34 دقائق
من “إكسودوس” هوليوود إلى “صوت هند رجب”.. كيف خاضت السينما معركة تزوير واستعادة ذاكرة فلسطين؟
الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
كيف نرى فلسطين على الشاشة؟ بين دبابة عسكرية ضخمة تنفجر بمجرد أن يلقي عليها شاب فلسطيني "نواة مشمش" في فيلم للمخرج إيليا سليمان، والثانية لطفلة حقيقية تُدعى "هند رجب"، يختنق صوتها داخل سيارة إسعاف محاصرة تحت القصف في فيلم كوثر بن هنية. بين هاتين الصورتين تقف السينما كشاهد أخير على أطول صراع في التاريخ الحديث.
اليوم، وفي أواخر عام 2026، بعد أن طافت أفلام وشهادات غزة البصرية مهرجانات العالم، لم تعد الكاميرا مجرد أداة جمالية لسرد الحكاية لتستكمل رحلة مرت بتحولات جذرية وعنيفة، تأرجحت بين التغييب المتعمد والتوظيف السياسي، وصولاً إلى استعادة الحق في السرد.
مع كل تحول سياسي كانت السينما تعيد، بدرجات مختلفة، طرح سؤال الفلسطيني الذي يظهر في الفيلم: من هو؟ وما الذي نعرفه عنه؟ ومن يروي حكايته؟
تعتمد الأفلام السينمائية بنى سردية محكمة تنتج من خلالها الحكايات، وتخلق التعاطف مع شخوصها وقضاياهم، وتؤنسن بعض هذه الشخوص عبر توسيع عدسة الرؤية لحياتهم اليومية فيما تحرم أخرى من هذه الإنسانية.
والفلسطيني في سينما هوليوود، ومنذ البداية، يبدو محرما من حق أن يروي حكايته، فتغيب عنه أرضه وحياته اليومية، ويعزل بشكل مدروس عن تاريخه، وغالبا ما يدفع إلى الشاشة على هيئة مسلح أو خاطف أو عضو في تنظيم مسلح غامض، في مواجهة إسرائيل "الدولة" مكتملة المعالم بمدنها وذاكرتها وشخصياتها التي تمتلك حاضرا وماضيا وأسرا وحيوات زاخرة بالتفاصيل.
فمنذ فيلم "الخروج الكبير" (Exodus عام 1960)، الذي أخرجه أوتو بريمينغر عن رواية ليون أوريس، أخذت هوليوود تقدم قصة قيام إسرائيل من زاوية يهودية أمريكية تجعل من الوصول إلى الدولة الجديدة واستقرارها حكاية مركزية، بينما تبدو المقاومة الفلسطينية كمحاولة شريرة لمنع اليهود من حقهم التاريخي في إقامة دولتهم على أرض فلسطين.
وبعد 6 سنوات، جاء فيلم "ظل العمالقة" (Cast a Giant Shadow عام 1966) ليضع إسرائيل في مركز ملحمة حربية أخرى، من خلال قصة الضابط اليهودي الأمريكي ديفيد ماركوس، الذي يلتحق بالقوات الإسرائيلية ويساعد في بناء جيشها خلال حرب عام 1948. ويظهر الفيلم العرب في موقع الخصم الشرير الذي تدور الحرب في مواجهته، بينما يبدو الضابط ماركوس بطلا يضحي من أجل "السلام".
واستمر تعزيز هذه الصورة النمطية للفلسطيني في هوليوود خلال العقود اللاحقة، ففي فيلم "ملف القدس" (The Jerusalem File عام 1972) لجون فلين، يظهر الفلسطيني من خلال مجموعات مسلحة متنافسة تتصارع في القدس والضفة الغربية.
وفي فيلم "السفير" (The Ambassador عام 1984) للمخرج جي لي تومسون، يجمع طلاب فلسطينيون وإسرائيليون في لقاء للسلام برعاية السفير الأمريكي، قبل أن يهجم مسلحون فلسطينيون على الاجتماع فيتحول المكان إلى موقع مجزرة، بينما تنتهي الحكاية بصورة طلاب إسرائيليين يخرجون في مسيرة للسلام.
أما فيلم "قوة دلتا" (The Delta Force عام 1986) فيمنح هذه الصورة صيغة أكثر مباشرة؛ إذ يبدأ الفيلم باختطاف طائرة أمريكية على يد مسلحين من الشرق الأوسط وتحويل مسارها إلى بيروت، قبل أن تتدخل القوة الأمريكية الخاصة لإنقاذ الرهائن.
