2 أيام
حلم المشرط المؤجل… كيف تُبعد طبيبات عراقيات عن تخصّصات الجراحة الدقيقة؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

تكشف البيانات المرصودة من تطبيق "طبيب" في نينوى، والذي طوّره فريق طبي تابع للنادي الوطني لطلبة الطب، والمسجّلة فيه كل العيادات الخاصة الرسمية في المحافظة بحسب تأكيدات من مسؤولين في نقابة الأطباء لمعدة التحقيق، عن فجوة واضحة في تمثيل النساء داخل التخصّصات الجراحية الدقيقة.
992 طبيباً وطبيبة يملكون عيادات خاصة مسجلة رسمياً لدى نقابة الأطباء، وهو رقم لا يشمل الأطباء الذين يعملون فقط في المستشفيات أو في أي منشأة طبية غير مسجلة رسمياً لدى النقابة.
من هذه العينة، بلغ عدد الأطباء الذكور 692 طبيباً بنسبة 69.67%، مقابل 300 طبيبة بنسبة 30.33%. أي إن مقابل كل طبيبة تقريباً يوجد طبيبان من الذكور. وتصبح هذه الفجوة واضحة لدى النظر إلى التخصّصات الجراحية دون سواها.
ففي تخصّصات جراحية متنوعة، مثل الجراحة العامة، وجراحة الأطفال، وجراحة الجملة العصبية (جراحات المخ والأعصاب)، وجراحة القلب، وجراحة العظام، بلغ عدد الأطباء الذكور 382 طبيباً مقابل 32 طبيبة فقط. وبذلك يستحوذ الرجال على 92.27% من العاملين في هذه التخصّصات، مقابل 7.73% للطبيبات. أي إن كل طبيبة تعمل في هذه التخصّصات يقابلها تقريباً 12 طبيباً من الذكور.
ويمكننا القول إن الفجوة التي لاحظناها في الأرقام العامة تعود بشكل كبير إلى هذه التخصّصات؛ فالتخصّصات غير الجراحية -كعيادات التغذية، والأطفال، وطب الأسنان وطب الأسرة- يبدو التوزيع الجندري فيها أقرب إلى المساواة، مما يطرح سؤالاً عن سبب صعوبة طريق "مشرط الجراحة" على النساء في المحافظة دون الرجال.
وبلغ عدد الطبيبات في التخصّصات غير الجراحية 268 طبيبة مقابل 310 أطباء، وتتنوع هذه التخصّصات من طب الأسرة، والنسائية والتوليد، وطب الأطفال، إلى تخصّصات الطب الباطني، وعلاج الأورام، وعلم وظائف الأعضاء، بل وأظهرت البيانات المرصودة لسنوات عدة في تخصّصات مثل طب الأسرة أن نسبة الإناث بلغت 60.87%، مقابل 39.13% للذكور، أي أن النساء يغلب عددهن في هذا التخصّص.
كما أن تقارب الأعداد خارج الجراحة يعزّز افتراض أن المشكلة لا تتعلّق بدخول النساء إلى الطب عموماً، إلا أنه لا يخبرنا بشكل واضح لماذا توجد هذه الفجوة وهذه النسبة الكبيرة في التخصّصات الجراحية دون سواها. لكن كلمات لبنى قد ترسم وضعاً عاماً يشرح الكثير، والذي يبدأ بالبيئة غير المشجّعة، ويصل إلى غياب الحماية للجراحين/ات بشكل عام في المؤسسات الطبية في وجه الاتهامات بارتكاب الأخطاء الطبية، الأمر الذي ينعكس على النساء بشكل أكبر، في ظل مواجهتهن للعديد من الأفكار التي تربط بين جنسهن وانعدام الكفاءة، كما تخبرنا لبنى وطبيبات تحدّثن إلى معدة التحقيق.
وتضيف لبنى: "أحياناً إذا توفي مريض، يعتدي ذوو المريض على الطبيب أو يهددونه أو يسيئون إليه. ولا أرى تنفيذ إجراءات صارمة تحمي الكادر الطبي. فالمؤسسة الحكومية أحياناً تنسحب من القضية وتترك الطبيب يواجه المشكلة وحده، وهذا يولّد شعوراً بالخوف وانعدام الأمان. بالنسبة إلي، كان هذا سبباً إضافياً دفعني إلى الابتعاد عن التخصّصات الجراحية، لأن المسؤولية كبيرة، لكن الحماية والدعم من المؤسسة ضعيفان".
الفجوة الجندرية في التخصّصات الجراحية لها أبعاد عالمية إذ وثّقت دراسة نُشرت في مجلة European Journal of Surgery، شملت دولاً مرتفعة الدخل كالولايات المتحدة والنمسا وسويسرا وفرنسا وإسبانيا، كيف أن زيادة أعداد خريجات كليات الطب لم تنعكس بشكل متناسب على التخصّصات الجراحية إذ لا تزال المرأة ممثَّلة بنسب منخفضة في غرف العمليات مقارنة بالرجال، مما يجعل التساؤل أهمّ في البلدان الأقل دخلاً مثل العراق.
