2 أيام
المدينة التي باعت التوابل واشترت الحداثة… نزهة في أسواق إسطنبول القديمة - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

قبل أن تُعرف إسطنبول بالمحالّ الزجاجية والأوروبية في شارع "استقلال"، كان نبض التجارة في هذه المدينة يخفق في الهانات (الخانات) والتشارشيّات (الأسواق) التاريخية فيها. بعد فتح القسطنطينية عام 1453، بدأ السلطان محمد الفاتح، من أجل إنعاش اقتصاد المدينة من جديد، ببناء شبكة من الأسواق المسقوفة (البِدِستانات)، والهانات التجارية في إحدى أقدم مناطق المدينة وأكثرها تاريخية. وقد شكّلت هذه المجمعات تدريجياً النواة الأساسية للاقتصاد العثماني، وحوّلت إسطنبول إلى أحد أهم مراكز التجارة في العالم العثماني ونقطة اتصال للقوافل التجارية بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ولسوق كابالي تشارشي، في هذا السياق، مكانة خاصة. بدأت بناء منشآت هذا السوق الأولى في عهد السلطان محمد الفاتح، وعلى مدى عدة قرون، ومع إضافة الصفوف والحجرات والهانات المحيطة به، تحوّل إلى واحد من أكبر الأسواق المسقوفة في العالم. لم يكن هذا السوق مجرد مكان للبيع والشراء؛ فإضافة إلى الاتجار فيه بالمجوهرات والأقمشة النفيسة والفراء والتوابل وغيرها من السلع القيّمة، كان جزءاً من خزينة الدولة العثمانية يُحفظ أيضاً، لمدّة طويلة، في هذا المجمع نفسه. وعلى الرغم من الحرائق والزلازل العديدة، ما زال كابالي تشارشي يحافظ على هويته التاريخية، ولا يزال اليوم أيضاً واحداً من أكثر المراكز التجارية حيوية وجمالاً وأهمية في إسطنبول.
تشكّلت حول كابالي تشارشي هانات كبيرة مثل بيوك والده هان (Büyük Valide Han)؛ وهي أبنية كانت في الحقيقة خانات لقوافل حضرية. كان التجار يقيمون فيها، ويخزنون بضائعهم، ويبرمون العقود التجارية، وينشئون ورشهم الإنتاجية ويديرونها في المكان نفسه. وكانت هانات كثيرة تُسمّى بحسب الحرفة الغالبة على تجارها؛ مثل هان صائغي الفضة، أو صانعي الملاعق، أو حائكي الجوارب. ويمكن اعتبار هانات إسطنبول امتداداً للتقليد العريق لخانات القوافل والأسواق المسقوفة، كما يمكن اعتبارها امتداداً لأسواق العالم الإسلامي، وهو تقليد امتد من مدن مثل دمشق وحلب وبغداد والقاهرة إلى تبريز. وفي المدن العربية كانوا يسمّونه خان التجار، وقد بلغ في العهد العثماني وفي إسطنبول أكمل أشكاله.
في ذلك الزمن، لو دخلتم كابالي تشارشي، لربما سمعتم من أرجائه أصوات الحديث بالتركية والعربية والفارسية واليونانية والأرمنية وحتى الإيطالية. لم تكن إسطنبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية فحسب، بل كانت ملتقى يجمع التجار من القاهرة ودمشق إلى تبريز والبندقية والبلقان.
بعد أن ضمّ العثمانيون بلاد الشام ومصر إلى أراضيهم في عامي 1516 و1517، ارتبطت الشبكة التجارية لهذه المناطق أيضاً مباشرة بإسطنبول. ومنذ ذلك الحين، كانت السلع القادمة من الهند واليمن والبحر الأحمر تصل أولاً إلى القاهرة أو دمشق، ثم تأتي إلى إسطنبول عبر الطرق البرية أو البحرية. ولهذا السبب كانت الهانات المحيطة بالسوق في الغالب أماكن إقامة للتجار المصريين والإيرانيين وتجار حلب.
