ساعة واحدة
بين إرث الماضي وتحديات الحاضر.. ملف الاستملاك في الليرمون بحلب
الخميس، 7 مايو 2026
يتجدّد الجدل في منطقة الليرمون بمدينة حلب، على خلفية اتهامات يوجهها أهالٍ متضررون لمجلس المدينة بالمضي في تنفيذ مشاريع عمرانية تستند، وفق قولهم، إلى قرارات استملاك تعود إلى عهد النظام المخلوع، من دون فتح الملف مجدداً أو مراجعة آثاره القانونية والإنسانية.
في المقابل، تؤكّد بلدية حلب أن الأعمال الجارية لا تستند إلى قوانين الاستملاك القديمة، التي يصفها الأهالي بـ"الجائرة"، بل تُنفّذ وفق "القانون رقم 23 لعام 2015"، الناظم لإحداث مناطق التطوير والتنظيم العمراني.
ويطالب الأهالي بإعادة النظر في قرارات الاستملاك التي طالت عقاراتهم، وضمان تعويض عادل للمتضررين، محذرين من أن استمرار التعامل مع الملف بالآليات ذاتها قد يفاقم الأزمة الاجتماعية والإنسانية في منطقة أنهكتها سنوات الحرب والدمار.
وتُعدّ منطقة الليرمون في حلب، واحدةً من أبرز المناطق الصناعية والتجارية في المدينة، إذ شكّلت قبل عام 2011 ركيزةً حيويةً للاقتصاد المحلي، بحكم موقعها شمال غربي المدينة ومدخلاً رئيسياً إليها من جهة الريف الشمالي، قبل أن تتحوّل خلال سنوات الحرب إلى خط جبهة لفترات طويلة، ما أدّى إلى دمار واسع في بنيتها التحتية ومنشآتها الصناعية والتجارية.
في هذا التقرير، يسلّط موقع تلفزيون سوريا، الضوء على معاناة المتضررين في منطقة الليرمون ومطالبهم، ضمن ملف يُعدّ من أكثر الملفات العقارية تعقيداً في الساحة السوريّة، خاصّةً أن كثيراً من قرارات الاستملاك والتنظيم العمراني صدرت خلال سنوات حكم النظام المخلوع، وسط اتهامات واسعة باستخدامها أداةً لإعادة رسم الملكيات ومصادرة الحقوق.
يقول أحمد كردية، أحد أبناء منطقة الليرمون، إن عشرات العائلات ما تزال عاجزة عن العودة إلى منازلها بعدما هُدمت خلال السنوات الماضية، متهماً مجلس مدينة حلب بالمضي في مشاريع استملاك بدأت في عهد النظام المخلوع، من دون تقديم تعويض منصف للمتضررين.
ويوضح كردية أن الحارة الشرقية في الليرمون تعرّضت للهدم الكامل خلال فترة النزوح، مشيراً إلى أن مشاريع تشمل حدائق وملاعب وجمعيات سكنية يُعتزم تنفيذها على أراضٍ يملكها السكان الأصليون، بينما يعيش كثير منهم اليوم في المخيمات أو في مناطق نزوح خارج الحي.
ويؤكد أن الأهالي يطالبون بوقف إجراءات الاستملاك فوراً، وإعادة الحقوق إلى أصحابها أو دفع تعويضات تتناسب مع القيمة الحقيقية للأراضي، لافتاً إلى أن تحركاتهم ومطالبهم "سلمية وتهدف إلى إنصاف المتضررين".
ويدعو كردية إلى إلغاء القوانين التي يعدّها الأهالي مخالفة لمبادئ العدالة، وفي مقدمتها "القانون رقم 26 لعام 2000" المعدّل لـ"المرسوم 60"، إضافة إلى "القانون رقم 23 لعام 2015"، مطالباً بتشكيل لجنة قضائية لإعادة النظر في ملف الاستملاك، ولجان محلية تعمل على إعادة الحقوق إلى أصحابها أو منحهم تعويضات عادلة.
