2 ساعات
السمنة والصحة النفسية.. دليلك لفهم العلاقة المعقدة بين الجسم والدماغ
الإثنين، 29 يونيو 2026

تصنف الهيئات الصحية السمنة باعتبارها مرضاً مزمناً معقداً، لا يقتصر على زيادة الوزن أو اختلال التوازن بين السعرات الداخلة والخارجة، بل يرتبط بعوامل وراثية وهرمونية وعصبية وسلوكية وبيئية واجتماعية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن السمنة أصبحت من أكثر مشكلات الصحة العامة انتشاراً، إذ كان شخص واحد من كل ثمانية أشخاص في العالم يعاني منها في عام 2022، لافتة إلى أن معدلاتها تضاعفت بين البالغين منذ عام 1990، فضلاً عن ارتفاعها بين الأطفال والمراهقين.
في الوقت نفسه، تشير الأدلة الطبية إلى وجود تداخل واضح بين السمنة واضطرابات الصحة النفسية، خاصة الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل واضطرابات صورة الجسد. ولا تقدم هذه الأدلة السمنة كسبب وحيد للاضطرابات النفسية، ولا الاضطرابات النفسية كسبب وحيد لزيادة الوزن، لكنها تدعم وجود علاقة ثنائية الاتجاه؛ إذ يمكن أن تزيد السمنة احتمال بعض الاضطرابات النفسية، بينما قد تسهم الاضطرابات النفسية في زيادة الوزن أو صعوبة فقدانه.
وتظهر هذه العلاقة عبر مسارات متعددة، منها الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالوزن، والالتهاب منخفض الدرجة، واضطرابات النوم، وانخفاض النشاط البدني، وتغيرات الشهية، وبعض الأدوية النفسية، إلى جانب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في الغذاء والحركة والرعاية الصحية.
ويشير باحثون إلى أن التعامل مع السمنة بمعزل عن الصحة النفسية، أو علاج الاضطرابات النفسية دون متابعة الوزن والتمثيل الغذائي، قد يؤدي إلى رعاية غير مكتملة.
لا تدعم الأدبيات العلمية اختزال السمنة في نقص الإرادة أو الكسل، إذ تنظم أجسام البشر الوزن عبر شبكة من الإشارات العصبية والهرمونية تشمل الدماغ والأنسجة الدهنية والجهاز الهضمي والبنكرياس والهرمونات المنظمة للجوع والشبع واستهلاك الطاقة. وتؤثر الجينات، والبيئة الغذائية، والنوم، والتوتر، والأدوية، والحركة اليومية في هذه الشبكة.
وتزيد البيئة الحديثة من تعقيد هذه العوامل، مع انتشار الأطعمة عالية السعرات وفائقة التصنيع، وانخفاض الحركة في كثير من الأعمال، وقصر مدة النوم أو اضطرابه، وتكرار التعرض للضغط النفسي. وترتبط هذه العوامل بزيادة الوزن من جهة، وباضطراب المزاج والقلق وتنظيم الشهية من جهة أخرى.
أحد المسارات المباشرة بين السمنة والصحة النفسية يتمثل في الوصمة والتمييز. فالأشخاص الذين يعيشون مع السمنة قد يواجهون تعليقات سلبية أو تنمراً أو تمييزاً في التعليم والعمل والرعاية الصحية. وتذكر بيانات بحثية أن وصمة الوزن ترتبط بضرر نفسي وجسدي، وبانخفاض احتمال الحصول على رعاية مناسبة أو الاستمرار فيها.
وتشير دراسات عن وصمة الوزن داخل الرعاية الصحية إلى أن بعض المرضى المصابين بالسمنة يواجهون افتراضات مسبقة بشأن التزامهم أو سلوكهم، أو تنسب شكواهم الصحية تلقائياً إلى الوزن. وترتبط هذه التجارب بتجنب الرعاية، وتأخر الفحوص، وضعف العلاقة العلاجية.