كان التجار المصريون يجلبون إلى إسطنبول التوابل الشرقية والقهوة اليمنية والسكر والأرز والأدوية العشبية. وسوق التوابل في إسطنبول، الواقع في منطقة أمين أونو، والذي يُعدّ من أقدم الأسواق المسقوفة في إسطنبول، يُعرف باسم السوق المصري (Mısır Çarşısı).
ويُروى أن تكاليف بناء هذا السوق كانت قد تأمّنت من ضرائب ولاية مصر، ولهذين السببين لا يزال يُسمّى حتى اليوم بالسوق المصري، ولا يزال من أسواق إسطنبول المزدحمة والمحبوبة.
منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع اتساع نفوذ العمارة والثقافة الأوروبية في حي بيرا (بي أوغلو)، وتطوّر العلاقات العثمانية مع أوروبا، ظهر نوع جديد من الفضاء الحضري في إسطنبول: الباساجات أو الأروقة والممرات التجارية. هذه الفضاءات، بخلاف الأسواق والهانات التقليدية التي كان طابعها تجارياً في الغالب، وفّرت إلى جانب البيع والشراء مجالاً للجلوس في المقاهي، والأنشطة الفنية، والتفاعلات الاجتماعية، وأدّت دوراً مهماً في تشكّل المظهر الحديث والأوروبي لإسطنبول.
إذا كنتم تعرفون شارع "استقلال" فقط بمتاجره وبوتيكاته التي لا تُحصى، ومقاهيه ومطاعمه التي تستقبل السياح في جميع ساعات الليل والنهار، أو بفروع العلامات التجارية العالمية الشهيرة العديدة، فمن المؤكد أنكم فوّتّم جزءاً كبيراً من قصص وحكايات هذا الشارع الجميل والحيوي. فخلف الواجهات الحالية والمزدحمة لهذه المباني والعلامات التجارية، توجد أبواب تُفتح على إسطنبول القديمة، إسطنبول التي تفوح منها رائحة باريس القرن التاسع عشر.
باساجات كانت يوماً أمكنةً للقاء أعيان العثمانيين والفنانين والمثقفين. وكان الكتّاب والمترجمون والناشرون والدبلوماسيون والصحافيون يجلسون ساعات في مقاهي هذه الباساجات. كثير من النقاشات الأدبية والسياسية في إسطنبول أواخر العهد العثماني لم تتشكّل في القصور، بل خلف طاولات هذه المقاهي نفسها، وحتى اليوم لا يزال من الممكن الإحساس بأجواء ذلك الزمن في الأسقف الزجاجية والأرضيات الحجرية والمقاهي القديمة لهذه الأبنية.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لو مررتم في الشوارع المهمة في منطقة بيرا، لربما شعرتم أنكم تتمشون في باريس أو ميلانو؛ الأسقف الزجاجية، وواجهات العرض الفاخرة، والمقاهي، والممرات المسقوفة، كانت قد جعلت إسطنبول واحدة من أكثر مدن ذلك العصر حداثةً. وكانت الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت تمر بمرحلة من الإصلاحات المعروفة باسم "التنظيمات". وفي الفترة نفسها، تحوّل حي بيرا (بي أوغلو) إلى واحد من أهم أجزاء المدينة المميز بطابعه الأوروبي. وقد صمّم معماريون فرنسيون وإيطاليون ويونانيون، أبنيةً منحت إسطنبول وجهاً جديداً، مستلهمين من الباساجات المسقوفة في باريس ومن روائع مثل غاليريا فيتوريو إيمانويل في ميلانو.
لم تكن هذه الباساجات مجرد أماكن للتسوّق؛ بل كانت رمزاً لأسلوب جديد من الحياة الحضرية. كان الناس يأتون إلى هذه الباساجات من أجل التنزّه، وشرب القهوة، واللقاءات الغرامية الرائجة، ومشاهدة واجهات العرض والبضائع الأوروبية التي وصلت حديثاً إلى إسطنبول، والحديث، وحتى التباهي.
