ساعة واحدة
لماذا ما يزال النازحون في الداخل السوري يعيشون مأساة إنسانية؟
الجمعة، 22 مايو 2026
جاء التحول السياسي التاريخي في سوريا في كانون الأول 2024 ليرسم نهاية لعقود من حكم حزب البعث في ظل نظام الأسد، ما أثار تكهنات واسعة على المستوى الدولي حول انتقال هذا البلد نحو مرحلة الاستقرار والتعافي. وتعتبر فكرة تغيير القيادة المركزية بوصف ذلك المحرك الأساسي للتخلص من الأزمة الكارثة الإنسانية فكرة منطقية من الناحية النظرية، لكن الواقع الحالي في سوريا يقف ضد هذه الفرضية، إذ ما يزال ملايين النازحين داخلياً يواجهون حالة من الهشاشة الشديدة، ما يثبت أن التحولات السياسية لا تتحول من تلقاء نفسها إلى أمان على الصعيد الإنساني.
تطرح مسألة فهم هذه الدينامية سؤالين رئيسيين: أولهما يتصل بالوضع الحالي لهؤلاء النازحين والنازحات في الداخل السوري، والثاني يتصل بأسباب استمرار أزمة انعدام الأمن الغذائي الحاد رغم التغيرات الهيكلية. فعلى الرغم من تغير القيادة السياسية كلياً، فإن الظروف على المستوى الجزئي مثل البنية التحتية المدمرة، وانهيار المنظومة الاقتصادية، وتلوث المياه الجوفية، والمشكلات المناخية، ما تزال على حالها من دون أي تغيير.
يشهد واقع النازحين والنازحات في الداخل السوري تحولاً هائلاً، يتمثل في ارتفاع أعداد العائدين والعائدات إلى جانب استمرار وجود ثغرة في مسألة حمايتهم. فبعد التحول السياسي، وثّقت الوكالات الإنسانية الدولية تغيراً ديموغرافياً ملحوظاً، إذ ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عاد منذ تغيير النظام وحتى نهاية يناير من هذا العام نحو 1,372,352 لاجئاً ولاجئة من الدول المجاورة. وبين مطلع 2025 ومنتصف 2026، حاول نحو 1,700,615 نازحاً ونازحة في الداخل العودة إلى مناطقهم الأصلية، من أصل نحو 5,542,227 نازحاً داخل البلد.
قد تبدو هذه الحركة الجماعية عودة إلى الوضع الطبيعي، غير أن وضع العائدين وسكان المخيمات ما يزال بالغ الهشاشة. فالعائدون يواجهون صعوبة في العثور على أماكن للسكن وسط الركام، بينما يفتقر المقيمون في المخيمات إلى الخدمات الأساسية بسبب شعور المانحين الدوليين بالإرهاق والتعب، ما خلق كارثة إنسانية مستمرة. كما تضررت البنية التحتية في سوريا بشكل كبير، بما في ذلك محطات معالجة المياه، وشبكات الكهرباء، والمدارس، والمرافق الطبية، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، إلى جانب عدم توفر الوثائق القانونية، وهذا ما يحرم النازحين داخلياً من تحقيق استقرار دائم.
وفي هذا السياق، يشكل استمرار انعدام الأمن الغذائي الحاد تهديداً كبيراً على حياتهم، إذ تشير تقارير حديثة صدرت عن برنامج الغذاء العالمي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن أكثر من نصف سكان سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل أدنى مستويات الأمن الغذائي بين النازحين داخلياً في مختلف أنحاء البلد. أما في مخيمات النازحين، فإن نسبة الأسر التي تتمتع بأمن غذائي تقل عن 10%
بداية، أدى التدمير الكامل لسبل العيش المحلية إلى تقويض القدرة الشرائية لدى النازحين، في وقت أضحت البلد تعاني تضخماً مفرطاً، ونقصاً في احتياطي العملات الأجنبية، مع تعطل النظام المصرفي الرسمي. وبما أن النازحين فقدوا أصولهم الأساسية من أراضٍ وأعمال تجارية، فإنهم صاروا يعتمدون بشكل شبه كامل على العمل المياوم غير المستقر، الذي يتميز بارتفاع الطلب وانخفاض الأجور. كما أن الفجوة بين متوسط دخل الأسرة والكلفة الأساسية للغذاء قد اتسعت بشكل كبير، ما دفع الأسر إلى إنفاق معظم دخلها على تلبية الاحتياجات الأساسية اليومية.
ثانياً، في السابق، كان القطاع الزراعي المدمّر اليوم أحد أعمدة الاكتفاء الذاتي الغذائي في سوريا. وقد تراجع هذا القطاع بشكل حاد بسبب انتشار المتفجرات التي لوثت الأراضي والمياه، إذ تُعد سوريا من أكثر دول العالم تلوثاً بالذخائر غير المنفجرة والألغام والعبوات الناسفة. وتتركز هذه المخلفات في المناطق الريفية الخصبة، حيث لم يعد بوسع المزارعين النازحين استصلاح أراضيهم أو زراعتها بأمان. كما أن التدمير المتعمد لشبكات الري خلال الحرب، إلى جانب تلوث التربة والمياه الناتج عن التكرير النفطي غير المنظم في محافظات مثل دير الزور، جعل آلاف الهكتارات غير صالحة للزراعة بشكل دائم.
ثالثاً، أدت حالات الفشل البنيوية التي خلفتها الحرب إلى تفاقم مشكلات بيئية على نطاق واسع، إذ تمر المنطقة حالياً بأسوأ موجة جفاف منذ ما يقارب أربعة عقود، مع انخفاض شديد في معدلات الهطولات المطرية وموجات الحرّ القاسية. فخلال عام 2025 وحده، أدت هذه الظواهر المناخية إلى تلف قرابة 95% من المحاصيل، ما خفّض الإنتاج الوطني من الحبوب إلى ما يزيد على 60% مقارنة بمتوسط الإنتاج المعهود. وقد تفاقم الوضع في مطلع عام 2026 عندما ضربت عواصف ثلجية شتوية وفيضانات محلية مفاجئة محافظات حلب وإدلب وحماة وحمص، حيث غمرت المياه الأراضي الزراعية، وأهلكت المواشي، وجرفت مخزونات البذور، ودمرت مخيمات النازحين الهشة، ما قوض أي تعافٍ زراعي تحقق على مستوى محدود في البلد.
Loading ads...
وختاماً، يدل استمرار انعدام الأمن الغذائي بين النازحين في الداخل على أن التغير في المشهد السياسي لا يؤدي تلقائياً إلى استعادة إمكانيات مؤسسات الدولة. فالحكومة السورية الجديدة تعمل ضمن فراغ مؤسسي عميق، يفاقمه نقص في الكتلة المالية، والخبرة التقنية، والموارد اللوجستية اللازمة لإعادة الإعمار على نطاق واسع. ورغم أن عبء منع ظهور المجاعة كبيرة يقع على عاتق المنظمات الإنسانية الدولية بصورة أساسية، فإن القيود التشغيلية والمخاطر الأمنية المحلية تعرقل تحقيق أي تقدم في هذا المضمار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