ولا يقتصر أثر الوصمة على الحالة النفسية، إذ قد يرتبط أيضاً بسلوكيات صحية أقل ملاءمة، مثل تجنب النشاط البدني في الأماكن العامة، أو تجنب المتابعة الطبية، أو الدخول في دورات متكررة من الحميات القاسية ثم استعادة الوزن. وتصف الأدبيات هذه الآلية بأنها جزء من حلقة متكررة بين الضغط النفسي والسلوك الصحي والوزن.
المسار البيولوجي يمثل جانباً آخر من العلاقة، حيث ترتبط السمنة خاصة الحشوية منها (المحيطة بالأعضاء الداخلية) بدرجات منخفضة ومستمرة من الالتهاب. وتشير دراسات إلى أن الالتهاب قد يتفاعل مع دوائر الدماغ المسؤولة عن المزاج والدافعية والمكافأة، ما يوفر أحد التفسيرات المحتملة للعلاقة بين السمنة والاكتئاب.
وتضيف مضاعفات السمنة عبئاً نفسياً وسلوكياً. فآلام المفاصل، وانقطاع النفس أثناء النوم، والإرهاق، والسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وصعوبة الحركة، كلها عوامل قد تقلل جودة الحياة وتزيد خطر الاكتئاب أو القلق. وفي المقابل، قد تجعل أعراض الاكتئاب والقلق النشاط البدني والمتابعة الصحية وتغيير الغذاء أكثر صعوبة.
وتعمل الاضطرابات النفسية في الاتجاه الآخر عبر مسارات متعددة. فالاكتئاب قد يقلل الطاقة والدافعية والنشاط البدني، وقد يرتبط لدى بعض الأشخاص بزيادة الشهية أو الميل إلى أطعمة عالية السكر والدهون. كما قد يؤدي اضطراب النوم، سواء في صورة أرق أو نوم مفرط، إلى تغيرات تؤثر في الوزن والتمثيل الغذائي.
أما القلق المزمن فيرتبط بتنشيط منظومة التوتر في الجسم، ومنها محور تحت المهاد (حلقة الوصل الأساسية بين الجهازين العصبي والغدد الصماء) والغدة النخامية والكظرية.
كما يرتبط التعرض الطويل للتوتر بتغيرات في الكورتيزول والنوم والشهية، وهي عوامل قد تسهم في زيادة الدهون الحشوية لدى بعض الأشخاص.
وتشكل اضطرابات الأكل حلقة منفصلة داخل هذه العلاقة، فاضطراب نهم الطعام قد يرتبط بزيادة الوزن ومشاعر فقدان السيطرة والذنب، بينما قد تؤدي الحميات القاسية أو الوصمة إلى تفاقم اضطراب العلاقة مع الطعام. لذلك، تفرق الأدبيات الطبية بين علاج السمنة وعلاج اضطرابات الأكل، مع الحاجة إلى تقييم وجودهما معاً عند بعض المرضى.
وتشير إرشادات الغدد الصماء إلى أن عدداً من الأدوية المستخدمة لعلاج حالات مزمنة، بينها بعض أدوية الاكتئاب والذهان ومثبتات المزاج، قد يرتبط بزيادة الوزن لدى بعض المرضى. ولا يعني ذلك إيقاف العلاج النفسي أو الدوائي، لكنه يدعم متابعة الوزن ومحيط الخصر والسكر والدهون ومناقشة البدائل عند الحاجة.
يمثل الدماغ نقطة التقاء رئيسية بين السمنة والصحة النفسية؛ فهو ينظم الجوع والشبع، ويستجيب للمكافأة، ويتعامل مع التوتر، ويؤثر في المزاج والحركة والنوم. وتنشط الأطعمة عالية السكر والدهون دوائر المكافأة في الدماغ، وهي دوائر بيولوجية مرتبطة بالسعي إلى الطاقة. وفي بيئة يتوافر فيها الطعام عالي السعرات باستمرار، قد تزيد صعوبة ضبط الشهية، خاصة لدى من يعانون ضغطاً نفسياً أو اكتئاباً أو قلقاً.
