ساعة واحدة
الانتخابات التشريعية في المغرب: "لا نلمس أثرا لوعود الأحزاب"... الشباب بين الأمل وأزمة الثقة
الأحد، 20 سبتمبر 2026

عند مدخل المدينة القديمة بوسط الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، تجمع عدد من الشبان لا يتجاوز أكبرهم سنا الرابعة والثلاثين، يبدو جليا على محياهم الامتعاض من حملة انتخابية تمر بجانبهم لمرشحة بالدائرة نفسها. يقول أحدهم: "ألفنا هذه المشاهد منذ سنوات، لكن أنظروا حولكم كي تتأكدوا أن وضعنا لم يتغير"، ويضيف سعد ذو الـ28 سنة: "لن أمنح صوتي لأحد، لقد تشكلت لدي قناعة راسخة بأن ذلك لن ينعكس إيجابا على وضعي المعيشي".
المغرب: الفوارق الاجتماعية وبطالة الشباب في صلب حملة الانتخابات التشريعية
لا يبدو موقف سعد معزولا بين الشباب الذين تحدثت إليهم فرانس24، إذ عبّر آخرون أيضا عن شكوكهم في جدوى الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول 2026 وقدرة الأحزاب على الاستجابة لمطالبهم.
تأتي الاستحقاقات في وقت تسعى الأحزاب السياسية إلى تعبئة الناخبين، ولا سيما وسط نقاش متزايد حول نسبة المشاركة والثقة في المؤسسات والأحزاب. إذ يظل كثير من الشباب المغاربة، لا سيما الذين شاركوا في الاحتجاجات أو تابعوها عن قرب، متشككين في قدرة الأحزاب والمؤسسات السياسية على الاستجابة لمطالبهم. فبعد سنوات من الوعود والإصلاحات، لا يزال السؤال الذي يطرحه بعض الناخبين الشباب "هل لصوتي فعلا قيمة؟"
يشكل الشباب نسبة مهمة من سكان المغرب، لكن حضورهم في الهيئة الناخبة لا يعكس وزنهم الديموغرافي. فبحسب أحدث معطيات توزيع المسجلين في اللوائح الانتخابية، لا تتجاوز حصة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما نحو 19% من مجموع المسجلين، فيما لا تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 عاما سوى 4%.
في المقابل، تمثل الفئة العمرية بين 15 و29 عاما نحو 24,3% من مجموع سكان المملكة، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.
اندلعت احتجاجات "جيل زد 212" في سبتمبر/أيلول 2025، بعد حالة من الغضب على إثر وفاة ثماني نساء عقب عمليات ولادة قيصرية في مستشفى عمومي بمدينة أكادير جنوب البلاد. وسرعان ما تحولت القضية إلى حركة احتجاجية أوسع، استخدمت منصات مثل "ديسكورد" وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعي لتعبئة الشباب.
رفع المحتجون مطالب تتعلق بتحسين قطاعي الصحة والتعليم العموميين، ولا سيما في المناطق القروية، ومكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل للشباب، خصوصا خريجي الجامعات.
كما انتقدوا الأولويات المالية للدولة، معتبرين أن الاستثمارات الضخمة المرتبطة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 كان ينبغي أن تقابلها استثمارات أكبر في المستشفيات والمدارس.
هذه الاحتجاجات كشفت وفقا لمراقبين عن جيل يشعر بخيبة أمل تجاه الأحزاب والمؤسسات التقليدية.
الشاب العشريني كريم، واحد من هذا الجيل. فهو لا يرى في التصويت جدوى، ويقول إن سنده في ذلك وضع مدينته، الدروة، المتاخمة للدار البيضاء، وكذا حاله الشخصي "لن أصوت في الانتخابات التشريعية المقبلة. لم أعد أرى ما الذي يمكن أن نستفيده، حتى لو صوتنا. لم تعد لدي أي ثقة في الأحزاب السياسية. حتى إخوتي وأفراد أسرتي لن يصوتوا. منذ سنوات ونحن نسمع الوعود نفسها، لكن شيئا لم يتغير".
يضيف الشاب بنبرة غاضبة: "كل خمس سنوات نجد أنفسنا أمام الواقع نفسه. لم أفكر يوما في الانخراط في حزب سياسي، لأنني عشت منذ صغري على الوعود والشعارات التي لم يتحقق منها شيء يُذكر. يحاولون تسويق المشاريع والإنجازات، لكن أين أثر ذلك؟ لا نلمس أثرا فعليا لوعود الأحزاب في حياتنا. المشكلة الأساسية بالنسبة للشباب هي العمل. من الصعب جدا أن تجد وظيفة في المغرب، وحتى عندما تجدها، تكون الرواتب في كثير من الأحيان منخفضة جدا ولا تكفي لمواكبة تكاليف المعيشة. أنا، لحسن الحظ، وجدت تطبيقا أجنبيا أعمل من خلاله، وأستطيع بفضله إعالة نفسي ومساعدة بعض أفراد أسرتي".
