ساعة واحدة
البرلمان المغربي يمنح الثقة لحكومة المنصوري.. فماذا عن الوعود؟
الخميس، 22 أكتوبر 2026

صادق مجلس النواب المغربي، الخميس، بالأغلبية على البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بتأييد 204 نواب ومعارضة 127 نائباً.
وبينما تراهن الحكومة على ترسيخ دعائم "الدولة الاجتماعية" وتسريع النمو، تواجه تحدي تحويل وعودها إلى نتائج ملموسة في ظل قيود مالية صارمة، وسط ترقب شعبي لمدى انعكاس تعهداتها الاجتماعية والاقتصادية على حياة المواطنين.
وذكرت وكالة الأنباء المغربية أن التصويت منح الحكومة الجديدة ثقة مجلس النواب، وفقاً للفصل 88 من الدستور، الذي يشترط لتنصيبها موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس على برنامجها.
وبمصادقة مجلس النواب على البرنامج، تكون الحكومة الجديدة قد استوفت الشروط الدستورية اللازمة لتنصيبها.
وكان أعضاء الحكومة الجديدة قد أدوا اليمين الدستورية أمام ملك المغرب محمد السادس، الجمعة الماضي، بعدما كُلّفت فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيلها في أواخر سبتمبر.
من جهتها، اعتبرت فرق المعارضة بمجلس النواب المغربي أن البرنامج الحكومي يفتقر إلى رؤية إصلاحية واضحة، في ظل غياب مؤشرات دقيقة وآجال زمنية محددة لتنفيذ الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن نقص الإجراءات العملية والتناقض بين الوعود الانتخابية والتشكيلة الحكومية التي شهدت، بحسب قولها، تغييب قطاعات استراتيجية، وفق ما أوردته وكالة الأنباء المغربية.
وخلال جلسة عامة خُصصت لمناقشة البرنامج، انتقدت فرق المعارضة والمجموعة النيابية ما وصفته بتراجع الاهتمام بتخليق الحياة العامة، لا سيما الالتزامات المتعلقة بـ"محاربة الفساد والريع"، وإغفال قضايا "الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح"، بحسب الوكالة.
وأكدت الحكومة الائتلافية بقيادة فاطمة المنصوري أن برنامجها يستهدف ترسيخ دعائم "الدولة الاجتماعية" وتسريع وتيرة النمو. ويمثل البرنامج، بحسب مراقبين، محاولة للانتقال من مرحلة تعبئة الاستثمارات وإطلاق الإصلاحات إلى تقييم مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، غير أن تنفيذه يواجه تحدياً يتمثل في مدى قابليته للتطبيق في ظل قيود مالية صارمة.
ويتابع المغاربة الوعود الاجتماعية التي قطعتها الحكومة بأمل يشوبه بعض الحذر، إذ قال عبد الواحد (64 عاماً)، وهو متقاعد من القطاع الخاص يتقاضى معاشاً لا يتجاوز ألف درهم (102 دولار)، إن رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3 آلاف درهم، إذا تحقق، سينقذ آلاف الأسر من الهشاشة.
وأضاف عبد الواحد: "اعتدنا الانتظار الطويل، ونخشى أن تتبدد هذه الآمال بذريعة أزمات الصناديق ومشكلات التمويل".
أما فاطمة (41 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال ومستفيدة من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، فأعربت عن ارتياحها النسبي لوعود الحكومة بزيادة الدعم تدريجياً من 500 إلى ألف درهم، قائلة: "ساعدنا مبلغ الـ500 درهم كثيراً في مواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وإذا تضاعف ليصل إلى ألف درهم، فسيشكل متنفساً حقيقياً يخفف عنا وطأة الارتفاعات المتتالية في الأسعار".
وفي قراءته للتبعات المالية لهذه الالتزامات، قال الخبير الاقتصادي رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن الحكومة لم تكن تتحمل في البداية كلفة دعم اجتماعي منتظم بقيمة 500 درهم بالسهولة التي قد يتصورها البعض.