ومن السمات المشتركة للباساجات التاريخية في هذه المنطقة هي الأسقف الزجاجية العالية. لم تكن هذه الأسقف تُبنى لمجرد تجميل البناء. ففي القرن التاسع عشر، لم تكن الإضاءة بالكهرباء قد شاعت بعد، وكانت هذه الأسقف تُدخل الضوء الطبيعي إلى داخل المبنى، كما كانت، بالطبع، تحمي المارة من المطر والثلج. ولهذا السبب كانت الباساجات قابلة للاستخدام والتجوّل في جميع فصول السنة.
أحد أشهر هذه الباساجات هو تشيتشَك باساجي (Çiçek Pasajı)، أو ما يُسمّى باساج الزهور.
هذا المبنى، الذي شُيّد عام 1876 على أنقاض مسرح ناؤوم الشهير وبطلب من المصرفي اليوناني الثري هيريستاكي زوغرافوس، كان يضم 24 وحدة تجارية و18 شقة فاخرة. واشتهر قسمه التجاري باسم "باساج هيريستاكي"، أما قسمه السكني فكان يحمل الاسم الفرنسي "Cité de Péra".
في السنوات الأولى، كانت متاجر هذا الباساج تتكوّن في معظمها من محال بائعي الزهور، وبائعي الفراء، والخياطين، وبائعي التبغ، والمجلّدين، ومحال الحلويات التي كان يديرها في الغالب يونانيو وأرمن إسطنبول. وفي عام 1908 انتقلت ملكية هذا المبنى إلى الصدر الأعظم العثماني سعيد باشا، ولفترة من الزمن كان الناس يسمّون هذا الباساج "ممر سعيد باشا".
بعد ثورة 1917 وانتصار البلاشفة، لجأ إلى إسطنبول آلاف من النبلاء وضباط الجيش القيصري والعائلات الروسية الميسورة. واضطر كثير من هؤلاء المهاجرين، الذين فقدوا جميع ممتلكاتهم، إلى القيام بأعمال بسيطة من أجل تدبير معيشتهم. وكان بين هؤلاء نساء من عائلات نبيلة، منهن بارونات ودوقات، عملن في بيع الزهور في حي بيرا وشارع الاستقلال.
وفي سنوات احتلال إسطنبول، نقلت النساء الروسيات زهورهن إلى داخل هذا الباساج، لكي يسلمن من مضايقات جنود قوات الاحتلال، وواصلن نشاطهن هناك. وفي أربعينيات القرن العشرين، ومع ازدياد عدد بائعي الزهور، تحوّل هذا المكان إلى مركز لبيع الزهور وحتى مزادها في بي أوغلو. وقد أدّى وجود بائعي الزهور هذا إلى نسيان جميع الأسماء السابقة للباساج، وحلول اسم باساج بائعي الزهور محلها، ثم، بصيغته الأقصر لاحقاً، "باساج الزهور" (تشيتشِك باساجي).
ومع مرور الزمن، بدأت حانات وبارات كثيرة بالعمل في هذا الباساج، ولا تزال حتى اليوم ملتقى للشخصيات المعروفة والمثقفين القدامى في المدينة. ولا تزال الطاولات المستديرة الواقعة تحت القبة المركزية الفخمة لهذا المبنى مكاناً لحديث الفنانين والشخصيات الثقافية ودردشتهم.
إذا اعتبرنا پاساج الزهور رمزًا للمقاهي والحانات الحنينية في بي أوغلو، فإن پاساج أطلس هو القلب النابض للسينما والمسرح في هذا الحي؛ وهو مكان لا يزال، بفضل موقعين أسطوريين عند مدخل الباساج، أي سينما أطلس والقاعة الصغيرة لمسرح مدينة إسطنبول، يُعدّ واحدًا من أهم معالم الثقافة والفن في المدينة. شُيّد مبنى هذا الباساج بطلب من آغوب كوچيان، الصرّاف الأرمني وأحد المقرّبين من السلطان عبد العزيز. وكان كوچيان قد فقد منزله في حريق إسطنبول الكبير عام 1870، فبنى هذه العمارة عام 1877 على قطعة أرض خالية وكبيرة كانت مقابل منزله السابق.