وفي هذه الأفلام، لا يحضر عنصر الذاكرة بالتساوي؛ فكلما احتاجت الحكاية إلى تفسير وجود إسرائيل، حضرت ذكرى المحرقة (الهولوكوست) عبر الشخصيات والمشاهد والحوارات واللقطات الأرشيفية والصور، بينما بقيت النكبة الفلسطينية، وهي الحدث الذي أدى إلى اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين وتشكيل واقع اللجوء، خارج مركز الحكاية.
أمّا السينما المصرية، فاقتربت من فلسطين أساسا عبر ساحات الحرب وخطوط الجبهة، وصاغت حضور القضية من موقع مصر داخل الصراع. ونادرا ما انتقلت كاميرات صناع أفلامها إلى حياة الفلسطيني نفسه في معاناته.
عقب اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، غابت القضية الفلسطينية عن الشاشة المصرية فترة من الزمن. وحين عادت القضية إلى السينما، جرى استدعاؤها غالبا من خلال الحروب المصرية واستعادة سيناء والعمليات الاستخباراتية، وهي مساحات أتاحت للأعمال استعادة صورة مصر المقاتلة من دون الاقتراب كثيرا من التجربة الفلسطينية ذاتها.
ففي فيلم "الطريق إلى إيلات" (عام 1993) لإنعام محمد علي، تتابع الكاميرا مجموعة من القوات البحرية المصرية في مهمتها لتدمير سفن إسرائيلية داخل ميناء إيلات، بينما تدور أحداث "فخ الجواسيس" (عام 1992) لأشرف فهمي حول امرأة مصرية تعمل لصالح الموساد الإسرائيلي، قبل أن تكتشف المخابرات المصرية أمرها وتعيدها إلى الشبكة نفسها عميلة مزدوجة.
وفي مسار أقل حضورا، يقدم فيلم "ناجي العلي" (عام 1992) لعاطف الطيب خروجا لافتا من حكاية البطولة المصرية؛ فالفيلم يقترب من أثر الهزائم والسياسات العربية في حياة الفلسطيني، ويتتبع حكاية الفنان ورسام الكاريكاتير الشهير ناجي العلي، منذ طفولته في مخيم عين الحلوة بعد اقتلاع عائلته من أرضها، وصولا إلى منفاه، حيث يحمل فلسطين معه ويبتكر شخصية حنظلة عام 1969.
ويكتسب هذا التحول أهميته من تغير موقع الفلسطيني داخل السرد نفسه؛ فهو لا يظهر هنا بوصفه الغاية التي تذهب إليها بطولة المصري، ولا بوصفه خلفية للحرب التي يخوضها الآخرون.
وعلى الضفة السينمائية السورية، ارتبط حضور فلسطين بالمصير المشترك والخيبات التي خلفتها حكومات عربية رفعت شعارات التحرير ثم أخفقت في الحروب، تاركة الجنود واللاجئين وحدهم في مواجهة الهزيمة. ومع توالي النكبات، انتقلت الأفلام السورية من الإيمان بـ"الحلم العربي" إلى رثاء ما تبقى منه.
ففي فيلم "الترحال" (عام 1997) لريمون بطرس تصل آثار النكبة إلى مدينة حماة السورية في قطار يحمل عائلات فلسطينية ناجية من مذبحة دير ياسين، فينصب اللاجئون خيامهم قرب مسجد، قبل أن تقتلع العاصفة قماشها، وتترك كتب الأطفال غارقة في الوحل.
في المقابل تنتظر محاسن، التي تستقبل عائلة لاجئة في منزلها، زوجها أبا فهد الذي ترك عمله في البناء ومضى للقتال في فلسطين. وحين عاد أبو فهد أخيرا يروي ما رآه في فلسطين من فساد القادة ورداءة السلاح، قادته شهادته إلى السجن، ثم الهرب ملاحقا إلى لبنان، شريكا للفلسطينيين في مصيرهم كلاجئين بعد أن خذلته السلطة التي خذلتهم.
وفي فيلم "ليالي ابن آوى" (عام 1989) للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد، تدخل حرب عام 1967 إلى قرية ساحلية نائية عبر المذياع، تصمت أغنيات الحب وتعلو مكانها الأناشيد الحماسية وبيانات النصر، فيحفر البطل خندقا لمنع الجنود الإسرائيليين من الوصول إلى القرية، ويبدأ بحراسة الجسر، مؤمنا أن فلسطين بطريقها إلى العودة، لكن أخبار الهزيمة سرعان ما تصل، ويتحول معها صوت الراديو إلى ترددات متقطعة تنقل الخبر.
