رغم أنّ معظم جزر العالم قد جرى استكشافها وكُشفت أسرارها منذ زمن بعيد، فإنّ هناك قلّة ما تزال غارقة في الغموض؛ جزرٌ ظهرت على الخرائط لقرونٍ طويلة ثم اختفت فجأة وكأنها لم تكن، وأخرى نائية احتضنت منشآت سرّية وخطيرة قبل أن تُهجَر أو تُدمَّر دون تفسير.
وهناك جزر استُخدمت لعزل المرضى أو المصابين باضطرابات عقلية، وتبقى ذكرياتها المؤرِّقة شاهدةً على تاريخٍ مظلم لمن يجرؤون على زيارتها. وفي أحيان أخرى، تتصرّف بعض الجزر بطرق يصعب تفسيرها علميًا أو منطقيًا، ما يثير فضول الباحثين والمستكشفين على حدٍّ سواء.
أمّا الجزر المعزولة بالكامل عن العالم، فتُنتج نباتاتٍ فريدة وغريبة الشكل قد يُخيَّل للمرء أنها من كوكبٍ آخر، فيما تكتنف الغموضَ جزرٌ أخرى بسبب أصل سكّانها أو مصيرهم المجهول.
في التاريخ والفلكلور، طالما أثارت الجزر الأسطورية خيال البحّارة ورواة القصص باعتبارها عوالمَ معزولةً مفعمةً بالأسرار غير المروية. وبعيدًا عن الجزر الأسطورية، ثمة جزرٌ حقيقية حول العالم تتميّز بخصائص غريبة وغير مألوفة فعلاً.
جزيرة الثعابين: أرض لا يجرؤ البشر على دخولها
على بُعد نحو 90 ميلًا من السواحل الجنوبية الشرقية للبرازيل، تقع جزيرة لا يجرؤ أيّ من السكّان المحليين على وطء أرضها؛ إذ تحكي الأسطورة أنّ آخر صيّاد اقترب أكثر من اللازم من شواطئ "جزيرة الثعابين" وُجد بعد أيام ينجرف على قاربه جثةً هامدة، ممدّدًا في بركةٍ من الدماء.
هذه الجزيرة الغامضة، المعروفة أيضًا باسم "إيلا دا كيمادا غراندي"، تُعدّ من أخطر الأماكن على وجه الأرض، إلى حدٍّ دفع الحكومة البرازيلية إلى حظر زيارتها تمامًا على العامّة، بحسب موقع "allthatsinteresting".
ويكمن الخطر في نوعٍ فريد من الأفاعي يُعرف باسم "رأس الرمح الذهبي"، وهي من أكثر الثعابين فتكًا في العالم؛ إذ قد يتجاوز طولها قدمًا ونصف القدم، ويُقدَّر عددها في الجزيرة بما بين 2,000 و4,000 أفعى. ولسمّها قدرةٌ قاتلة، إذ يمكن لعضّةٍ واحدة أن تودي بحياة إنسان خلال ساعةٍ واحدة فقط.
ورغم أنّ جزيرة الثعابين غير مأهولة الآن، فإنّ بعض الأشخاص سكنوها لفترةٍ قصيرة حتى أواخر عشرينيات القرن الماضي. ووفقًا للأسطورة، لقي حارس المنارة المحلي وأسرته مصرعهم بعد أن تسلّلت إليهم الأفاعي عبر النوافذ أثناء نومهم.
أما اليوم، فتقوم البحرية البرازيلية بزياراتٍ دورية للمنارة من أجل الصيانة، وضمان عدم اقتراب أيّ مغامرٍ من الجزيرة المحظورة أكثر من اللازم.
وتزعم إحدى الأساطير المحليّة أنّ القراصنة هم من جلبوا الأفاعي إلى الجزيرة عمدًا لحماية كنزٍ مدفونٍ في أعماقها، لكنّ الواقع يشير إلى أنّ وجود الأفاعي يعود إلى ارتفاع مستويات سطح البحر.