وتشارك هرمونات الطاقة في هذه الحلقة. فاللبتين (هرمون الشبع)، والأنسولين، والجريلين (هرمون الجوع)، وهرمونات أخرى تنقل إلى الدماغ إشارات عن مخزون الطاقة والجوع والشبع. ويتأثر بعض هذه الهرمونات بالنوم والتوتر وتوقيت الطعام. وتوضح أبحاث النوم والتمثيل الغذائي أن قلة النوم واضطراب الساعة البيولوجية قد يؤثران في الشهية، واختيار الطعام، واستهلاك الطاقة، وخطر السمنة.
كما يدرس الباحثون محور الأمعاء والدماغ بوصفه مساراً محتملاً يربط بين السمنة والاكتئاب. وتشير بعض الدراسات إلى ارتباطات بين ميكروبات الأمعاء، والالتهاب، والتمثيل الغذائي، والمزاج، لكن هذا المجال لا يزال قيد البحث، ولا يسمح حتى الآن باستنتاجات علاجية مبسطة أو وصفات عامة لكل المرضى.
ويعد النوم عاملاً مشتركاً في السمنة والصحة النفسية. فقصر مدة النوم أو اضطرابه يرتبط بتغيرات في الشهية، وارتفاع استهلاك الطعام لدى بعض الأشخاص، وانخفاض الطاقة اللازمة للحركة، كما يرتبط بزيادة أعراض القلق والاكتئاب وضعف التركيز.
وترتبط السمنة أيضاً بانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، وهي حالة يحدث فيها توقف متكرر للتنفس خلال النوم، ما يؤدي إلى نوم متقطع ونعاس نهاري. وقد تسهم هذه الحالة في الإرهاق، وانخفاض النشاط، وتدهور المزاج، وصعوبة التحكم في الوزن.
وتتفق الأدبيات الحديثة على ضرورة الفصل بين مناقشة المخاطر الصحية للسمنة وبين استخدام لغة أو سياسات تزيد وصمة الوزن.
وخلص بيان دولي منشور في دورية Nature Medicine إلى أن وصمة السمنة تسبب ضرراً نفسياً وجسدياً وتضعف فرص الحصول على رعاية مناسبة. وتنعكس هذه الرؤية على لغة الرعاية الصحية، إذ تفضل جهات مهنية استخدام تعبيرات تركز على الشخص لا على الصفة، مثل "شخص مصاب بالسمنة" أو "شخص يعيش مع السمنة" بدل اختزال الفرد في وزنه. ويهدف هذا النهج إلى تقليل الوصمة وتحسين التواصل العلاجي.
وتشير الإرشادات إلى أن علاج السمنة يتطلب نهجاً متعدد المكونات، يشمل الغذاء، والحركة، والسلوك، والنوم، وتقييم الأمراض المصاحبة، وقد يشمل الأدوية أو الجراحة لبعض المرضى. وتؤكد إرشادات الغدد الصماء أن تعديل السلوك والغذاء والنشاط البدني جزء من جميع خطط علاج السمنة، حتى عند استخدام الدواء أو الجراحة.
ويدخل العلاج النفسي في هذا المسار عند وجود اكتئاب أو قلق أو اضطرابات أكل أو وصمة داخلية أو اضطراب في صورة الجسد. ولا يعني ذلك أن السمنة اضطراب نفسي فقط، بل يعني أن السلوكيات المرتبطة بالطعام والحركة والنوم تتأثر بالحالة النفسية والبيئة الاجتماعية.
ويظهر النشاط البدني في الأدبيات الطبية كعامل يؤثر في الوزن والصحة النفسية معاً؛ فالحركة المنتظمة قد تحسن المزاج والنوم وحساسية الإنسولين، كما تساعد في الحفاظ على الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن. وتشير الإرشادات إلى أهمية اختيار أنشطة قابلة للاستمرار، بدلاً من الاعتماد على برامج قاسية قصيرة المدى.
