ليست المشكلة اليوم ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية ستوجّه ضربة عسكرية إلى إيران أم لا، بل فيما يجري قبل الضربة. فالمنطقة تعيش لحظة ما قبل الحسم، وهذه اللحظة أخطر من الحسم نفسه، لأنها لحظة إعادة تموضع كبرى. في هذا السياق تحديدًا يجب قراءة زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل بعد عامين على "طوفان الأقصى"، وما خلفه من تبعات وتحولات، لا كزيارة ثنائية، بل كإشارة إلى دخول جنوب آسيا رسميًا في معادلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
بنيامين نتنياهو لا يتحدث منذ أشهر بلغة إدارة الصراع، بل بلغة إعادة هندسة الإقليم. وهو بات يطرح بوضوح فكرة الانتقال من مرحلة الاشتباك مع "محور شيعي" تقوده إيران إلى مرحلة بناء شبكة مضادة تتجاوز حدود التطبيع التقليدي في مواجهة محور "سني" يهدد أمن إسرائيل استراتيجيًا، بتماهٍ واضح مع كل مكونات الأحزاب الإسرائيلية، والتي تحدث مؤخراً باسمهم نفتالي بنت، الذي أشار إلى أن أنقرة هي "إيران الجديدة".
في المقابل، هناك مسار آخر يتشكل بهدوء، تقاطع مصالح بين تركيا وسوريا والسعودية، مع حضور ثابت لمصر وتمدد محسوب لباكستان. لا أحد يعلن قيام محور بعينه، لكن الجميع يعيد ترتيب علاقاته بما يناسب مرحلة ما بعد ضرب إيران أو إضعافها، سواء جاءت المواجهة أو لم تأتِ.
بالنسبة إلى الهند، لا يمكن ترك الشرق الأوسط يُعاد ترتيبه من دون حضور مباشر.
والتحول السوري عنصر أساسي في هذا المشهد. دمشق لم تعد مجرد ساحة مفتوحة، بل استعادت تدريجيًا قدرتها على فرض وقائع في الشمال والشرق، مع انحسار مشروع قوات سوريا الديمقراطية ككيان شبه مستقل، والدفع نحو إعادة إدماج تلك المناطق ضمن بنية الدولة الوطنية. وفي الجنوب، يجري العمل على تسويات أمنية وسياسية تعيد تثبيت المرجعية المركزية. هذا يعني أن سوريا لم تعد ملفًا يُدار من الخارج فقط، بل باتت لاعبًا محتملاً في أي ترتيب إقليمي جديد، خصوصًا فيما يتعلق بتركيا وإسرائيل والعالم العربي.
في المقابل، تتحرك السعودية بعقل بارد، فالرياض التي تقدم نفسها كموقع للوساطة والأدوار، لا تصطف أيديولوجيًا، بل توازن. عبر دعمها المفتوح لدمشق، وتنسيقها المستمر مع أنقرة، وشراكاتها الدفاعية مع باكستان، وحفاظها على موقعها التقليدي مع القاهرة، كلها عناصر في شبكة أمان استراتيجية. العناق السياسي بين محمد بن سلمان ونواز شريف لا يُقرأ في الرياض كرسالة ضد أحد، لكنه في نيودلهي يُقرأ بعين مختلفة. فالهند تخوض صراعًا بنيويًا مع باكستان، وأي تعمّق في العلاقة السعودية–الباكستانية يحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والجيش والتوازنات الإقليمية.
هنا نفهم لماذا اختار مودي هذا التوقيت لزيارة إسرائيل. فبالنسبة إلى الهند، لا يمكن ترك الشرق الأوسط يُعاد ترتيبه من دون حضور مباشر. وعلاقتها مع إسرائيل استراتيجية في التكنولوجيا والدفاع والاستخبارات. وعلاقتها مع الخليج، وتحديدًا مع الإمارات، حيوية في الطاقة والاقتصاد، لكنها لا تستطيع تجاهل أي اصطفاف إسلامي–آسيوي قد يمنح باكستان عمقًا إضافيًا. بالتالي، وجود مودي في تل أبيب هو تثبيت موقع، وربما رسالة غير مباشرة إلى الرياض وإسلام آباد معًا.
ونتنياهو يلوّح بشبكة مضادة تضم إسرائيل والهند إلى جانب اليونان وقبرص والإمارات، وهذا ليس محورًا عقائديًا، بل قوس توازن يمتد من آسيا إلى شرق المتوسط. واليونان وقبرص في مواجهة النفوذ التركي، الإمارات في إطار تنافس إقليمي ومشاغبة مع الرياض في السودان واليمن، والهند في سياق صراعها مع باكستان. إسرائيل تحاول جمع هذه الخيوط في شبكة واحدة تمنحها هامش حركة أوسع في لحظة اضطراب.
في الداخل اللبناني، يتعامل حزب الله ببراغماتية واضحة. الإيحاء بأن التدخل لن يكون تلقائيًا إذا كانت الضربة محدودة يعكس إدراكًا أن أي انخراط واسع قد يجر لبنان إلى معركة لا يريدها أحد في هذه المرحلة.
في حين لبنان يقف وسط هذا التشابك، في ظل الترقب لما يُسمى "الساعة الصفر"، مع فتح نقاش انضمامه إلى مشروع "طريق الهند–الشرق الأوسط–أوروبا" (IMEC)، بمباركة الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي خاض معركة الترسيم البحري مع قبرص، والتي سببت إمتاعًا شديدًا لتركيا.
والمشروع يُطرح كنافذة اقتصادية، لكنه في جوهره تموضع داخل شبكة تقودها واشنطن وأوروبا والهند وتحظى بدعم إسرائيلي. زيارة الموفد الفرنسي جيرار ميستراليه تعكس أن باريس تمسك بالزاوية اللبنانية من المشهد، في وقت تنشغل فيه واشنطن بإدارة التصعيد مع إيران. وفي الناقورة، ترؤس فرنسا اجتماع "الميكانيزم" في ظل انشغال الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد يشير إلى أن الملفات اللبنانية مؤجلة إلى ما بعد اتضاح المسار الإيراني.
في الداخل اللبناني، يتعامل حزب الله ببراغماتية واضحة. الإيحاء بأن التدخل لن يكون تلقائيًا إذا كانت الضربة محدودة يعكس إدراكًا أن أي انخراط واسع قد يجر لبنان إلى معركة لا يريدها أحد في هذه المرحلة. الحزب يقرأ التحولات، كما يقرأها خصومه، ويحسب كلفة كل خطوة.
المشهد إذاً ليس تجميع ملفات، بل لوحة واحدة: جنوب آسيا تدخل المعادلة عبر الهند وباكستان؛ سوريا تعود لاعبًا بعد استعادة جزء كبير من سيادتها الميدانية؛ السعودية توازن بين مسارات متعددة؛ تركيا تبحث عن تثبيت موقعها؛ إسرائيل تحاول بناء قوس مضاد واسع؛ ولبنان يتحول من ساحة إلى عقدة وصل محتملة في مشروع اقتصادي–جيوسياسي أكبر.
Loading ads...
كل ذلك يجري تحت ظل إيران، سواء ضُربت أم لم تُضرب. هذه ليست لحظة اصطفاف نهائي، بل لحظة اختبار للقوى: من ينجح في تثبيت موقعه قبل أن تستقر الخريطة، سيكون جزءًا من النظام الإقليمي المقبل، لا ضحيته.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