بحسب شهادات الأهالي، فإنّ الاعتراض لا يقتصر على ملف الجمعيات السكنية، بل يشمل أيضاً إقامة مؤسسات خدمية وصناعية داخل الحي، بينها مؤسسة أعلاف ومؤسسة لإكثار البذار،يقول السكان إنها أسهمت في تراجع الواقع المعيشي والخدمي في المنطقة.
ويؤكد متضررون أن الليرمون يفتقد اليوم إلى الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وصرف صحي وإنترنت، رغم القيمة العقارية المرتفعة للأراضي، والتي يقولون إنها تصل حالياً إلى عشرات آلاف الدولارات.
كذلك، يتهم الأهالي مجلس المدينة بالإسراع في تنفيذ المشاريع قبل صدور أي قرارات جديدة عن مجلس الشعب المرتقب، معبرين عن اعتقادهم بأن أي معالجة تشريعية مستقبلية قد تنصف المتضررين، وتعيد النظر في ملفات الاستملاك القديمة.
في المقابل، ينفي مدير مكتب رئيس بلدية حلب أنس الدبس، أن تكون البلدية تنفذ حالياً أي بقعة تنظيمية وفق "المرسوم 60" أو قوانين الاستملاك القديمة، حيث يؤكّد أن جميع المشاريع الحالية تخضع لـ"القانون رقم 23 لعام 2015"، الذي يصف بأنه "الأكثر إنصافاً بحق أصحاب الملكيات".
ويوضح الدبس أن الأعمال الجارية في بعض البقع التنظيمية تستند إلى استملاكات قديمة وعقود مبرمة مع جهات عامة ووزارات، بهدف معالجة الملف الإسكاني، مضيفاً أن التراجع عن هذه المشاريع في الوقت الراهن قد يترتب عليه تبعات قانونية مرتبطة بعقود التنفيذ والتخصيصات السابقة.
ويشير إلى أن البلدية لا تعتزم تنفيذ أي استملاكات جديدة وفق القوانين التي يرفضها الأهالي، لافتاً إلى أن تعديل قوانين التعويض أو مراجعة ملفات الاستملاك يندرج ضمن اختصاص السلطة التشريعية.
كذلك، يؤكّد الدبس أن الأراضي "لم تُصادر"، بل جرى تخصيص أصحابها وفق النسب المحددة قانوناً، وذلك في العقارات التي نُقلت ملكياتها سابقاً إلى جمعيات سكنية أو جهات عامة.
من جهته، يرى القاضي حسين حمادة أن مطالب المحتجين بإلغاء قوانين الاستملاك الصادرة خلال عهد النظام المخلوع "غير ممكنة حالياً"، موضحاً أن هذا الملف يندرج ضمن اختصاص مجلس الشعب.
ويبيّن حمادة أن العقارات المستملكة بموجب "المرسوم رقم 60 لعام 1979"، ولا سيما تلك التي أُقيمت عليها مشاريع عامة، كالمساحات الخضراء والطرق والمقاسم السكنية، تحتاج إلى معالجة تشريعية وقضائية وإدارية متكاملة، بما يضمن عدم تحميل أصحاب الأراضي وحدهم أعباء إنشاء المرافق العامة، أو حرمانهم من حقوقهم الملكية.
ويشير إلى أن إنصاف المتضررين يمكن أن يتم عبر مسارين متوازيين؛ أولهما تشكيل جمعية سكنية تضم المالكين السابقين والحاليين والشاغلين بحسن نية ضمن البقعة التنظيمية، وثانيهما تخصيص المقاسم الناتجة عن التنظيم لأعضاء هذه الجمعية من دون مقابل، مع منح المالكين نسباً تعادل مساحة ملكياتهم.
كذلك، يضيف القاضي حمادة أن هذا الطرح قد يشكّل مدخلاً عملياً لإشراك الأهالي في إعادة تنظيم مناطقهم، وتحقيق توازن بين البعدَين الإنساني والاجتماعي من جهة، والأهداف التخطيطية والتنظيمية من جهة أخرى.
في السياق ذاته، يروي حمادة أحمد، أحد أبناء الليرمون والمتضررين من الاستملاك، أن جذور القضية تعود إلى عام 1979، حين صدر قرار باستملاك مساحات واسعة من أراضي المنطقة، بذريعة إدخالها ضمن المخطط التنظيمي لمدينة حلب.
