعين للمجزرة، يبقى السؤال معلّقاً: كيف تُستعاد العدالة لجريمة لم تُدفن، وإن غاب منفذها الأول؟
حماة في مواجهة الإجرام الأسدي
في صباح الثاني من شباط/فبراير 1982، اجتاحت قوات سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد، مدعومة بوحدات من الجيش والأجهزة الأمنية، مدينة حماة من أربعة محاور، وفرضت عليها حصارًا كاملًا، معلنة المدينة منطقة عسكرية مغلقة. قُطعت الكهرباء والمياه والاتصالات، وفُرض حظر تجول شامل، في تمهيد لعملية عسكرية غير مسبوقة.
استمرت الحملة 27 يومًا، وأسفرت عن عشرات آلاف القتلى والمعتقلين، وانتهاكات واسعة شملت تدمير أحياء سكنية بالكامل ومحو عائلات بكاملها من السجلات المدنية. واختار حافظ الأسد شقيقه رفعت لقيادة العملية، واضعًا تحت إمرته أكثر من 15 ألف عنصر من سرايا الدفاع وسرايا الصراع وألوية مدرعة وقوات خاصة، إلى جانب أجهزة أمنية وحزبية.
مع حلول مساء الثاني من شباط، انتشرت قوات سرايا الدفاع داخل المدينة بالتزامن مع قطع الكهرباء وخطوط الهاتف، وبدأ القصف الكثيف بالمدفعية والراجمات والرشاشات الثقيلة. وبحسب شهادات ناجين، حاولت القوات اقتحام بعض الأحياء، قبل أن تنسحب وتباشر قصفًا عشوائيًا طال جميع المناطق من دون تمييز بين مدنيين ومسلحين، أو بين بيوت وأماكن عبادة.
خلال أيام قليلة، دُمّرت عشرات المساجد والعيادات والأحياء السكنية كليًا أو جزئيًا، وسقطت أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، في وقت مُنع فيه السكان من إسعاف المصابين بسبب الحصار وحظر التجول.
المجزرة بالأرقام
شهدت المدينة عمليات إعدام ميداني فردية وجماعية طالت مئات المدنيين، بينهم أطفال، حيث كان عناصر القوات يجمعون رجال الأحياء ويُعدمونهم رميًا بالرصاص. ولم تقتصر الانتهاكات على القتل، بل شملت التمثيل بالجثث وقتل الجرحى، وتصفية عائلات كاملة بسبب انتماءات سياسية حقيقية أو مفترضة.
وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في الذكرى الأربعين للمجزرة، قُدّر عدد القتلى المدنيين بين 30 و40 ألفًا، وجرى توثيق أسماء 7984 منهم، فيما بلغ عدد المفقودين نحو 17 ألف شخص، وُثّق 3762 منهم فقط. كما طال الدمار أحياء كاملة مثل الكيلانية والعصيدة الشمالية والزنبقي، ودُمّر 79 مسجدًا و3 كنائس و40 عيادة طبية، إضافة إلى مواقع تاريخية وأثرية.
موت رفعت… والعدالة الغائبة
في أعقاب وفاة رفعت الأسد في 20 كانون الثاني/يناير 2026، استعاد سوريون من مدينة حماة ذاكرة المجزرة الدامية المرتبطة باسمه، مؤكدين أن من عُرف بلقب "جزار حماة" قد رحل جسديًا، في حين ستظل جرائمه وما تمثله عائلة الأسد من عنف وقمع راسخة في الذاكرة التاريخية، لا يطالها النسيان مهما تغيّرت الظروف وتعاقبت الأزمنة.
وكانت الحكومة السويسرية قد أعلنت في 12 آذار/مارس 2024 إحالة رفعت الأسد إلى المحكمة الجنائية الفدرالية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية أحداث شباط/فبراير 1982 في حماة، شملت إصدار أوامر بالقتل، وأعمال تعذيب، ومعاملة قاسية، واحتجازًا غير قانوني، بصفته قائد "سرايا الدفاع" والمسؤول الميداني عن العمليات، في سياق هجوم واسع ومنهجي ضد السكان المدنيين. غير أن المحكمة عادت، في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وأبدت نيتها إغلاق القضية لأسباب صحية، معتبرة أن وضعه لا يسمح بالمثول أمامها.
