إساءات الطفولة وصدماتها حين تتحدث النفس بصمت
هذا النص ليس مقالًا تقليديًا، بل هو أقرب إلى خواطر نفسية عميقة تقدمها الدكتورة سنابل الأخرس لتعبر عن الصوت الداخلي لضحايا إساءات الطفولة وصدماتها، ذلك الصوت الذي قد لا يُقال بصوتٍ عالٍ، لكنه يعيش داخل الإنسان لسنوات طويلة. وهي محاولة لوضع كلمات لما يشعر به كثيرون في صمت، ولمقاربة الألم من زاوية إنسانية صادقة، كما قد تراه طبيبة نفسية تُنصت جيدًا لما لا يُقال.
إلى ذلك الجزء فيك الذي ما زال يلوم نفسه
إلى الجزء الصامت فيك،
الذي ما زال، رغم كل هذه السنوات،
إلى ذلك الجزء الذي يراك من الداخل،
لا كما يراك الناس من الخارج.
الناس قد يرونك قويًا، ناجحًا، متماسكًا، وربما يظنون أن كل شيء على ما يرام،
لكن هذا الجزء يعرف الحقيقة التي لا تُرى:
يعرف كم مرة انهرت بصمت،
وكم مرة دخلت في دوامة لومٍ لا تنتهي،
وكم مرة حاولت أن تمحو شعورًا داخليًا بالعيب أو القذارة النفسية أو الانكسار… ولم تستطع.
إساءات الطفولة : بين الذنب والأذى
في سياق إساءات الطفولة ، كثيرًا ما يحدث خلط مؤلم بين الذنب والأذى.
أريدك أن تعرف أن هذا الجزء فيك لا يحتاج إلى مزيد من التوبيخ؛
لأنه ببساطة لم يُخطئ كي يُعاقب… بل تأذى.
وهناك فرق عميق بين من أخطأ،
ومن تأذى ثم لم يعرف كيف يحمل ألمه.
كثير من الضحايا يعيشون وهم يظنون أن الشعور بالذنب هو حكم أخلاقي على ما حدث،
بينما هو في الحقيقة، في كثير من الأحيان، محاولة نفسية غير واعية للسيطرة على شيء لم يكن قابلًا للسيطرة أصلًا.
عندما تقول لنفسك:
فأنت لا تتهم نفسك فقط،
بل تحاول أن تخلق تفسيرًا يمنحك وهمًا بأن ما حدث كان يمكن تجنبه لو كنت مختلفًا.
وهذا الوهم، رغم قسوته، قد يبدو أهون من مواجهة الحقيقة الأكثر إيلامًا:
أن ما حدث كان ظلمًا صريحًا،
وأنك كنت فيه بلا حماية كافية.
حقيقة الطفل في لحظة الصدمة
واحدة من أهم الحقائق التي يتم تجاهلها عند الحديث عن إساءات الطفولة ،أن الطفل ليس راشدًا صغيرًا.
إدراكه لتعقيد العلاقات والقوة والخطر
وعندما يُوضع في موقف صادم أو مربك أو منتهك، فهو لا يتصرف كما يتخيل الناس في القصص أو الأفلام، بل كما يسمح له جهازه العصبي ووعيه المحدود في تلك اللحظة.
قد يتجمّد، قد يساير لينجو، قد لا يفهم ما حدث إلا بعد سنوات، قد يشعر بالاشمئزاز، ثم يعود ليشك في نفسه، قد ينسى التفاصيل، لكنه يحتفظ بالإحساس، وأحيانًا، قد يكره نفسه بدل أن يكره المعتدي، لأن كراهية الذات قد تبدو أسهل من مواجهة خيانة جاءت من الخارج.
"لم يكن ذنبك": ليست مواساة… بل حقيقة
حين نقول لك في سياق إساءات الطفولة: صدمات الطفولة:
فنحن لا نكرر عبارة تعاطف فارغة،
بل نصف حقيقة نفسية وأخلاقية كاملة.
لم يكن ذنبك لأنك لم تكن صاحب القوة.
لم يكن ذنبك لأنك لم تختر الموقف.
لم يكن ذنبك لأنك لم تملك أدوات الحماية.
لم يكن ذنبك لأن استجاباتك كانت استجابات نجاة، لا قرارات واعية متكافئة.
وحتى لو تأخر فهمك،
فهذا لا يُنقص من صدق ألمك.
وحتى لو بقي داخلك ارتباك،
فهذا لا يُلغي حقيقة أنك تعرضت للأذى.
وحتى لو شعرت أن جزءًا منك مكسور،
فالكسر لا يعني العيب،
بل يعني أن هناك ألمًا يحتاج عناية، لا إدانة.
استعادة الكرامة بعد صدمات الطفولة
أنت لا تحتاج أن تثبت لأحد أنك تستحق الرحمة.
مجرد كونك إنسانًا تأذى… يكفي.
مجرد كونك حملت هذا الألم بصمت… يكفي.
مجرد أنك ما زلت تحاول أن تفهم نفسك بدل أن تهرب منها… فهذه شجاعة حقيقية.
وربما حان الوقت أن تقول لذلك الجزء الصغير فيك:
أنا أفهم لماذا صمتّ، ولماذا خفتّ، ولماذا ارتبكت.
أنا لا أراك مذنبًا،
بل أراك طفلًا لم يُحمَ كما ينبغي،
وإنسانًا كبر وهو يحمل قصة أثقل من عمره.
الشفاء من إساءات الطفولة
في رحلة التعافي من إساءات الطفولة
الشفاء لا يعني أن تنكر ما حدث،
ولا أن تُقنع نفسك بأنك لم تتأذَّ.
بل أن تتوقف عن تفسير هذا الأذى على أنه نقص فيك.
أن تفهم أن جراحك لا تُلغي كرامتك.
وأن الماضي، مهما كان قاسيًا، لا يملك الحق أن يحدد قيمتك إلى الأبد.
قد لا يختفي الشعور بالذنب أو الخزي دفعة واحدة،
لأنهما لم يتشكّلا دفعة واحدة،
لكن في كل مرة تفهم فيها نفسك بعدل،
وفي كل مرة تُسكت صوت الإدانة،
وفي كل مرة تعيد المسؤولية إلى مكانها الصحيح،
فأنت تستعيد جزءًا من نفسك.
رسالة مهمة لك...
أنت لست مكسور القيمة.
أنت لست شريكًا فيما حدث لك.
أنت إنسان له كرامة كاملة، حتى لو حاول الألم أن يقنعك بغير ذلك.
ارفع عن نفسك هذه التهمة…
لقد حملتها طويلًا.
وحان الوقت أن تحمل بدلًا منها شيئًا أكثر صدقًا:
الرحمة… والإنصاف… والكرامة.
Loading ads...
آخر تعديل بتاريخ
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





