القضية التي انشغلت من خلالها الأوساط الصهيونية في فرنسا لإلغاء مؤتمر فلسطين–أوروبا، هي تعدٍّ مباشر على شعار حرية التعبير، ثم محاولة استخدام شماعة "معاداة السامية" كحبل غسيل تُعلّق عليه مجموعة من الأفكار الترهيبية للآخر، وفي الوقت عينه السماح لشركات سلاح إسرائيلية متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة بالمشاركة في معرض ميليبول للأمن في باريس.
وتلك كانت تُعتبر العام الماضي غير مقبولة أخلاقيًا، بحسب وصف رئيس الوزراء الفرنسي السابق فرانسوا بايرو. فهذه قضية تكشف التغيير الجذري الذي طرأ على "حرية التعبير" في السنوات الأخيرة، وصولًا إلى حرب الإبادة الجماعية في غزة وما رافقها من مواقف منافقة للجرائم، والصمت عليها، وترهيب من ينتقدها. فالسماح بمشاركة شركات السلاح الإسرائيلية في معرض ميليبول في باريس، تحت ذريعة "تخفيف التوترات الدبلوماسية مع إسرائيل" والتخلي مؤقتًا عن السياسة والأخلاق وحرية التعبير بما يخص مؤتمر فلسطين في باريس، هو احتكار فاضح للمصلحة وتسييسها بما يخدم المُستعمِر عبر منع المُستعمَر من أن يروي روايته، وأن يفنّد النفاق الأوروبي الاستعماري.
مجموعة القيم الغربية التي يُراد اجترارها عربيًا، لا تتم بمعزل عن محاكاة ذات التعبير في التناول الإعلامي الغربي لقضية فلسطين وقضايا عربية أخرى.
رفع ماكرون الحظر عن شركات السلاح المتورطة في جرائم الإبادة في غزة يخالف السياسة التي انتهجها منذ نيسان 2024، بمنع الشركات الإسرائيلية من المشاركة في المعارض التجارية الفرنسية. وذلك بحد ذاته يكشف عن عمق النفاق الغربي المتّبع مع القضايا العربية، وتحديدًا الموقف من جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وقضية إرهاب المستوطنين. ويأتي القرار الفرنسي بالسماح للشركات الأمنية الإسرائيلية المتورطة بجرائم الحرب في غزة بالوصول إلى معارض دولية لتسويق منتجات الإبادة الجماعية، بعد وقت قليل من إلغاء السلطات الفرنسية مؤتمر فلسطين–أوروبا: ثقل الماضي وديناميات معاصرة، الذي ينظمه المركز العربي في باريس بالشراكة مع كوليج دو فرانس، التي رضخت لضغوط اللوبي الصهيوني بإلغاء احتضان أعمال المؤتمر.
مع أنّ المؤتمر، من شعاره إلى خلفية المشاركين وأوراق النقاش، كان أكاديميًا بحتًا، وبمشاركة أسماء مرموقة في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية والفلسفة من فرنسا وأوروبا والعالم العربي، فإن ذلك يفتح مجددًا السؤال والنقاش حول مسألة "حرية التعبير"، التي أصبحت أكبر قليلًا من حجم جسم سياسي يميني متطرف فيه خليط من العنصريين ومأزومي الهوية، وله تمثيل برلماني يهدد قيم الجمهورية الفرنسية نفسها.
مجموعة القيم الغربية التي يُراد اجترارها عربيًا، لا تتم بمعزل عن محاكاة ذات التعبير في التناول الإعلامي الغربي لقضية فلسطين وقضايا عربية أخرى. ففي مثل هذه الحالات، لا مشكلة لدى القيم الغربية أن يُجيّر الإعلام ليكون كاذبًا في خدمة أهداف السياسي والعسكري، ولا مشكلة في محاولة تكميم أفواه أكاديميات غربية عريقة ناقدة للسلوك الاستعماري الغربي، ولا مشكلة في التطبيع مع أدوات ووسائل الإبادة الجماعية الصهيونية ومنحها فرصة ترويج بضاعتها الإجرامية التي حوّلت حياة مليوني إنسان إلى جحيم بفعل جريمة الإبادة الجماعية. الفرصة هنا ليست للفكر ولا لحرية المعتقد ولا لسماع السردية الأخرى للضحايا، بل الفرصة تمامًا للمجرم الذي مُنح الوقت الكافي على مدار عامين لقتل وجرح أكثر من 250 ألف فلسطيني وتهجير مليوني إنسان من أماكن سكنهم وتدميرها كليًا، ليعرض على العالم منتجه الأكثر وحشية وفتكًا ضد الإنسان في العصر الحديث.