ما جدوى التصويت؟ هذا السؤال يختصر جزءا من حالة التردد التي تسبق الانتخابات.
فالشباب الذين خرجوا إلى الشوارع خلال احتجاجات العام الماضي لا ينظرون جميعا إلى الانتخابات باعتبارها امتدادا طبيعيا لنشاطهم الاحتجاجي. بل إن بعضهم يرى أن المؤسسات الحزبية لا تمثل المطالب التي عبّر عنها المحتجون.
في السياق ذاته، وبعد نحو عام من احتجاجات "جيل زد"، شهدت مدينة سبتة الخاضعة للسيطرة الإسبانية في أواخر يوليو/تموز موجة عبور جماعي شملت عشرات الآلاف من المغاربة.
هذا الأمر بحسب مراقبين يفسر حالة الإحباط لدى الشباب، ويشكل تعبيرا جديدا عن المظالم الاجتماعية والاقتصادية ذاتها التي دفعت الشباب إلى الاحتجاج.
يقول كريم: "إذا أتيحت لي الفرصة للهجرة، فلن أتردد. لا أريد أن أبقى هنا وأعيش في هذه الظروف. بالنسبة لي، السياسة لم تعد مرتبطة بما نسمعه من شعارات، وإنما بما نلمسه في حياتنا اليومية. ونحن، الشباب، نريد العمل والاستقرار وفرصة لبناء مستقبلنا".
خلافا لذلك تماما، تتشبث سلمى بضرورة "التغيير من داخل المؤسسات" وتؤكد الطالبة الجامعية والناشطة الحزبية أن "الشباب لديهم القدرة على تغيير واقعهم بأنفسهم عبر اختيار من يمثلهم بشكل ديمقراطي حر".
تقول الشابة الثلاثينية "اقتفيت أثر والدي وانضممت إلى حزب سياسي منحني مساحة التعبير والاختلاف وإسماع صوتي، لا أفهم من يفضل التفرج من بعيد كيف له أن ينتزع مطالبه؟ التغيير بالنسبة لي يبدأ من الإيمان بجدوى العمل السياسي وقدرة المؤسسات على تحقيق ذلك".
بعد احتجاجات "جيل زد"، أطلقت الحكومة مجموعة من الإجراءات بهدف تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية.
ومن بين هذه الإجراءات برنامج يسمح بتغطية ما يصل إلى 75% من نفقات الحملات الانتخابية للمرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما.
كما تضمن الإصلاح مقتضيات لتعزيز مشاركة الشباب والنساء في تأسيس الأحزاب السياسية. لكن هذه الخطوات لم تقنع جميع الشباب.
ومن بين الإجراءات الجديدة، تبسيط شروط ترشح الشباب غير المنتمين حزبيا، إذ يشترط إرفاق الترشيح بما لا يقل عن 200 توقيع لناخبات وناخبي الدائرة الانتخابية المعنية، مع شروط إضافية تتعلق بنسبة توقيعات النساء والتوزيع الجغرافي في الدوائر الجهوية.
يربط جزء من الشباب احتجاجاتهم بمشكلات الخدمات العامة. ففي أعقاب احتجاجات شهدتها البلاد، جاء تعزيز مخصصات قطاعي الصحة والتعليم ضمن أولويات ميزانية 2026، تنفيذا لتوجيهات ملكية، ليصل الغلاف المالي المخصص للقطاعين إلى 140 مليار درهم (14 مليار دولار)، مع إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي. كما أعلنت الحكومة عن إطلاق عملية لتأهيل وتجديد 90 مستشفى.
لكن تنفيذ هذه الإصلاحات يحتاج إلى وقت، فيما تظهر بيانات المجلس الأعلى للحسابات استمرار بعض التحديات. فقد بلغت حصة النفقات الصحية التي يتحملها المؤمنون من جيوبهم نحو 34% من الكلفة الفعلية للعلاجات في عام 2024.