عمارة فخمة شُيّدت باستلهام من العمارة الأوروبية. واستُعين في تصميمها الداخلي برسامين وفنانين فرنسيين، ويُقال إن بناء واجهتها وتزيينها استُلهم من قصر فارنيزي في روما. وقد شهدت هذه العمارة، على مدى أكثر من قرن، استخدامات مختلفة؛ من مسكن أرستقراطي ومحكمة في فترة احتلال إسطنبول، إلى واحد من أهم المراكز الثقافية والفنية في المدينة. ولا يزال مجمع پاساج أطلس اليوم، بما يضمّه من سينما أطلس ومتحف سينما إسطنبول ومتاجره، واحدًا من أهم المعالم الثقافية في شارع الاستقلال.
وحتى قبل بضع سنوات فقط، كان هذا الباساج، بمتاجره التي تبيع ملابس غريبة ومختلفة، ملتقى للشباب المهتمين بالأساليب البديلة. أما اليوم فقد انخفض عدد تلك البوتيكات، وصارت غالبية دكاكين هذا الباساج تعمل في بيع الأشياء الزخرفية والتماثيل والأقنعة الملونة المناسبة للكرنفالات والمهرجانات.
ومن الممرات التاريخية والبارزة الأخرى في بي أوغلو يمكن الإشارة إلى باساج أوروبا. ويُعرف باساج أوروبا أيضاً باسم "Jardin des Fleurs" أو "باساج المرآة"، وقد شُيّد في موقع مسرح ناؤوم وفندق "Fleurs"؛ وهما مبنَيان دُمّرا بالكامل في حريق بي أوغلو الكبير عام 1870.
شُيّد هذا الباساج عام 1874 بطلب من التاجر الأرمني أونيك دوز، وعلى يد المعماري النمساوي دومنيكو بولغر، مصمم قصر السفارة السويدية، على الطراز النيوكلاسيكي. ويُعدّ مبناه الذي يبلغ طوله 56 متراً، بواجهته وأرضيته الحجرية وسقفه المصنوع من الزجاج والحديد المشغول، واحداً من أبرز نماذج العمارة التجارية في القرن التاسع عشر في بي أوغلو. وقد أُخذ اسم "باساج المرآة" من المرايا الكبيرة التي كانت في الماضي موضوعة بين متاجر هذا الباساج الـ22، وكانت تجعل فضاءه الداخلي يبدو أكثر إضاءة واتساعاً.
وهي متاجر كانت في ذلك العصر أشهر محال الخياطة، وصالونات الحلاقة، ومحال بيع الحرير في المدينة. ولا يزال هذا الممر التاريخي حتى اليوم، بصفّ من متاجر الحرف اليدوية ومحال التحف ومتاجر التذكارات، مكاناً محبوباً للسياح والمهتمين بالأشياء القديمة؛ حيث يمكن مشاهدة وشراء أنواع السجاد والكليم، والأحذية اليمنية التقليدية، والبلاطات الزخرفية، ومجموعة من التحف الأوروبية والأمريكية في واجهات متاجره.
ويمكن أن نضيف إلى هذه الأسماء كلّاً من باساج حلب، وكربن، وأزنوور، وحاجي بولو، وكثيراً غيرها. فإذا كانت تشارشيّات وهانات إسطنبول أبناء طريق الحرير وأماكن تشكّلت امتداداً لتقليد الأسواق وخانات القوافل في العالم الإسلامي، فإن باساجات القرن التاسع عشر كانت أبناء باريس وميلانو؛ حيث ارتبطت التجارة للمرة الأولى في إسطنبول بالترفيه، والتجوّل أمام واجهات العرض، والحياة الحضرية الحديثة.
واليوم، على الرغم من أن كثيراً من الأعمال القديمة في هذه الباساجات قد أخلت مكانها للمقاهي والمطاعم ومتاجر التذكارات الجديدة، فإن هذه الباساجات لا تزال تُعدّ واحدة من أهم الرموز التاريخية والثقافية لشارع استقلال.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