وأضاف ساري لـ"الشرق" أن رفع المبلغ إلى ألف درهم لأكثر من 2.9 مليون مستفيد، من دون ضوابط صارمة أو مصادر تمويل واضحة، سيضع الخزينة العامة أمام عبء مالي ثقيل قد يصعب تغطيته، وربما يضطرها لاحقاً إلى الاقتراض على حساب موازنات الاستثمار، أو يؤدي إلى اختلالات هيكلية في التوازنات الاقتصادية الكلية.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية أمين سامي، أستاذ التخطيط الاستراتيجي، الذي يرى أن توسيع الحماية الصحية وزيادة الدعم وتحسين المعاشات تمثل التزامات مهمة، لكنها تتطلب تأمين موارد مالية مستدامة وضمان استفادة المواطنين منها فعلياً.
وأكد سامي أن الحقوق الاجتماعية لا تتحقق بمجرد التسجيل في البرامج أو الإعلان عن المخصصات، بل تتوقف أيضاً على جودة الخدمات وسهولة حصول المواطنين عليها.
كشف تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) عن الكلفة المالية المتوقعة للبرامج الاجتماعية الواردة في البرنامج الحكومي، مشيراً إلى أن كل زيادة بقيمة 500 درهم في الدعم الاجتماعي المباشر لكل مليون أسرة تكلف نحو 6 مليارات درهم سنوياً (611 مليون دولار).
وبحسب سيناريو توضيحي يفترض استفادة 3.9 ملايين أسرة من الزيادة طوال العام، ترتفع الكلفة الإضافية إلى نحو 23.4 مليار درهم سنوياً (2.382 مليار دولار).
وفي ما يتعلق بأنظمة التقاعد، قدّر التقرير الكلفة السنوية لرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3 آلاف درهم شهرياً بنحو 2.4 مليار درهم لكل 100 ألف متقاعد في القطاع الخاص، و1.8 مليار درهم لكل 100 ألف متقاعد في القطاع العام. ويمثل هذا المبلغ ما يصل إلى 3 أضعاف الحد الأدنى الحالي في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ونحو ضعف نظيره في الصندوق المغربي للتقاعد، وفق التقرير. كما يشمل التصور مضاعفة معاش الأرملة ليصل إلى 100%، بدلاً من 50% سابقاً.
وأوضح رشيد ساري أن هذه الزيادات تواجه تحديات، أبرزها غياب إحصاء دقيق ومسبق للمستفيدين، وعدم إجراء إصلاح عميق لأنظمة التقاعد التي تعاني أصلاً من "اختلالات هيكلية واستنزاف مالي"، ما قد يزيد الضغوط عليها في حال تنفيذ هذه الالتزامات.
يمثّل الإطار الاقتصادي الكلي للبرنامج الحكومي إحدى أبرز نقاط التباين بين الطموحات السياسية والواقع الاقتصادي، إذ يستهدف البرنامج تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5% خلال الفترة من 2027 إلى 2031، مع حصر عجز الميزانية في حدود 3%.
لكن هذه المستهدفات تبدو أعلى من توقعات البنك المركزي المغربي، الذي يرجح ألا يتجاوز النمو 2.9% في عام 2027، فيما يتوقع عجزاً في الميزانية عند 3.4% في عام 2026 و3.5% في عام 2027.
وفي تعليقه على هذا التباين، قال رشيد ساري إن مستهدف النمو البالغ 5% يتعارض مع توقعات البنك المركزي المغربي وصندوق النقد الدولي، التي ترجح نمواً في حدود 2.9%.
وأشار إلى أن الحكومة تستند إلى فرضيات متفائلة للغاية، من بينها افتراض تحقيق محصول زراعي استثنائي يبلغ 7 ملايين طن سنوياً، والمبالغة في تقدير مساهمة القطاع الفلاحي، في وقت لا تسهم فيه القطاعات غير الفلاحية بما يكفي لخلق الثروة وفرص العمل.