كما استحوذت مؤسسات القطاع الخاص على نحو 91% من إجمالي النفقات لنظام التأمين الصحي الإجباري في 2024، مقابل 9% للمؤسسات العمومية، بحسب المجلس الأعلى للحسابات، في حين يعتمد جزء كبير من المواطنين على القطاع العام للحصول على الرعاية الصحية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن زيادة الإنفاق وإطلاق مشاريع جديدة لا يعني بالضرورة ظهور نتائج ملموسة وفورية بالنسبة إلى المواطنين، إذ يتوقف أثر الإصلاحات أيضا على سرعة تنفيذها وقدرتها على تحسين الوصول إلى الخدمات وجودتها.
تعكس مواقف بعض الشباب أشكالا مختلفة من التعبير عن عدم الرضا، من الاحتجاج إلى التفكير في الهجرة، في وقت يقول فيه بعضهم إنه لا يرى في المشاركة الحزبية أو الانتخابية وسيلة كافية للتعبير عن مطالبه.
سناء، طالبة جامعية دأبت على المشاركة بانتظام في مظاهرات "جيل زد"، ترى في الاحتجاج "وسيلة أنجع لإيصال صوت الشباب مقارنة بالمشاركة السياسية"، وتعتبر أن "سلطة القرار بعيدة عن الأحزاب، بل وحتى الحكومة". تقول موضحة "أنا واعية بأن القرارات الاستراتيجية الكبرى لا تتخذ في البرلمان، وأن صلاحيات هذه المؤسسة محدودة، لكني لا أنفي مسؤوليتها فيما نعانيه اليوم، لذلك اتخذت قراري بعدم التصويت".
في المقابل، يرى طارق أتلاتي، رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية أن المغرب "شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات مهمة على المستويات الاقتصادية والبنية التحتية والدبلوماسية"، مستشهدا "بتوسع شبكات الطرق والقطارات والموانئ، وتطور قطاعات صناعية ولوجستية ومشاريع مرتبطة بالطاقة والماء، فضلا عن الاستعدادات لكأس العالم 2030". لكنه يرى على الرغم من ذلك أن "أثر هذه التحولات لا يزال متفاوتا بين الفئات والمناطق، في ظل تحديات مرتبطة بفرص الشغل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم".
خلال الانتخابات التشريعية لعام 2021 بلغت نسبة المشاركة نحو 50% من الناخبين المؤهلين.
لكن كثيرين يخشون أن تشهد انتخابات 2026 زيادة في الامتناع عن التصويت. إذ يعد عدد الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية هذه السنة أقل بنحو 2,2 مليون ناخب مقارنة بعام 2021.
ويفسر عدد من المحللين ارتفاع نسبة المشاركة في انتخابات 2021 بإجراء الانتخابات التشريعية والمحلية في اليوم نفسه.
تعود قضية تمثيل الشباب في البرلمان المغربي إلى تعديلات أعقبت احتجاجات 2011.
ففي انتخابات ذلك العام، خُصص ضمن القائمة الوطنية 30 مقعدا لمرشحين من الرجال الذين تقل أعمارهم عن 40 عاما، إلى جانب 60 مقعدا للنساء، بهدف تعزيز حضور فئات أقل تمثيلا في مجلس النواب. واستمر هذا الترتيب في انتخابات 2016، مع تعديل جعل مقاعد الشباب الثلاثين موزعة بالتساوي بين النساء والرجال.
لكن إصلاح النظام الانتخابي قبل انتخابات 2021 ألغى القائمة الوطنية بصيغتها السابقة، وحول المقاعد التسعين إلى دوائر انتخابية جهوية مخصصة في الممارسة للنساء، ما أنهى نظام الحصة الوطنية المخصصة للشباب.
هذا الأمر أعاد مسألة ضعف تمثيل الشباب في المؤسسات المنتخبة إلى واجهة النقاش، خصوصا في ظل عدم وجود حصة مماثلة لهم في مجلس النواب حاليا.
تدخل الانتخابات التشريعية المغربية لعام 2026 في سياق مختلف عن انتخابات 2021، بعدما أعادت احتجاجات "جيل زد 212" قضايا الصحة والتعليم والبطالة والقدرة الشرائية إلى صدارة النقاش العام.
وفيما تراهن الأحزاب على تعبئة الناخبين الشباب، وإقناعهم بجدوى التصويت، يرى كثير من هؤلاء أن الاحتجاج أو الهجرة أكثر قدرة على التغيير أو التعبير عن مطالبهم.
Loading ads...
طارق أتلاتي يرى أن هذه التحديات "لا تلغي التحولات التي شهدها المغرب، لكنها تكشف عن فجوة بين السياسات والاستراتيجيات الكبرى وبين أثرها على الحياة اليومية لبعض الفئات والمناطق".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