وبإعلان وفاته خارج سوريا، تبددت آمال ذوي الضحايا بمحاكمة المسؤول الأول والمباشر عن مجزرة حماة وغيرها من الجرائم، فرحل رفعت من دون حساب، بعدما شهد سقوط النظام الذي خدمه عقودًا، وتشتت عائلة الأسد في المنافي، كما شُرّدت آلاف العائلات السورية منذ استيلائها على السلطة.
وبرحيل رفعت الأسد، طُويت صفحة أحد أبرز رموز القمع الدموي هاربًا من العدالة، لتضيع حقوق مئات آلاف الضحايا الذين سقطوا في مشروعه القمعي على مدى أكثر من أربعين عامًا، قضاها متنقلًا بين العواصم الأوروبية حرًّا طليقًا، وسط صفقات مشبوهة وغضّ طرف دولي. وبموته، تجددت لدى السوريين قناعة قديمة بعمق ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع حقوق الشعوب ومجرمي الحروب.
المجزرة كأيقونة للثورة
لم تكن مجزرة حماة حدثًا معزولًا، بل شكّلت محطة مفصلية في وعي السوريين السياسي. فقد دفعت كثيرين إلى المنفى أو السجون أو الانكفاء القسري، ورسّخت قناعة بأن النظام لا يتردد في تكرار الإبادة الجماعية بحق معارضيه.
ومع انطلاق الحراك الشعبي في عام 2011، عادت حماة لتكون رمزًا للذاكرة الثورية، حتى إن أولى دعوات التظاهر حدّدت في الثاني من شباط، تزامنًا مع ذكرى المجزرة، قبل تأجيلها إلى آذار. وتحولت عبارة "يا حماة سامحينا" إلى هتاف جامع، يختصر اعترافًا جماعيًا بالخذلان، ووعدًا بعدم النسيان.
دعوات متجددة للحقيقة والعدالة
في الذكرى الرابعة والأربعين، جدّدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مطالبتها بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة لضحايا المجزرة، معتبرة أن سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 فتح بابًا لمرحلة جديدة يجب أن تقوم على المساءلة وسيادة القانون، وأكدت أن فتح ملف حماة يمثل اختبارًا حقيقيًا للحكومة الجديدة، وخطوة أساسية نحو مصالحة وطنية وبناء دولة قانون.
كما بيّنت في تقريرها أنَّ المجزرة أدت إلى تدمير واسع في النسيج العمراني لمدينة حماة، فهُدمت أحياء كاملة وأُعيد بناؤها وفق تخطيط فرضه النظام، وأُقيمت منشآت على أراضٍ يُحتمل أنَّها تضم مقابر جماعية.
وعلى الصعيد الإنساني، أوضح التقرير أنَّ المأساة طالت معظم العائلات عبر القتل والاختفاء القسري، مخلفةً عقودًا من الغموض والصدمة العابرة للأجيال.
Loading ads...
واليوم بعد أربعة وأربعين عامًا، لا تزال مجزرة حماة حيّة في الوجدان السوري، لا كحدثٍ من الماضي، بل كجرحٍ مفتوح يرفض الالتئام. رحل الجلاد من دون حساب، لكن الدم لم يجف، والذاكرة لم تخن، والمدينة التي حاولوا كسرها ما زالت شاهدة على ما جرى، فمجزرة حماة لم تكن نهاية، بل بداية لمسار طويل من القمع انتهى بثورة دفعت أثمانها مدنٌ وأجيال كاملة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مصرع ثلاثة أشخاص في حادثة تحطم طائرة تدريب في أورينبورغ
منذ ساعة واحدة
0