في عالم الازدواجية الفاضحة، تصبح مسألة التأكيد على حق مقاومة المحتل، باستحضار الضحايا ومناصريهم لذاكرتهم ومعرفتهم الأكاديمية والسياسية والعلمية والاجتماعية والإنسانية، تهمة فظيعة تحت مسميات "معاداة السامية والتحريض على العنف والكراهية والإرهاب". فهؤلاء الأكاديميون الذين يشهرون سلاح المعرفة والعلم والحجة، تعتبرهم الماكينة الإعلامية الغربية المتصهينة في باريس ولندن وبرلين وواشنطن "داعمي الإرهاب" أو "معادين للسامية"، في حين يُدافع عن أسخف سياسي ومسؤول غربي منافق للسياسة الصهيونية الاستعمارية ويبرّر جرائم الإبادة بوصفه بطل "الحرية"، ومن يحرض بأفكار يمينية فاشية وعنصرية على العرب والمسلمين والآخرين "الغوييم" يُعدّ ذلك لديه تقديسًا لحرية الرأي والتعبير.
انتلجنسيا كوليج دو فرانس، واللغة التي تمظهرت في رفض انعقاد المؤتمر بطريقة سخيفة بمظهر الديمقراطية وحرية التعبير، جاءت فقط لتبرير أن الصرح الأكاديمي والعلمي قادر على التصدي للحقيقة وللواقع، وهو لم يفلح في ذلك.
هذه الخدعة لم تعد تنطلي على كثيرين، بمن فيهم الغربيون. فهناك انتلجنسيا غير مستسلمة لهذه الازدواجية، بصوت آخر ونبرة مختلفة، ترفض الرؤية التبسيطية للسردية الاستعمارية. فهذه النخبة، مع شريحة واسعة من جيل غربي، باتت أكثر وعيًا وانفتاحًا في التفكير المستقل والتساؤل النقدي، والتعبير عن الرفض والغضب من سياسة الأبارتهايد الصهيونية في فلسطين، ومن سياسات بلدانها المنافقة للسياسة الاستعمارية المطبّقة على الشعب الفلسطيني. ولا غرابة أن يصفها بعضهم بالفضيحة الأخلاقية، في إشارة لحقيقة الأمر: أن استخدام حرية التعبير من قبل بروباغندا غربية وأحزاب اليمين العنصري فيها يقوم على فكرة رفض وجود كل المهاجرين والأجانب على أرضهم، تمامًا على طريقة الدولة الصهيونية التي ترغب أن تكون "يهودية نقية"، تستورد مواطنين من أي مكان حفاظًا على مستقبلها القائم على نفي وجود الشعب الفلسطيني والتضييق عليه ليرحل عن أرضه، وبثّ الأكاذيب عنه وعن المتضامنين مع قضيته.
Loading ads...
انتلجنسيا كوليج دو فرانس، واللغة التي تمظهرت في رفض انعقاد المؤتمر بطريقة سخيفة بمظهر الديمقراطية وحرية التعبير، جاءت فقط لتبرير أن الصرح الأكاديمي والعلمي قادر على التصدي للحقيقة وللواقع، وهو لم يفلح في ذلك. فالسردية الصهيونية والغربية المنافقة لها تستمر بتقديم الركاكة الفكرية المليئة بالأغلاط. فمن كان يتبجح ويدافع عن حرية الفكر والتعبير بات عليه أن يتحصّن ضدها، خصوصًا إذا ما تعلق الأمر بخسارة المؤسسة الصهيونية لهيمنة خطابها في الغرب، ومواجهتها لحقائق من الصعب طمسها عن مسؤولية القوى الاستعمارية الغربية تاريخيًا في حماية وتمكين الاستعمار الصهيوني في فلسطين. وهذا رأي مجموعة كبيرة من المفكرين ليس في فرنسا فقط، بل حول العالم من ناقدي الوجود والسلوك الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية والعالم. وهو جوهر النقاش الذي نُظّم واستمر في باريس على مدار يومين رغم المنع. لذلك سيبقى في الغرب من يتحصّن ضد السردية الصهيونية رغم التزوير الهائل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