فقد كانت جزيرة الثعابين جزءًا من البرّ الرئيسي للبرازيل، لكن قبل أكثر من 10,000 عام أدّى ارتفاع منسوب البحر إلى فصلها عن اليابسة وتحويلها إلى جزيرةٍ منعزلة، ما أتاح لتلك الأفاعي النادرة أن تتطوّر بمعزلٍ عن بقية الأنواع.
جزيرة سينتينل الشمالية: غموض يحرسه الصمت والعزلة
تقع جزيرة سينتينل الشمالية في خليج البنغال، وتُعدّ واحدةً من أكثر الأماكن غموضًا على وجه الأرض، حيث تسكنها قبيلة السينتينليز التي عاشت في عزلةٍ شبه تامة منذ عشرات آلاف السنين.
ومنذ عام 1956، أُعلنت الجزيرة منطقةً محظورة رسميًا، إذ تطبّق الحكومة الهندية سياسةَ "عدم التواصل" الصارمة لحماية كلٍّ من السكّان الأصليين والزوار المحتملين، بحسب موقع "عالم الآثار".
لكن ما الذي يجعل هذه الجزيرة بهذه الدرجة من الغموض؟ ولماذا يُمنع الاقتراب منها قانونيًا؟
في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، حاول المبشّر الأميركي جون ألين تشاو التواصل مع قبيلة السينتينليز. وكانت محاولاته السابقة قد قوبلت بعداء؛ إذ أُصيب كتابه المقدّس المقاوم للماء بسهمٍ أطلقه أحد أفراد القبيلة. ورغم ذلك، أصرّ على المضيّ قُدمًا في مهمّته لنشر المسيحية بين أفراد القبيلة المعزولة.
وفي محاولته الأخيرة، كان صيّادون محليّون، دفع لهم بشكلٍ غير قانوني لنقله، يراقبونه من بعيد، بينما وطئت قدماه شواطئ الجزيرة. وخلال دقائق، خرج رجالٌ من الغابة الكثيفة وجرّوا جثته عبر الشاطئ ثم دفنوها في الرمال.
سلّطت هذه الحادثة المأساوية الضوء على خطورة أيّ محاولةٍ لاقتحام الجزيرة. ورغم أنّ قصّة تشاو درامية، فإنّ حظر الاتصال المفروض منذ عام 1956 لم يُسنّ فقط لحماية الغرباء؛ فالسينتينليز أنفسهم يواجهون خطرًا أكبر بكثير في حال تعرّضهم لحضارة العالم الحديث.
وبعد أن عاشوا في عزلةٍ شبه تامة لآلاف السنين، لا يمتلك سكّان الجزيرة مناعةً ضدّ الكثير من الأمراض الشائعة خارجها.
تُعدّ جزيرة بوفيليا الصغيرة مهجورةً تمامًا وغير مأهولة بالسكان، وتُعرف بأنها أشهر مكانٍ "مسكونٍ بالأشباح" في بحيرة البندقية، بحسب موقع "هيستوري هت".
ويُشار إليها أحيانًا باسم "جزيرة اللاعودة" بسبب ماضيها المرعب، كما تُعرف أيضًا باسم "جزيرة الأشباح". ويعتقد بعض المؤمنين بعالم ما وراء الطبيعة أنّ بوفيليا هي الأكثر "مسًّا" أو أكثر مكانٍ مسكونٍ في العالم.
اُستُخدمت الجزيرة في البداية كميناء بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، وبحلول القرن التاسع بدأت تنمو سكّانيًا وتزداد أهمّية حتى أصبح يحكمها "بوديستا" (حاكمٌ محليّ). لكن في عام 1379 هاجم الأسطولُ الجنوي مدينةَ البندقية، فنُقل سكّان بوفيليا إلى جزيرة "جوديكا"، وبقيت الجزيرة مهجورةً قرونًا بعد ذلك.
وفي القرن الثامن عشر، وأثناء تفشّي الطاعون الأسود وموجاتٍ أخرى من الأوبئة، أصبحت الجزيرة محطةَ حجرٍ صحي (Lazaretto) لضحايا الوباء؛ إذ كان إرسال المصابين إلى بوفيليا يعني اقتراب الموت، حيث دُفنوا أو أُحرقوا أو تُركوا ليموتوا.