تتقاطع هذه الصورة مع أقرب دراسة إقليمية إلى واقع العراق. ففي لبنان، وهو بلد يتقدّم على العراق في مؤشرات المساواة، أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 وشملت بيانات 15,429 طبيباً أن النساء يشكّلن 21.8% من مجموع الأطباء، لكن نصيبهنّ من الجرّاحين لا يتجاوز 2.3% (65 جرّاحة فقط) - وهو أدنى تمثيل نسائي في المجالات الطبية كافة.
وبحسب تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2021 - وهي آخر سنة تمت الإشارة فيها إلى العراق نتيجة نقص البيانات الرسمية المحدّثة والمنظمة المطلوبة لتغطية المحاور الأربعة للمؤشر- جاء العراق في المرتبة 154 من أصل 156 دولة، خلف سوريا (152) وقبل اليمن (155). فجوة الجراحة في نينوى، إذاً، ليست استثناءً محلياً، بل امتداد لبنية إقليمية تتقاطع فيها الأعراف مع هشاشة المؤسسات.
تلك الهشاشة لم تظهر في قصة رشا وحدها، فزهراء* (35 عاماً)، طبيبة في مستشفى ابن سينا في الموصل في التخدير والعناية المركزة، كانت تحلم بالجراحة العامة منذ سنوات الدراسة. تقول إنها أحبّت الجراحة منذ دراستها مواد هذا التخصّص في كلية الطب، وكانت تحصل فيها على درجات عالية، ولم تجد صعوبة في فهمها.
بعد تخرجها، بدأت الصعوبات تظهر من مكان لم تتوقعه. تروي أن بعض المرضى كانوا يرفضون أن تُجري لهم الفحص لأنها طبيبة، ويطلبون طبيباً رجلاً حصراً، لا سيما في الحالات التي تتطلب فحصاً مباشراً أو التعامل مع مناطق حساسة. ولم يقتصر الأمر على رفض بعض المرضى، بل امتد إلى ضغوط وانتقادات من المحيط المهني والاجتماعي، انعكست على حالتها النفسية.
"الطبيبة تُستنزف نفسياً… وتُحارَب من جميع الجهات"، توضح زهراء، مؤكدةً أن رفض وجود الطبيبات في الجراحة العامة يتجاهل طبيعة العمل الطبي. وتستدرك: "كما يحتاج المرضى الرجال إلى طبيب لفحصهم، تحتاج المريضات أيضاً إلى طبيبة لفحصهن. ولو كان هناك اختصاص في الجراحة العامة للنساء حصراً وآخر للرجال فقط، لكان ذلك منطقيًا، لكن هذا التقسيم غير موجود في الواقع".
تعمل زهراء اليوم في التخدير والعناية المركزة، وهو اختصاص لا يقلّ صعوبة وحساسية عن الجراحة العامة ويرتبط بالعمليات والطوارئ، لكنه لا يضعها في مواجهة مباشرة مع مرضى قد يرفضون أن تفحصهم، أو زملاء غير متقبّلين لعملها.
وتقول إنها "قبل توزيع التخصّصات بحثت وسألت الزملاء والزميلات وأهل الاختصاص"، مردفةً أن "أكثر من 90% فضّلوا ألّا أتخصّص في الجراحة". لم يكن السبب ضعف قدراتها، بل لأن المجتمع -كما قيل لها- لا يتقبّل بسهولة وجود طبيبة في هذا النوع من التخصّصات، خصوصاً عند فحص الرجال أو التعامل مع حالات حساسة.
وحين سألتها معدة التحقيق: لو عاد بكِ الزمن، هل كنتِ ستختارين الجراحة؟ أجابت بوضوح: "في العراق لا، لكن في بلد آخر ربما".
لا يقتصر التفاوت على التخصّصات، بل يظهر أيضاً في التوزيع الجغرافي للعيادات الطبية داخل محافظة نينوى. فقد أظهر الرصد أن أحياء محددة تستقطب العدد الأكبر من الأطباء والطبيبات، مع بقاء الفجوة العددية واضحة عبر الأحياء.
في مقدمة الأحياء حي المصارف بـ168 طبيباً، نحو خُمسهم فقط من الطبيبات، يليه حي المثنى بـ155 طبيباً ونحو الربع منهم إناث. وفي المقابل بدت بعض الأحياء أكثر تقاربًا بين الجنسين، مثل حي الزهور الذي سجّل 35 طبيباً نصفهم تقريباً من الإناث، وحي السكر الذي سجّل 20 طبيباً، وهو من بين الأحياء القليلة التي فاق فيها عدد الطبيبات الأطباء.
