14 أيام
مطربون عارضوا الجمهورية الإسلامية يعودون إلى إيران… ما القصة؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

في أحد المتنزهات الواقعة شمال طهران، في منطقة دربند، يقف الناس واحداً تلو الآخر إلى جانب المطرب بيجن مُرتَضوي لالتقاط صور تذكارية معه، ويخاطبونه: "أهلاً وسهلاً بك". هذا أحد المقاطع المصورة التي نُشرت بعد عودة مرتضوي وزوجته إلى إيران مؤخراً، بعد 47 عاماً من العيش خارج البلاد.
وفي الوقت نفسه، نُشرت مقاطع أخرى لالتقاط الناس صوراً تذكارية مع مُحسن نامْجو، المطرب الذي اعتُبر أسلوبه الموسيقي حدثاً في إيران قبل ما يقارب عشرين عاماً وقبل أن يترك البلاد في تلك الفترة. وفي أحد هذه المقاطع، يظهر نامجو وهو يغني بصوت مرتفع في أحد الأزقة الهادئة، هو الذي عاد إلى إيران بعد عشرين عاماً وسط جدل كبير أثير عقب عودته خلال ما يقارب ستة أسابيع.
أما قيصر فهو ثالث مغنٍ يعود إلى إيران خلال الأشهر الأخيرة، بعد سنوات من الإقامة والنشاط خارج البلاد.
وقد رافقت عودة المطربين هذه ردودَ فعل إيجابية وسلبية داخل إيران وخارجها، من ناحية أن المطربين الثلاثة كانوا خلال وجودهم في الخارج، في صفوف المعارضين. إلا أن حدثاً ما قلب المشهد، وهو الحربان اللتان استمرتا 12 و40 يوماً ضد إيران خلال عامَي 2025 و2026.
خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، أي من 13 إلى 24 حزيران/ يونيو 2025، والحرب التي استمرت 14 يوماً، من 28 شباط/ فبراير إلى 8 نيسان/ أبريل 2026، تعرضت إيران لهجمات إسرائيلية وأمريكية. أسفرت الحربان عن استهداف عدد كبير من المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين، في مقدمتهم المرشد الإيراني علي خامنئي.
خلال هاتين الحربين، عارض كثير من معارضي ومنتقدي الجمهورية الإسلامية، داخل إيران وخارجها، الحرب، إلى درجة أن هذا الأمر تحول إلى معيار جديد في تصنيف المعارضين والمنتقدين. وكان المطربون الثلاثة قد عارضوا الحرب، أو على الأقل لم يعلنوا دعمهم لها، على خلاف الكثير من المشاهير وغير المشاهير الذين يقيمون خارج إيران. ويتمتع هؤلاء المغنون الثلاثة بشهرة وشعبية واسعة في إيران.
في الماضي، كانت تُطرح بين حين وآخر أحاديث عن عودة المطربين إلى البلاد، لكن تلك الأحاديث نادراً ما تحولت إلى خطوات عملية. أما هذه المرة، فقد عاد ثلاثة مطربين إلى إيران خلال بضعة أشهر. وقد أعاد ذلك الأمل في عودة مغنين آخرين، ولا سيما أسماء أكثر شهرة وشعبية مثل كلّ من المطربين ذوي الشعبية الواسعة: مُعين وإِبي وداريوش والمطربة كوكوش.
النقطة التي لا بد من الإشارة إليها والتي تثير الاستغراب هي أن بعض هؤلاء المطربين ينتمون إلى صفوف معارضي الجمهورية الإسلامية، بل إن بعضهم قدم أغنيات تنتقد الجمهورية الإسلامية.
بعد انتصار الثورة المناهضة لحكم أسرة بَهلوي عام 1979 وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية، غادر كثير من المطربين إيرانَ وتوجهوا إلى أوروبا والولايات المتحدة. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، واصل هؤلاء الغناء باللغة الفارسية، فيما كانت أغنياتهم تصل في الوقت نفسه إلى جمهورهم داخل إيران.
كما يقيم كثير من هؤلاء المطربين حفلات، إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا، في مدن قريبة من الحدود الإيرانية، مثل دبي في الإمارات العربية المتحدة، وإسطنبول في تركيا، ويريفان في أرمينيا، وباتومي في جورجيا؛ أي في أماكن قريبة نسبياً من الحدود الإيرانية، ويذهب عدد كبير من المواطنين الإيرانيين إلى هذه الحفلات بعد شراء التذاكر.
كذلك يمكن سماع أغنياتهم القديمة والجديدة في أماكن مختلفة داخل إيران، من السيارات والمنازل والسهرات المنزلية إلى المتاجر ومراكز التسوق والمقاهي.
الحالة الأولى في هذا الحدث أي العودة بعد عقود إلى الوطن سجلها بينَش بُلور، المعروف فنياً باسم "قيصر". فصعد هذا المغني الإيراني المقيم في لوس أنجلوس إلى المسرح في طهران في 4 حزيران/ يونيو 2026، بعد عودته إلى البلاد.