وانتقد ساري أيضاً حجم موازنات الاستثمار، التي تبلغ نحو 380 مليار درهم، معتبراً أن توجيهها إلى البنية التحتية من دون ارتباط كافٍ بإنتاج قيمة مضافة حقيقية يحدّ من قدرتها على معالجة أزمة البطالة.
ويشير تقرير المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) إلى أن تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5% خلال الفترة المستهدفة يتطلب تسارع النمو إلى نحو 5.5% سنوياً بين عامي 2028 و2031، لتعويض تباطؤ النمو المتوقع في 2027. غير أن بلوغ هذه المعدلات يظل غير مضمون، في ظل غياب محركات قطاعية واضحة ومؤكدة لتحقيق هذا التسارع.
وشكّل خفض ضريبة الدخل أحد أبرز الوعود الانتخابية التي رفعها حزب الأصالة والمعاصرة، قائد الائتلاف الحكومي، خلال الحملة الانتخابية. لكن البرنامج الحكومي كشف عن تراجع ملحوظ عن تلك الوعود، مع تقليص طموحات الإصلاح الضريبي.
فبعد أن نصّ البرنامج الانتخابي على إصلاح جذري يقضي بإعفاء الأجور الإجمالية التي تقل عن 15 ألف درهم (نحو 12.500 درهم صافياً)، وإقرار شريحتين ضريبيتين فقط بمعدلين يبلغ أقصاهما 20%، جاء البرنامج الحكومي ليرفع سقف الإعفاء من الضريبة على الدخل الصافي إلى 60 ألف درهم سنوياً فقط (بمعدل 5 آلاف درهم شهرياً)، ويقرّ 3 شرائح بمعدلات 10% و20% و30%، بدلاً من الاكتفاء بمعدلين لا يتجاوز أعلاهما 20%، وفق الوعود الانتخابية.
وفي هذا السياق، اعتبر رشيد ساري أن "هذا التراجع لم يكن مستغرباً في جوهره، بالنظر إلى ضخامة الكلفة، لكن الاستغراب يكمن في تسويق وعود واهية على نحو غير جاد، رغم وضوح استحالة تنفيذها"، لافتاً إلى أن "إقرار معدل ضريبي أقصى يبلغ 20% وعتبة إعفاء عند 15 ألف درهم كان من قبيل 'السريالية الانتخابية'. واليوم، نجد أن التقسيم الجديد، وإن كان أكثر واقعية، فإنه لا يعفي الحكومة من مسؤولية التراجع عن وعودها للمواطنين".
ورغم أن التعديل يحقق زيادة في الدخل الصافي للأجور التي تتجاوز عتبة الإعفاء، لا تقل عن ألفي درهم سنوياً، فإنه يضع الميزانية أمام خسارة جبائية فورية ومؤكدة، يقدّرها خبراء الاقتصاد بنحو 4.9 مليار درهم نتيجة خفض المعدل الضريبي الأقصى وحده، بواقع 700 مليون درهم عن كل نقطة مئوية يُخفض بها المعدل من 37% إلى 30%.
وقال أمين سامي إن التحدي الأكبر أمام الحكومة يتمثل في "الانتقال من نموذج يعتمد على زيادة الاستثمار والمدخلات إلى نموذج يقوم على رفع الإنتاجية، وتطوير الموردين المحليين، ونقل التكنولوجيا، وتحسين القيمة المضافة، مع إدماج القيود المائية والطاقية والمناخية في القرارات الاستثمارية".
ويرى رشيد ساري وأمين سامي أن السنوات الخمس المقبلة ستشكّل اختباراً لقدرة العمل الحكومي على الانتقال من التدبير القطاعي المجزأ إلى التدبير التكاملي، وإرساء قيادة موحّدة للنتائج تتيح مساءلة كل قطاع وجهة عن أثر الموارد التي يعبّئها.
Loading ads...
وأكدا أن النجاح لن يُقاس بحجم الإنفاق أو عدد المشاريع المعلنة، بل بقدرة المغرب على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على توفير فرص العمل وتحقيق الإدماج، إلى جانب ترسيخ دولة اجتماعية تقدم خدمات أعلى جودة وأكثر استدامة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