وتشترك المناطق الأكثر كثافة بالعيادات في أن أغلب سكانها من ذوي الدخل المرتفع، مقارنة بالمناطق الأقل كثافة. والمثير أن التمكين الاقتصادي - الذي غالباً ما يتيح للنساء فرصاً أكبر لمهام تتطلّب ساعات طويلة خارج المنزل- لم ينعكس على الفجوة بين عيادات الأطباء والطبيبات في تلك المناطق، مما يشير إلى وجود أسباب أخرى حاسمة في خلق هذه الفجوات.
وعلى مستوى التخصّصات الجراحية، يتركّز العدد الأكبر من الجرّاحين في حي المصارف، يليه المثنى، ثم البريد، والبعث، والموصل الجديدة. هذا الأمر يعكس أن الفجوة لا ترتبط بالجنس فقط، بل أيضاً بتوزيع الخدمات الطبية المتخصّصة داخل مناطق المحافظة.
أسباب كل من لبنى وزهراء للابتعاد عن التخصّصات الجراحية تشرح جزءاً من صورة عامة نستطيع رؤية انعكاسها في قصة رشا، ولكن أيضاً على مستوى استجابات 136 طبيبة لاستبيان إلكتروني وُزّع على طبيبات من مختلف التخصّصات في نينوى في عدة مجموعات تواصل تجمعهن في مواقع التواصل الاجتماعي.
تضمّن الاستبيان أسئلة عن الخصائص الديموغرافية، والاختصاص الحالي، والاهتمام السابق بالجراحة، والعوامل المؤثرة في اختيار الاختصاص، والتحديات التي قد تحدّ من توجّه الطبيبات نحو التخصّصات الجراحية.
أظهرت النتائج أن 39% من المستجيبات فكرن سابقاً باختيار اختصاص جراحي، وعند السؤال عن الاختصاص الذي اخترنه فعلاً وجدنا أن 4.41 % فقط من كامل العينة اخترن أحد التخصّصات الجراحية، أي 6 طبيبات من أصل 136.
أما الباقيات فتنوّعت تخصّصاتهنّ بين مجالات غير جراحية، في مقدمتها طب الأسرة بـ56%، تلاه طب الأطفال والنسائية والتوليد بواقع 6.15% لكل منهما، ثم الصيدلة بـ5.38%، فيما توزّعت البقية على الأشعة والتخدير والجلدية وطب المجتمع والطب النفسي وطب الأسنان وغيرها. وتتوافق هذه النتائج مع تحليلنا لبيانات تطبيق "طبيب" وبعض الأرقام المتفرقة التي استطعنا الحصول عليها من خلال النقابة لتوزيع الأطباء بحسب الجنس في تخصّصات الجراحات الصدرية وجراحات الأعصاب.
عند سؤال الطبيبات عن أسباب عدم اختيار التخصّصات الجراحية، جاءت صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة في المقدمة بـ33.8%، تلتها عدم الرغبة الشخصية بـ21.5%، ثم أسباب تتعلق بطبيعة العمل والتدريب كالمسؤولية العالية وطول ساعات العمل (15.38% لكل منهما)، وضغوط المناوبات والخفارات بنحو 8.46%. وعند السؤال عن أكبر عائق، اعتبرت 48.46% الالتزامات العائلية العائق الأكبر، بينما رأت 44.62% أن طبيعة العمل هي العائق الأكبر.
تكشف هذه الأرقام أن القرار لا يرتبط غالباً بسبب واحد. فالطبيبة لا تبتعد عن الجراحة لأنها لا تستطيع بالضرورة، بل لأنها تجد نفسها أمام معادلة صعبة: اختصاص مرهق، مناوبات طويلة، مسؤولية عالية، وأسرة تحتاج إلى حضورها. للوهلة الأولى، قد نجد في هذه الإجابات عوائق تقليدية تراها النساء في بلدان عدة عند التخصّص في مهنة دقيقة كالجراحة.
وعلى مستوى القوانين وصياغتها، لا نجد ما يشير إلى وجود تمييز سلبي ممنهج ضد النساء الراغبات في سلوك هذا الطريق، إلا أن المستجيبات للاستبيان يظهرن وجهاً آخر للمعادلة في إجابتهن عن الأسئلة المرتبطة بطبيعة برنامج التدريب للتخصّص.
فعند سؤال 130 طبيبة لم يخترن تخصّص الجراح عمّا إذا كانت الفرص متساوية بين الأطباء والطبيبات في الالتحاق والتقدّم داخل التخصّصات الجراحية، أجابت 43.85% بـ"لا"، ورأت 40.77% أنها متساوية "إلى حد ما"، مقابل 14.62% فقط اعتبرن الفرص متساوية. علماً أنه استُبعدت إجابات 6 طبيبات من ذوات الاختصاص الجراحي، واقتصر التحليل على 130 مشاركة.