وقد شارك في مناسبة حكومية حملت اسم "احتفال الغدير لمسافة 10 كيلومترات" في ميدان الإمام حسين بطهران، وأدى مقطوعة تتناول الحبّ لإيران.
وأثارت مشاركة قيصر في هذه المناسبة صدى واسعاً بسبب نشاطه السابق خارج إيران، وكذلك بسبب مواقفه التي كان قد عبّر عنها خلال الأشهر التي سبقت ذلك بشأن التطورات في إيران والصراعات الإقليمية.
وكان قد أعلن في وقت سابق دعمه للقوات العسكرية الإيرانية، كما نشر مقطوعة بشأن حادثة الهجوم الأمريكي على مدرسة في ميناب، جنوب إيران، خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً.
لكن الجدل حول وجود قيصر في طهران لم يتوقف عند هذا الحد. فبعد نشر صور أدائه، اندلعت نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن احتمال حصوله على تصريح أو دعم مالي من الجمهورية الإسلامية.
وفي مقطع فيديو نشره في 8 حزيران/ يونيو 2026، نفى قيصر هذه الادعاءات، وقال إنه لم يحصل على تصريح لإقامة الحفل، ولم يتلقَّ أموالاً من الجمهورية الإسلامية. كما قال إن رحلته إلى إيران لم تكن الأولى له خلال السنوات الأخيرة، لكنها كانت المرة الأولى التي يقدم فيها عرضاً في طهران.
وكان قيصر قد قال إنه غادر إيران عام 1987، لكنه بدأ السفر إلى إيران مجدداً بعد نحو 8 سنوات، ومنذ ذلك الحين كان يأتي إلى إيران تقريباً كل عام. وأضاف أنه قبل نحو 6 أو 7 سنوات، احتُجز جواز سفره في إيران لنحو شهرين ونصف.
ومن تداعيات هذه القضية أيضاً إطلاق حملة إلكترونية للتحقق من وضع قيصر كمواطن أمريكي. وذكرت "يورو نيوز" في 5 حزيران/ يونيو 2026 أن الحملة طالبت المسؤولين الأمريكيين بالتحقق من وضعه من ناحية الجنسية، وكذلك من تداعيات سفره إلى إيران. وجمعت الحملة أكثر من 4 آلاف توقيع.
عاد محسن نامجو، المغني والملحن الإيراني، إلى طهران في 27 آب/ أغسطس 2026، بعد نحو 20 عاماً من الإقامة خارج إيران.
وقبل دخوله البلاد، أعلن في رسالة مصورة أنه قرر إلغاء أنشطته المقررة في الولايات المتحدة وكندا والعودة إلى إيران.
وقال نامجو إن السبب الرئيسي لقراره هو شعوره بالتعب من الحياة في الغربة ورغبته في أن يكون إلى جانب عائلته وأصدقائه. وقال إنه حتى لو لم يتمكن بعد عودته من مواصلة نشاطه الفني، فإن وجوده في إيران أهم بالنسبة إليه.
وجاء الإعلان عن هذا القرار في الوقت الذي كان من المقرر أن يحيي فيه حفلات في نيويورك وتورونتو وواشنطن، لكنه ألغى جميع هذه الحفلات.
واكتسبت عودة نامجو أهمية إضافية بسبب مسيرته الطويلة في الخارج، وكذلك بسبب سجله القضائي.
ففي عام 2009، حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة ما وصفته المحكمة بـ"إهانة المقدسات"، لكن الحكم لم يصبح نهائياً ولم يدخل نامجو السجن. وبعد مغادرته إيران، واصل نامجو نشاطه الموسيقي في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما أدت عودته إلى إعادة فتح ملفات مثيرة للجدل من ماضيه في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي؛ ففي عام 2020، وجهت عدة سيدات اتهامات إلى نامجو بالتحرش والاعتداء الجنسي. واتهمته إحدى هؤلاء بالاغتصاب، وقالت إنها أبلغت الشرطة الأمريكية بالواقعة. وقد نفى نامجو هذه الاتهامات.
في المقابل، شدد عدد من المتابعين على أن الاتهامات المطروحة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية من دون استكمال الإجراءات القضائية، وأن مسألة عودة شخص إلى بلده ينبغي بحثها بصورة منفصلة عن الخلافات السياسية والاجتماعية.
كان أحد الأسئلة الرئيسية التي طُرحت بعد عودة نامجو هو ما إذا كانت هذه الخطوة مرتبطة بالسياسة التي أعلنتها الحكومة الإيرانية لتسهيل عودة بعض الشخصيات الثقافية والفنية والفكرية المقيمة خارج البلاد. وجاءت هذه التطورات في وقت تحدث فيه مسؤولون إيرانيون عن جهود لإعادة شخصيات مقيمة في الخارج.