أما في السينما الفلسطينية، فتعود الحكاية إلى داخل البلاد وتروى على لسان أصحابها، فتتحرك الكاميرا بين البيت والمخيم والمدرسة والجامع والكنيسة والساحات، وتقف أمام الحاجز، وتلاحق أثر الاحتلال في حياة الناس وأحوالهم.
ففي فيلم "نشيد الحجر" (عام 1990) لميشيل خليفي، نشاهد مدرسة تغلق أبوابها لاتهام طلابها برشق الحجارة على المستوطنين، ونرى راعي أغنام يبدل طريقه مع إغلاق دورية الاحتلال دربه إلى القرية، ثم يظهر أطفال يفرقون بين أنواع الرصاص ويلعبون بفوارغه كما يلعب أقرانهم في دول السلام بالألعاب البلاستيكية.
ويتابع خليفي في فيلم "عرس الجليل" (عام 1987) استنطاق الدلالات التي تخفيها الحياة اليومية للفلسطينيين في ظل الاحتلال، وينقل عدسته هذه المرة إلى عرس فلسطيني تقليدي في قرية جليلية غير مسماة، حيث يفرض الحاكم العسكري الإسرائيلي وجنوده أنفسهم ضيوفا على العرس حتى نرى الجنود عاجزين عن التكيف أو ضبط المكان؛ فينتهي الفيلم على مشهد هروبهم تحت وابل من الأدوات المنزلية التي يقذفها القرويون عليهم.
ومن جهته، يدفع المخرج إيليا سليمان هذا الاشتغال على الخيال إلى مدى أبعد في فيلم "التدخل الإلهي" (عام 2002)، محولا الحياة تحت الاحتلال إلى سلسلة من المفارقات التي تستعيد للفلسطيني، عبر الصورة، قدرة على الفعل والتغيير؛ فتنفجر دبابة إسرائيلية بعد أن تصيبها نواة مشمش ألقاها رجل من نافذة سيارته.
على مدى عقود، واجهت السينما الفلسطينية الاحتلال بالواقع والأسطورة والخيال، ثم جاءت الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتضع الكاميرا أمام واقع تجاوز أكثر الخيالات قسوة؛ فخرجت الأفلام الجديدة من داخل القطاع وخارجه؛ حمل صانعوها الكاميرا أثناء القصف، وبين الخيام والركام، وجمعوا الشهادات والتسجيلات التي خرجت من المدينة، محاولين إنقاذ حكايات أصحابها من الضياع.
ففي فيلم "من المسافة صفر" (عام 2024)، أطلق المخرج رشيد مشهراوي مشروعا ضم 22 فيلما قصيرا أنجزها مخرجون ومخرجات من غزة خلال الحرب.
وهو عمل مؤلف من أفلام هي أشبه بشظايا تتجاور فيها الحكايات من دون أن تذوب في صوت واحد، فتتحول الخيام والشوارع المهدمة وطوابير الماء والغذاء إلى مواقع للتصوير، وتتبدل النبرة من الخوف إلى السخرية، ومن الفقد إلى محاولة صناعة الجمال.
بينما تنطلق التونسية كوثر بن هنية في "صوت هند رجب" (عام 2025) من حادثة الطفلة الفلسطينية هند، التي علقت في سيارة تحت إطلاق النار في غزة بعد مقتل أفراد عائلتها من حولها.
تتصل هند بالهلال الأحمر طالبة النجدة، ويظل العاملون فيه يحاولون إبقاءها على الهاتف وتأمين وصول سيارة إسعاف إليها، قبل أن ينقطع الاتصال، ويعثر لاحقا على جثمانها وجثامين أفراد عائلتها والمسعفين اللذين أُرسلا لإنقاذها.
وتبني بن هنية فيلمها على المسافة التي عجز المسعفون لساعات عن قطعها؛ فنسمع صوت هند الحقيقي عبر الهاتف، بينما ترافق الكاميرا المسعفين وهم يتشبثون بصوتها ويحاولون الوصول إليها. استعادت المخرجة التسجيل الأصلي لمكالمة هند، واستعانت بممثلين لأداء أدوار طاقم الإسعاف، من دون أن تظهر الطفلة على الشاشة.
Loading ads...
وبذلك، فرضت وحشية الحرب على غزة تحولاً جديداً في لغة السينما الفلسطينية، اقتربت معه الكاميرا من الشهادة المباشرة، ومن الصورة والصوت في لحظات الموت، وبدأت تكتب ذاكرة الحرب قبل توقفها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