وعند سؤال المستجيبات اللاتي رأين انعداماً في المساواة، سواء بشكل كامل أو جزئي، أعطت 44 طبيبة فقط سبباً فعلياً وراء اعتقادهن بعدم المساواة بين الرجال والنساء في البرنامج، من بين 130 طبيبة لم يخترن التخصّصات الجراحية. جاءت النظرة المجتمعية السائدة وتفضيل الذكور الجراحين على الإناث الجراحات أولاً بنسبة 53.49%، ثم الالتزامات العائلية والحياتية 13.95%، ثم ضعف الدعم المقدَّم للطبيبات 11.63%، وأخيرًا ضغط العمل والمسؤولية 9.30%. أي أن السبب الأول وراء شعورهن بانعدام المساواة مرتبط بالبيئة المحيطة بالعمل، لا بالعمل نفسه.
هنا تظهر المفارقة حيث تمنح القوانين العراقية الخاصة بالتسجيل للبرنامج المساواة بين الجنسين، لكن الواقع اليومي يكشف غياب العدالة وتكافؤ الفرص الحقيقي. فالطبيبة تدخل الامتحان نفسه، وساعات التدريب نفسها، لكنها غالباً تحمل خارج المستشفى أعباءً إضافية لا يحملها الطبيب الرجل، تُخرجها رغماً عنها خارج السباق إلى مشرط الجراحة.
تتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى الجهة الأخرى. فبحسب تصريح ممثلة جمعية أطباء الأسرة العراقية في نينوى، الدكتورة ولاء الجبوري، تكاد النسبة تنقلب رأساً على عقب في طب الأسرة، حيث تشكّل النساء الغالبية الساحقة -بحسب اعتقادها- نحو 93% مقابل 7% من الرجال.
والسبب، في رأيها: "عوائق اجتماعية بالدرجة الأولى. فالطبيبة تفكّر -قبل الزواج وبعده- في أن التخصّصات الجراحية تعني ارتباطاً أطول بالمستشفى وخفارات ليلية تُربك حياة الأسرة، في ظل غياب الحضانات المسائية والليلية، وهي واحدة من حقوق العاملات المتفق على أهميتها في قوانين العمل في دول مختلفة. فإن لم تجد عائلة تسندها في رعاية أطفالها، تضطر إلى ترك حلمها والذهاب إلى فرع آخر مثل طب الأسرة، لأنه لا خفارات فيه، والدوام صباحي فقط".
وتضيف بصراحة لافتة أن ما يُقدَّم أحياناً من "تسهيل" -كوضع الطبيبات في الشفت الصباحي- ليس مراعاةً لظروفهنّ، بل لمصلحة الأطباء الرجال الذين يفضّلون العمل المسائي لانشغالهم نهاراً بأعمال أخرى. "المشكلة في مؤسساتنا، حكومية كانت أو أهلية، أنها لا تمنح الطبيبة أي استثناء عدا إجازة الأمومة"، تقول، "ولو وُجدت تسهيلات مركزية لكان وضع المستشفيات أفضل".
وتلخّص الدكتورة ولاء المفارقة بعبارة واحدة حين سُئلت عمّا إذا كان الأطباء والطبيبات متساوين في ساعات التدريب وتوزيع التخصّصات: "متساوون تماماً... يوجد مساواة، ولكن لا توجد عدالة". فالطبيبة، كما تقول، تُعامل "حالها من حال الطبيب" من دون أي مراعاة لظروفها؛ لا تُرفع عنها خفارة ولا يُخفَّف عنها دوام، وإذا طلبت الخروج لأن ابنها مريض "الجميع يقف ضدها… وتبقى دائماً متهمة حتى يثبت العكس" إذ تتهم بأنها تختلق الأعذار للحصول على إجازة. حتى "ساعة الرضاعة"، التي كانت تتيح للطبيبة العودة إلى بيتها لإرضاع طفلها ثم الرجوع إلى عملها، لم تعد متأكدة إن كان لا يزال معمولاً بها اليوم.
وتصف واقع المستشفيات بأن أغلبها يعمل في مواقع بديلة، و"دار الطبيبات متهالك جداً وصغير لا يكفي لأعدادهنّ"، من دون حضانة تضع فيها الطبيبة أطفالها، ولا أي مرافق تعينها على التخصّص في التخصّصات الجراحية.
أما عن ثقة المرضى، فترى الدكتورة ولاء أن هذا الكلام "كان صحيحاً ربما قبل 20 عاماً" غير أن الطبيبات اليوم أثبتن أنفسهنّ، وثمّة طبيبات كفوءات يثق بهنّ المرضى. المشكلة، والحديث لا يزال لها، في "العقل المجتمعي": فالمجتمع في المحافظة -والمجتمع الطبي خصوصاً- "يحاول أن يكسر بالسيدة" ولا يريد منحها فرصة، وكأن نجاحها دوسٌ على رجولة الآخرين.
وتضرب مثلاً بنظرة البعض إلى مجرد امرأة تقود سيارتها في الشارع، "فتخيّلي كيف سيكون الأمر في سلك العمل، وخصوصاً السلك الطبي". ومع ذلك، ترى أن الأمور بدأت تتحسّن قليلاً لكن ببطء شديد: "نحتاج مو 20 عاماً... لا، 40 عاماً أخرى حتى تتحسّن الأمور… دائماً محاربات، في أي مكان. حتى لو أثبتت المرأة أنها أفضل من عشرة رجال، تبقى في نظرهم الدرجة الثانية".