ويطرح هذا الملف وجهات نظر قانونية واجتماعية مختلفة بشأن الضمانات القضائية وشروط عودة هؤلاء الأشخاص. ومع ذلك، لم يُعلن رسمياً حتى الآن أن عودة نامْجو وبيجن مرتضوي وقيصر كانت تحديداً نتيجة اتفاق رسمي مع الحكومة أو مؤسسات حكومية.
لكن في الرأي العام طُرح احتمال أنهم نسقوا بالتأكيد مع جهات ما قبل عودتهم، وتمكنوا من الحصول على ضوء أخضر من السلطات الإيرانية، بما يضمن عدم تعرضهم في إيران للسجن أو المحاكمة أو أي قيود أخرى.
أصبحت قصة بيجن مرتضوي أكثر إثارة للجدل لأن خبر عودته نُفي في البداية من جانب المطرب نفسه. في 28 أيلول/ سبتمبر 2026، أفادت عدة وسائل إعلام إيرانية بأن مرتضوي دخل البلاد بعد سنوات من الإقامة خارج إيران. لكن مرتضوي نشر في اليوم نفسه مقطع فيديو على إنستغرام أعلن فيه أن خبر عودته كاذب، وانتقد الصحافي الذي نشر الخبر. وفي ذلك الوقت، وصفت حتى وسائل الإعلام خارج إيران التقارير المتعلقة بعودته بأنها "متضاربة".
لكن بعد يومين تغيرت الصورة. فقد عاد مرتضوي بالفعل إلى إيران. وفي 30 أيلول/ سبتمبر 2026، وصل مرتضوي برفقة زوجته، نرجس (نيلا) فرخي، إلى مطار الإمام الخميني في طهران، وأكد وجوده في إيران من خلال بث مباشر عبر الفيديو.
كما أكدت وكالة الجمهورية الإسلامية الرسمية (إرنا) عودته، وقالت إن مرتضوي عاد إلى إيران بعد 47 عاماً. وأكدت الصور المنشورة لوجوده وزوجته في المطار هذه العودة.
وكما حدث مع نامجو وقيصر، أثارت عودة مرتضوي ردود فعل متباينة للغاية. فقد رحب بعض مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي بعودة الفنان، واعتبروها قراراً شخصياً وعلامة على تعلقه بإيران.
في المقابل، أعاد آخرون نشر مواقف قديمة لمرتضوي ضد الجمهورية الإسلامية وتأييده للاحتجاجات، متسائلين عن كيفية التوفيق بين مواقفه السابقة وعودته الحالية.
وأشار بعض المستخدمين إلى مواقف مرتضوي ونامجو وقيصر السابقة بشأن الحرب، بينما انتقد بعض المستخدمين المقربين من الحكومة أيضاً عودة بعض الفنانين، بل طالبوا باتخاذ إجراءات قضائية بحق بعضهم.
واللافت أن كلاً من الأوساط المتشددة بين معارضي الجمهورية الإسلامية خارج إيران، والتيارات المتشددة المؤيدة للجمهورية الإسلامية داخل البلاد، عارض بشدة عودة هؤلاء المطربين.
وفي هذا المناخ المستقطب، انتقدت صحيفة "كيهان" الإيرانية، المحافظة والمتشددة، عودة بعض الشخصيات المقيمة خارج البلاد، واتهمت وسائل الإعلام المحلية بإيجاد "منطقة آمنة" لهم.
كما طالبت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية، في تقرير لها، بمساءلة المطربين ومحاكمتهم ومعاقبتهم قبل الموافقة على عودتهم إلى إيران.
وفي المقابل، فسّر معارضو الحكومة عودةَ هؤلاء الفنانين، في بعض الحالات، باعتبارها خطوة تتماشى مع السياسة الدعائية للحكومة، مشيرين أيضاً، كتصرف ازدواجي من النظام، إلى معارضة الحكم ضد المطربة بَرَستو أحمدي التي غنت داخل إيران دون حجاب.
لكن هذه التفسيرات تظل مواقف سياسية وإعلامية، ولا تثبت بالضرورة الدوافع الحقيقية لهؤلاء الفنانين.
وتزامن عودة هؤلاء المطربين مع أخبار أخرى عن عودة شخصيات ثقافية وإعلامية، أو احتمال عودتها، هو ما أدى إلى نشوء نقاش أوسع: هل نحن أمام مجموعة من القرارات الشخصية التي اتخذها فنانون للعودة إلى بلادهم، أم أن سياسة جديدة لإعادة جزء من الشخصيات الثقافية المقيمة خارج إيران بدأت تتشكل؟
Loading ads...
في الوقت الراهن، لا تسمح الأدلة المتاحة وحدها بالتوصل إلى نتيجة قاطعة بشأن وجود برنامج واحد ومنسق لإعادة هؤلاء الأشخاص، بل يحتاج الأمر مزيداً من الوقت والأدلة حتى الوصول إلى صورة أكثر وضوحاً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