نتيجةً لذلك، تحوّلت الجزيرة إلى مقبرةٍ ضخمة، ومع مرور الوقت ظهرت أساطير تفيد بأنها باتت مأهولةً بأرواح أولئك الذين عاشوا وماتوا فيها. وفي عام 1922 بُني على الجزيرة مستشفى للأمراض النفسية لعزل المرضى بعيدًا عن المدينة.
وتقول الأساطير إنّ ممارساتٍ غير إنسانية ووحشية، مثل عمليات جراحة "فصّ الفَصّ الجبهي" (Lobotomy)، أُجريت على المرضى؛ ويُزعم أنّ رئيس قسم الطب النفسي فقد عقله بعد أن شهد تلك الأهوال، ثم انتحر بالقفز من برج الجرس في الجزيرة.
ويُقال إنّ بعض المرضى أخبروه بأنهم شاهدوا أشباحًا تتجوّل في أروقة المستشفى، قبل أن يصيبه الجنون ويبدأ هو نفسه في رؤية هذه الكيانات، ما دفعه في النهاية إلى الانتحار، فيما تقول أسطورةٌ أخرى إنّ أرواح ضحاياه هي من تسبّبت في سقوطه من أعلى البرج.
تم تفكيك المستشفى النفسي عام 1946، وأُعيد استخدام الجزيرة لاحقًا كمرفق رعايةٍ طويلة الأمد حتى إغلاقه نهائيًا عام 1968. بعد ذلك، استُخدمت الجزيرة لفترةٍ وجيزة في الزراعة، ثم تُركت خاليةً بالكامل ومغلقةً حتى اليوم.
وفي عام 2014، طرحت الحكومة الإيطالية عقدَ إيجارٍ لمدة 99 عامًا لجزيرة بوفيليا في مزادٍ علني بهدف جمع الإيرادات مع الإبقاء عليها ملكًا للدولة. ورغم الآمال بتحويلها إلى فندقٍ أو وجهةٍ سياحيةٍ أكثر قابلية للوصول، لا تزال الجزيرة مهجورةً بالكامل ومغلقةً رسميًا أمام السياحة.
ولا يمكن دخول الجزيرة إلا بتصريحٍ خاص أو عبر قاربٍ خاص. وقد أكّد قلّةٌ من الزوار الشجعان أنهم واجهوا أجواءً غريبةً ومرعبة وشهدوا ظواهر غير مُفسَّرة، مثل أشكالٍ غامضة تتسلّل بين المباني المهجورة، وسماع أصوات صراخٍ مؤلم ونحيبٍ مزعج.
جزيرة نيهاو: الجزيرة المحرّمة التي تحرسها العزلة والتقاليد
على بُعد 17 ميلًا فقط من السواحل الغربية لجزيرة كاواي، تشرق نيهاو من المحيط كأنها سرٌّ محفوظ بعناية؛ تُعرف باسم "الجزيرة المحرّمة"، وهي جوهرةٌ نائيةٌ يُغلّفها عبق التقاليد والفخر الثقافي وخصوصيةٌ شبه منيعة.
فقليلون هم مَن وطئت أقدامُهم أرضَ نيهاو، والأقلّ منهم مَن يعيشون فيها. ومع ذلك، فإنّ سحرها لا يمكن إنكاره.
لا طرقاتٍ معبّدة، ولا شبكةَ كهرباء، ولا تواصلَ يُذكر مع العالم الخارجي؛ ما يجعل نيهاو نافذةً نادرةً على هاواي القديمة، حيث لا تزال اللغة الهاوايية التقليدية (ʻŌlelo Hawaiʻi) تُستخدم يوميًا، وتُمارَس الحياة بالاعتماد الكامل على الذات.
وتُعدّ نيهاو الأقدمَ والأصغرَ بين الجزر المأهولة في أرخبيل هاواي؛ إذ لا تتجاوز مساحتها 70 ميلًا مربّعًا. ويهيمن بركان "بانياو" المنقرض على تضاريسها باعتباره أعلى نقطةٍ في الجزيرة، بحسب موقع "Hawaii.com".