على الرغم من إنكار الدكتورة ولاء عامل ثقة المرضى في الطبيبات الإناث كأحد العوامل التي تمنع تخصّص النساء في هذا المجال، إلا أن من أبرز ما أظهره الاستبيان أن ثقة المرضى لا تزال تمثل عاملاً مؤثراً في تصوّر الطبيبات لمستقبلهنّ داخل الجراحة، في تشابه كبير مع المعضلة التي واجهت زهراء.
فعند سؤال المشاركات الـ130 اللاتي لم يخترن تخصّصاً جراحياً عمّا إذا كنّ يعتقدن أن ثقة المرضى بالأطباء الذكور أعلى من ثقتهم بالطبيبات، أجابت 56.15% (73 طبيبة) بـ"نعم"، ورأت 33.08% أن ذلك يحدث "إلى حد ما"، مقابل 10.77% فقط أجبن بـ"لا".
وعندما طلبنا منهن تفسير اختيارهن، تمحورت معظم الإجابات حول نظرة المجتمع إلى المرأة؛ فبعض المرضى، كما ترى المشاركات، ينظرون إلى الطبيبة على أنها أقل قدرة أو جرأة من الطبيب، خصوصاً في الجراحة. وترتبط الثقة بالرجل، في نظر البعض، بتصورات تقليدية عن القوة البدنية والقدرة على التحمل والتفرّغ، إضافة إلى وجود العديد من أسماء الجرّاحين المعروفين من الرجال.
هذا الحاجز لا يظهر في التعليمات الرسمية، لكنه يظهر في غرفة الفحص، وفي الممرات، وفي كلام المرضى وذويهم، وفي المقارنات اليومية التي قد تلاحق الطبيبة منذ بداية تدريبها. أسباب لم تحُل بين زهراء فقط وحلمها، بل بين عشرات الطبيبات.
وهو الحاجز نفسه الذي اصطدم بحلم لبنى منذ البداية. فجراحة الأعصاب، في نظر المجتمع من حولها، ظلّت ملعباً يُقال إنه "أنسب للرجال"، وكانت تدرك أن كثيراً من المرضى، لو خُيّروا بينها وبين طبيب، لاختاروا الطبيب -لا لأنها أقل كفاءة، بل لأن الثقة، في المخيّلة السائدة، تُمنح للرجل. انعدام الثقة لا يقتصر فقط على المرضى، بحسب شهادات الطبيبات لمعدة التحقيق، لكن يصل إلى النظام نفسه الذي يتبرع بتأكيد الأمر للطبيبات بصور مختلفة.
إن كانت قصة إسراء تحكي عن حلم أُجهض قبل أن يبدأ، فإن قصة الدكتورة رشا، اختصاصية جراحة الجملة العصبية، ربما تؤشّر إلى ما قد ينتظر الطبيبة حين تُصرّ على المضي حتى النهاية.
حصلت الدكتورة رشا على المركز الأول في امتحان البورد العربي، وأصبحت اختصاصية أواخر عام 2022. وتقول إنها سجّلت أعلى عدد عمليات في المستشفيات الحكومية بفرعها: 286 عملية عام 2023، وارتفع العدد إلى نحو 300 عملية عام 2025. لكن هذا التفوّق، بدل أن يُكافأ، تحوّل إلى مشكلة. فبعد أن تصدّرت الأرقام، تقول إن رئاسة القسم أصدرت كتاباً رسمياً يمنع الاختصاصي من إجراء أكثر من خمس عمليات في اليوم، "بعد أن كنت أُدخل تسعة أو عشرة مرضى ضمن الدوام الرسمي".
ولا تتوقف روايتها عند الأرقام. فحين دخلت في خلاف مهني مع كادر التمريض داخل صالة العمليات وصل إلى تقديمها شكوى رسمية، تقول إن الإدارة اصطفّت ضدها لا معها، وإن "مطالعاتها" كانت تُسحب أو تُلغى. بل تروي أنها تلقّت، على خلفية شكواها، تلويحاً بنقلها إلى مستشفى فرعي جديد بلا أجهزة ولا طوارئ، في ما اعتبرته محاولة لتعطيل عملها. وحتى قرار نقلها إلى ملاك التعليم -الموافق عليه، بحسب قولها، من وزارتي التعليم العالي والصحة- بقي معلّقاً نحو عامين بذريعة عدم إقرار الموازنة.
ولا يقف الانحياز عند غرف العمليات فقط، بل يمتد -بحسب روايتها- إلى فرص التدريب نفسها. فالدورات التدريبية المهمة التي توفدها الوزارة على حسابها، وبعضها إلى أوروبا، لا يُبلَّغ بها الجميع: "لو كانت هناك أمور مفيدة ومتاحة للجميع، لتم الإعلان عنها بوضوح. لكننا لا نسمع عنها إلا عندما نرى أحد الأطباء قد أُوفد إلى دورة تدريبية على نفقة الوزارة"، بينما لا يُعلَن للكل إلا عن الدورات التي تصفها بأنها "تافهة لا نحتاجها أصلاً"، أو تلك التي يخرج إليها الأطباء على نفقتهم الخاصة.