وتتضمن الرعاية الغذائية الحديثة تقليل الأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات السكرية وزيادة الأطعمة الغنية بالألياف والبروتينات المناسبة، مع بناء نمط قابل للاستمرار. وتشير الأدبيات إلى أن الحميات الشديدة قد لا تكون مناسبة لبعض المرضى، خاصة عند وجود اضطرابات أكل أو تاريخ من دورات متكررة من المنع ثم الانتكاس.
وأصبحت أدوية علاج السمنة، ومنها ناهضات مستقبلات GLP-1 وأدوية أخرى، جزءاً من الخيارات الطبية لبعض المرضى وفق معايير محددة. ويعرض المعهد الوطني الأميركي للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى أدوية معتمدة للاستخدام طويل الأمد لعلاج السمنة أو زيادة الوزن المصحوبة بعوامل خطر. وتؤكد هذه المصادر أن استخدامها يتطلب متابعة طبية ولا يغني عن مكونات العلاج الأخرى.
وفي ما يتعلق بمخاوف الصحة النفسية مع أدوية GLP-1، أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل الماضي أن تقييمها لم يجد دليلاً على أن هذه الأدوية تسبب أفكاراً أو أفعالاً انتحارية، وطلبت إزالة هذا التحذير من النشرات الدوائية الخاصة بهذه الفئة. ومع ذلك، يبقى تقييم التاريخ النفسي ومراقبة الأعراض جزءاً من الممارسة الطبية، خاصة لدى المرضى الذين لديهم اضطرابات نفسية أو اضطرابات أكل.
أما جراحة السمنة، فتظهر الدراسات أنها قد ترتبط بتحسن في أعراض الاكتئاب لدى بعض المرضى، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تقييم نفسي قبل وبعد الجراحة. وتشير مراجعات إلى أن المرشحين للجراحة قد تكون لديهم معدلات أعلى من الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل، وأن المتابعة النفسية تساعد في التعامل مع التغيرات الجسدية والسلوكية بعد الجراحة.
وتتطلب السمنة لدى الأطفال والمراهقين تعاملاً خاصاً، بسبب ارتباط الوزن بصورة الجسد والتنمر والمزاج والسلوك الغذائي في مراحل النمو. وتوصي إرشادات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بنهج عائلي غير وصمي، مع تقييم الأمراض المصاحبة والدعم السلوكي والنفسي عند الحاجة.
وتوضح هذه الإرشادات أن علاج الأطفال والمراهقين لا يقوم على التعليق على الشكل أو عزل الطفل عن الأسرة، بل على تدخل عائلي ومجتمعي يشمل الغذاء والنشاط والنوم والدعم النفسي. ويكتسب هذا النهج أهمية خاصة عند وجود أعراض اكتئاب أو قلق أو اضطرابات أكل أو تنمر.
وتفسر هذه الأدلة سبب محدودية النصائح التقليدية المختزلة في "تقليل الطعام وزيادة الحركة". فهذه النصائح لا تفسر اختلاف النوم، والضغط النفسي، والأدوية، والألم، والدخل، والبيئة الغذائية، والوصمة، واضطرابات الأكل، والدعم الاجتماعي بين المرضى. لذلك، تتجه الرعاية الحديثة إلى تقييم فردي يربط الوزن بالحالة النفسية والظروف الصحية والاجتماعية.
وتدعم المصادر الطبية دمج تقييم الصحة النفسية ضمن علاج السمنة، ودمج متابعة الوزن والتمثيل الغذائي ضمن رعاية المرضى النفسيين. ويشمل ذلك فحص الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والنوم، ومراجعة الأدوية، ومتابعة الضغط والسكر والدهون ومحيط الخصر عند اللزوم.
Loading ads...
وتشير الأدلة المتاحة إلى أن العلاقة بين السمنة والصحة النفسية ليست خطاً سببياً واحداً، بل شبكة من المسارات البيولوجية والسلوكية والاجتماعية. ويدعم هذا الفهم نموذجاً علاجياً يتعامل مع السمنة كحالة مزمنة ومع الصحة النفسية كجزء من التقييم والعلاج، لا كعامل منفصل أو ثانوي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