ويرجع لقب "الجزيرة المحرّمة" إلى الخصوصية الشديدة والانغلاق شبه التامّ الذي يميّزها؛ فمنذ أكثر من قرنٍ أُغلقت الجزيرة في وجه الغرباء، وكان هذا الإجراء في البداية لحماية سكّانها من الأمراض والوقاية من التأثير الثقافي الغربي.
وحتى اليوم، لا تزال نيهاو بمنأى كبير عن مظاهر العالم الحديث، محافظةً على طابعها الأصيل والمستقلّ، إذ تحتضن مجتمعًا صغيرًا مترابطًا يضمّ نحو 70 من سكّان هاواي الأصليين، وتُعدّ المكان الوحيد في العالم حيث لا تزال اللغة الهاوايية تُستخدم لغةً رئيسية في الحياة اليومية.
ولا يُسمح بدخول جزيرة نيهاو بقرارٍ من عائلة روبنسون، التي اشترت الجزيرة من الملك كاميهاميها عام 1864 وكرّستها للحفاظ على الثقافة واللغة الهاوايية التقليدية. وُضع هذا النهج لحمايتها من تأثير العالم الخارجي، وهو ما يبرّر لقبها الشهير "الجزيرة المحرّمة"، بحسب موقع "Hawaii’s Best Travel".
وقد فرضت العائلةُ المالكة قيودًا صارمةً على الدخول بهدف ضمان بقاء السكّان المولودين فيها على أرضهم مدى الحياة دون تهديدٍ لنمط حياتهم الفريد.
تقع جزيرة تريستان دا كونا في وسط جنوب المحيط الأطلسي، على بُعد نحو 1600 ميل (أكثر من 2500 كيلومتر) من أقرب يابسةٍ قارية، ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر رحلةٍ بحريةٍ تستغرق ستة أيامٍ على الأقل. ورغم هذا العزل الشديد، فقد كانت موطنًا لمجموعةٍ صغيرة من السكّان منذ مطلع القرن التاسع عشر.
تتزيّن تضاريس الجزيرة بألوانٍ خضراء زمردية، تتناثر فيها منازل ومبانٍ متواضعة. وتضمّ الجزيرة مستوطنةً واحدة فقط تُعرف باسم "إدنبرة البحار السبعة"، وهي البلدة الأكثر عزلةً على سطح الأرض.
تُعدّ تريستان دا كونا أكبرَ جزيرةٍ في الأرخبيل الذي يحمل الاسم نفسه، والوحيدةَ المأهولةَ بالسكان.
اليوم، يعيش في الجزيرة نحو 250 شخصًا؛ جيرانهم ليسوا بشرًا فحسب، بل أسماك قرشٍ زرقاء، وبطاريق مُتسلِّقة الصخور، وطيورٌ نادرة لا توجد في أي مكانٍ آخر في العالم.
ويقول الموقع الرسمي للجزيرة: "يجب أن تكون الرحلات إلى المجتمع الأكثر عزلةً في العالم مُخطَّطةً بعناية. العديد من الزوّار المحتملين أبحروا إلى تريستان، لكنهم لم يتمكّنوا من الوصول".
حتى لو أمكن تأمين وسيلة نقلٍ إلى الجزيرة، فلا بدّ من الحصول على إذنٍ من الحكومة المحلية لزيارتها. وبسبب القيود الصارمة المفروضة لحماية الحياة البرّية، تخضع السياحة لرقابةٍ مشدّدة للغاية.
Loading ads...
وراء بحارٍ مفتوحة وجغرافيا تبدو ساكنة، تخفي بعض الجزر قصصًا لم تُروَ كاملة: ثعابين تطوّرت في عزلة، شعوب تحرس هويتها بالصمت، ومستشفيات وأسرار طواها الزمن. وبين العِلم والأسطورة، تبقى هذه البقاع النائية مختبرًا لفهم هشاشة الإنسان وقوّته معًا؛ فالعزلة التي تحمي، قد تُقصي، والغموض الذي يَفتن، قد يُخيف. لهذا يظل الفضول البشري دافعًا لاكتشاف الحدود ثمّ احترامها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