وتروي واقعة أخرى دالّة على الانحياز ذاته حين أصرّت وكيلة مدير الصحة آنذاك على أن تضم اللجنة الاستشارية للفرع طبيبة -وفي جراحة الأعصاب أربع أو خمس اختصاصيات- جرى ضمّ الدكتورة رشا إليها فعلاً، فما كان من الأطباء إلا أن اشتكوا إلى الدائرة حتى أُخرجت من اللجنة.
هذه ليست شهادة عن "نظرة مجتمعية" فحسب، بل عن قرارات وكتب رسمية وإجراءات إدارية توثّق كيف يمكن للمؤسسة نفسها أن تتحوّل إلى عائق أمام الطبيبة الأكثر إنتاجاً في فرعها.
وتتردّد الرواية نفسها على لسان طبيبات أصغر سناً. تقول زهراء إنها بعد أن شاركت في معالجة حالة طارئة مستقرة على أكمل وجه، سمعت أحد الأطباء يصفها أمام الزملاء بأنها "مترددة ولا تُحسن التعامل مع الحالات الجراحية"، وإن الحالات المهمة كانت تُمنح للطبيب الرجل "حتى يتعلّم أكثر"، بينما تُترك للطبيبات الأعمال البسيطة، وإن زملاءها كانوا يعيدون فحص مرضاها للتأكد. "جعلني ذلك أدرك أن المشكلة ليست في قدرتي"، تقول، "بل كوني طبيبة تريد دخول مجال يعتبره البعض للرجال فقط".
الدكتور إسماعيل داود إسماعيل، الذي عمل رئيساً لقسم الطب الباطني في جامعة الموصل بين عامي 2016 و2020، يشير إلى أن الفجوة كانت واضحة منذ سنوات في عدد من التخصّصات.
بحسب شهادته، كان قسم الطب الباطني في فترة سابقة يضم 36 طبيباً مقابل طبيبة واحدة في المفاصل، فيما كانت الأمراض النفسية تضم طبيبتين بلا أطباء ذكور، والأمراض الجلدية طبيبتين وطبيباً واحداً. وفي الجراحة، بحسب معلوماته، كان عدد الطبيبات يتراوح بين واحدة واثنتين فقط، مقابل نحو 40 طبيباً أو أكثر.
ويرى الدكتور إسماعيل أن التحديات التي تحدّ من دخول الطبيبات إلى التخصّصات الجراحية ليست عاملاً واحداً، بل مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها الالتزامات العائلية ورعاية الأطفال وأعمال البيت، إضافة إلى صعوبة التخصّصات الجراحية وما تتطلبه من قوة نفسية وبدنية. كما يشير إلى أن بعض النساء يفضّلن تخصّصات أقل احتكاكاً بمشكلات المرضى وذويهم، أو أقل مسؤولية مباشرة من الجراحة.
في المقابل، تقدّم تصريحات نقابة أطباء نينوى زاوية أخرى للصورة. فبحسب التصريحات المنسوبة إلى النقابة، ممثلةً بالدكتور محمد سليمان الحوري والدكتور إبراهيم حافظ المعاضيدي، لا يوجد سبب رسمي يمنع الطبيبات من دخول أقسام الجراحة، ولا معوقات قانونية تحول دون تقديمهنّ لهذه التخصّصات؛ فاختيار الاختصاص، من وجهة نظر النقابة، يعود بالأساس إلى رغبة كل طبيب أو طبيبة.
لكن النقابة تُقرّ في الوقت نفسه بأن طبيعة التدريب والدوام في هذه التخصّصات مرهقة، خصوصاً مع ساعات العمل الطويلة والعمليات التي قد تستغرق أكثر من خمس ساعات أحياناً. وتؤكد أن متطلبات البورد العراقي أو العربي واحدة للجنسين، إذ يجب إكمال ساعات التدريب وجداوله وفق المنهاج، واجتياز الامتحانات، من دون فرق رسمي بين الذكور والإناث.
وتؤكد وثائق المجلس العراقي للتخصّصات الطبية أن التدريب الجراحي يمثّل تحدياً، خصوصاً مع عدم وجود بنية تحتية تساعد الطبيبات في أداء واجباتهن الاجتماعية، كالحضانات، أو بيئة داعمة كزملاء متعاونين أو مرضى يرفضن التعامل معهن.
منهاج البورد في الجراحة العامة (2024–2025) برنامج إقامة يمتد خمس سنوات، موزّعة على مقررات متتابعة تشمل العلوم الجراحية الأساسية، والرضوض والجراحة الطارئة والعناية المركزة، وجراحة العظام والأوعية والصدر والمسالك والتجميل، وصولاً إلى جراحة الجهاز الهضمي والكبد والثدي، مع خفارات مكثّفة وامتحانات موحّدة. التحدي نفسه يواجهه الطبيب الرجل؛ الفارق ليس في المنهاج، بل في ما يحيط به من ظروف تجعل كلفة السنوات الخمس على الطبيبة أثقل.
هذا الموقف يفتح سؤالاً في صلب التحقيق: هل تكفي المساواة القانونية لتحقيق العدالة الفعلية؟
تدعم نتائج الاستبيان هذا الاستنتاج. فعند تقييم نظام العمل الحالي، قالت 58.46% من أصل 130 طبيبة أجبن على الأسئلة المرتبطة بطبيعة العمل في الجراحة، إنه يقوم على المساواة بين الأطباء والطبيبات من دون مراعاة الظروف الخاصة كالأمومة والالتزامات العائلية، ورأت 36.15% أنه غير عادل للطبيبات، مقابل 5.38% فقط اعتبرنه عادلاً. وعند السؤال عن ساعات العمل والخفارات، أجابت 83.08% بأن النظام الحالي لا يراعي ظروف الطبيبات، مقابل 13.85% قلن إنه يراعيها إلى حد ما، و2.31% فقط أجبن بـ"نعم".
كما أظهرت النتائج أن الالتزامات العائلية، كالأمومة ورعاية الأطفال، تؤثّر بشكل كبير في اختيار الاختصاص؛ إذ أجابت 81.54% بأنها تؤثر بشكل كبير، ورأت 18.46% أنها تؤثر إلى حد ما. وهذه النتائج تضع ما أوضحته الدكتورة آلاء حول عدم وجود الحضانات من أكبر جوانب التمييز الممنهج الذي تعانيه الطبيبات ويمنعهن من الاختصاص في الجراحة.
رسمت شهادات الطبيبات والبيانات لمعدة التحقيق صورة البيئة الاجتماعية والمؤسسية التي تعيش فيها الطبيبة العراقية التي ترغب في التخصّص في إحدى مجالات الجراحية، إلا أن الوثائق القانونية تكشف طبقة أعمق نادراً ما يُلتفت إليها. فالمنظومة القانونية العراقية تتضمّن نصوصاً تُضعف موقف الطبيبة المهني والاجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر.
فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يمنح في المادة (41) ما يسمى "حق التأديب" للزوج تجاه زوجته، وهو نصّ يكرّس التبعية ويحدّ من استقلالية الطبيبة في قرارات مثل الخفارات الليلية أو السفر للتدريب الجراحي المكثّف. كما أن المادة (409) من القانون نفسه، بمنحها أعذاراً مخفّفة في ما يُعرف بجرائم الشرف، تُنشئ بيئة غير آمنة للطبيبات في مجتمعات محافظة، حيث قد يتعرّضن للوصم أو التهديد لمجرّد طبيعة عمل تتطلب الاختلاط أو الدوام المتأخر.
وفي المقابل، يمثّل قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013 خطوة إيجابية بتجريمه المطالبات العشائرية في المادتين (1) و(5)، لكن الواقع العملي يكشف فجوة واسعة في التطبيق. فالطبيبات الجرّاحات يعانين من غياب الحماية الفعلية أمام "الفصل العشائري"؛ إذ تجد الطبيبة نفسها وحيدة في مواجهة تهديدات عشائرية عند حدوث أي مضاعفة طبية، مما قد يدفعها إلى ترك الاختصاص أو دفع تسويات مالية خارج إطار القانون.
أما نظام الخفارات الجديد الذي أقرّته وزارة الصحة عام 2025، والقائم على ثلاث نوبات عمل، فلم يراعِ الخصوصية الأمنية والاجتماعية للطبيبات في نينوى؛ فغياب السكن الآمن داخل المستشفيات وصعوبة التنقل ليلاً في مناطق معينة يجعلان منه عبئاً إضافياً بدل أن يكون أداة عدالة في توزيع العمل. وهو الأمر الذي أشارت إليه الطبيبة آلاء في شهادتها لمعدة التحقيق حول حالة "دار الطبيبات".
هنا تكتمل الصورة التي بدأتها الأرقام: الفجوة ليست حصيلة "نظرة مجتمعية" مجرّدة، بل تتقاطع مع أعرافٍ اجتماعية، ومؤسسةٍ لا تُراعي، وقانونٍ يُضعف الطبيبة حين لا يحميها.
هذه البنية ليست حتمية. ففي دول الخليج والتي تتشابه مع العراق في طبيعة مجتمعاتها المحافظة وهيكلها المتأثر بعناصر مثل القبلية، تتراجع الفجوة بوضوح: بلغت نسبة النساء بين أطباء الإقامة في الجراحة 63% في عُمان، و39% في البحرين، و27% في السعودية، فيما أسّست الكويت عام 2018 أول تجمّع نسائي جراحي في المنطقة باسم "رابطة جرّاحات الكويت". التحسّن، حيثما وُجد، رافقه فعلٌ مؤسسي. الأمر الذي تعكسه إجابات الطبيبات على الاستبيان الذي وزعته معدة التحقيق، خصوصاً على أسئلة حول شكل التشجيع المطلوب لزيادة أعداد الجراحات في المحافظة.
عند سؤال الطبيبات، 130 (من أصل 136 طبيبة استجبن للاستبيان) لم يخترن تخصّصاً جراحياً، عن العوامل التي قد تشجّعهنّ على الالتحاق بالتخصّصات الجراحية، جاءت الحوافز المالية في المقدمة بـ34.62%، تلتها بيئة العمل الأفضل بـ26.92%، ثم ساعات العمل الأكثر مرونة بـ17.69%، والدعم المؤسسي الأكبر بـ16.15%، إضافة إلى إجابات متفرقة كالرغبة ومساعدة المريضات.
وعند سؤالهن عن مقترحات لتحسين بيئة العمل، كان المقترح الأوضح في إجابات المشاركات توفير حضانة أو مركز لرعاية الأطفال داخل المستشفى يعمل على مدار 24 ساعة، بما يساعد الطبيبات - خصوصاً أثناء المناوبات والخفارات الليلية- على التوفيق بين مسؤولياتهنّ المهنية والأسرية.
وتتقاطع هذه المقترحات مع ما طرحه الدكتور إسماعيل من حلول، مثل تشجيع الطبيبات على دخول التخصّصات الدقيقة، وتوسيع فرص التدريب - خصوصاً الجراحة الناظورية- ودعم مشاركتهنّ في المؤتمرات والندوات، وتطبيق القوانين التي تحميهنّ من التجاوزات، ورفع وعي المجتمع بدور المرأة في التخصّصات الجراحية.
وتضيف الوثائق القانونية بعداً آخر إذ إن أي إصلاح فعلي يمرّ أيضاً بمراجعة النصوص التي تُضعف موقف الطبيبة، وبتفعيل الحماية أمام "الفصل العشائري"، وبتصميم نظام خفارات يراعي أمنها وسكنها وتنقلها.
وتلتقي هذه الحلول مع ما تطرحه الدكتورة ولاء الجبوري، التي ترى أن أي تغيير حقيقي يبدأ من جعل التسهيلات "مركزية" لا اجتهادات فردية: حضانات مسائية وليلية داخل المستشفيات، وسكن لائق للطبيبات يتسع لأعدادهنّ، ومراعاة فعلية لظروف الطبيبة في توزيع الخفارات - فالمساواة الشكلية في التعليمات، كما تقول، لا تصنع عدالة.
بالعودة إلى لبنى، الطفلة التي رأت يدَي معلمتها ترتجفان فقرّرت أن تصبح جرّاحة أعصاب، فحين تستعيد اليوم ما رأته وسمعته في طريقها إلى تحقيق حلمها، تروي كيف انطفأ الحماس شيئاً فشيئاً، قائلةً إن القوانين قد تكون متساوية في القبول والامتحان، لكن غياب المرونة ومراعاة ظروف الطبيبات يجعل المنافسة أصعب.
ما تكشفه البيانات والشهادات والتصريحات والوثائق أن عزوف الطبيبات عن التخصّصات الجراحية الدقيقة لا يمكن تفسيره بالرغبة الشخصية وحدها. فهناك طبيبات أحببن الجراحة، وتفوّقن في موادها، وبعضهنّ كنّ قريبات جداً من هذا الطريق - بل بلغته إحداهنّ وتصدّرت أرقامه- لكنهنّ تراجعن، أو حوصرن، أمام واقع أكثر تعقيداً من قرار فردي.
الطبيب الرجل يواجه صعوبة الاختصاص، أما الطبيبة فتواجه صعوبة الاختصاص مضافاً إليها أسئلة أخرى: هل سيقبل المرضى بها؟ هل ستوفّق بين الخفارات والأسرة؟ هل ستجد دعماً داخل بيئة التدريب؟ هل سيتقبّل الزوج أو الأهل طبيعة العمل؟ وهل ستمنحها المؤسسة الصحية فرصة عادلة، لا على الورق فقط بل في الواقع؟
ضعف حضور الطبيبات في الجراحة، إذاً، لا يعكس نقصاً في الكفاءة بقدر ما يكشف عن بيئة تحتاج إلى مراجعة. فالمساواة في شروط القبول والتدريب لا تكفي إذا لم ترافقها سياسات أكثر إنصافاً، تراعي المسؤوليات الاجتماعية والعائلية، وتحمي الطبيبة قانونياً ومؤسسياً.
في النهاية، لا تحتاج غرف العمليات إلى رجال أكثر بقدر ما تحتاج إلى كفاءات أكثر. والطبيبات اللواتي تركن حلم الجراحة لم يتركنه دائماً لأنهنّ لا يردنه، بل لأن الطريق إليه لم يكن متاحاً بما يكفي.
Loading ads...
*اسم مستعار بناءً على طلب المصدر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