ويؤكد أحمد أن الأهالي اعترضوا على القرار منذ البداية، معتبرين أن الأراضي المستملكة كانت أراضي زراعية ذات قيمة اقتصادية، وليست "أراضي صخرية"، كما ورد في المبررات الرسمية للاستملاك.
ويضيف أحمد، أنّ الاحتجاجات تصاعدت في تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مع إطلاق مشروع جمعية الزهراء السكنية، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية تدخلت لتفريق المحتجين، عام 1996، بالتزامن مع عمليات هدم طالت منازل وقطع أشجار، ما عمّق شعور الأهالي بالظلم ورسّخ مطالبهم بإنصاف المتضررين.
وفي ملف التعويضات، يقول حمادة إن الأسعار التي حددتها الجهات الرسمية سابقاً كانت متدنية للغاية، إذ بدأت بنحو ليرة ونصف للمتر الواحد، قبل أن ترتفع لاحقاً إلى 35 ليرة سورية، وهي مبالغ لا تعكس، وفق قوله، القيمة الفعلية للأراضي، ولا سيما بعد الارتفاع الكبير في أسعار العقارات خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن كثيراً من العائلات المتضررة ما تزال تعيش في منازل مستأجرة أو ضمن أوضاع سكنية غير مستقرة، في وقت أُقيمت فيه مشاريع سكنية على أراضيهم استفادت منها جهات محددة، وفق تعبيره.
ويتهم حمادة بعض الجهات بالتواطؤ مع جمعيات سكنية للاستفادة من آليات توزيع المقاسم، معتبراً أن النظام المخلوع أتاح لتجار ومسؤولين الاستفادة من مشاريع التنظيم العمراني على حساب المالكين الأصليين، وسط مخاوف لدى الأهالي من استمرار هذا النهج حتى اليوم.
وكان أهالي الليرمون قد نظموا، قبل أيام، وقفة احتجاجية أمام القصر العدلي في حلب، رفضاً لقانون الاستملاك، مطالبين بإلغاء القوانين التي يعدّونها مخالفة لمبدأ العدالة.
ونقل مراسل تلفزيون سوريا عن مصادر محلية، أنّ أصحاب العقارات المصادرة من أهالي الليرمون وكفر حمرة شاركوا في الوقفة احتجاجاً على مشروع "W3"، بسبب عدم حصولهم على تعويضات مناسبة وفق الأسعار الحقيقية.
يُعد مشروع "W3" محوراً سكنياً وتنظيمياً جديداً يقع غرب منطقة جمعية الزهراء في مدينة حلب، ويهدف إلى إنشاء قرابة 14 ألف وحدة سكنية.
وتشير المصادر إلى أن قيمة التعويضات المطروحة لا تتجاوز 10% من السعر الفعلي للعقارات، وهو ما يرفضه الأهالي، في ظل ما يصفونه بتجاهل مجلس محافظة حلب ومجلس المدينة لمطالبهم، باعتبار أن الاستملاك قديم ويستند إلى القانون رقم 60.
وسبق أن بدأت في حي الحيدرية بمدينة حلب أعمال هدم المباني وترحيل الأنقاض، ضمن المرحلة الأولى من مشروع التطوير العقاري الذي أطلقه مجلس مدينة حلب مؤخراً، في إطار خطة لإعادة تأهيل الأحياء الشرقية المتضررة.
وبحسب عدد من سكّان الحي لموقع تلفزيون سوريا، فإنّهم لم يتلقوا حتى الآن معلومات رسمية واضحة بشأن قيمة التعويضات أو طبيعة البدائل السكنية التي ستُمنح لهم، في حين يبدي آخرون خشيتهم من أن تمتد مدة تنفيذ المشروع لسنوات، على غرار مشاريع مشابهة لم تُستكمل بعد في أحياء أخرى من المدينة.
Loading ads...
بين تمسّك الأهالي بحقوقهم التاريخية في الأرض والسكن، وإصرار الجهات الرسمية على المضي في المشاريع التنظيمية وفق القوانين النافذة، تبقى قضية الليرمون اختباراً لقدرة السلطات على إنصاف المتضررين وتحقيق العدالة، بعيداً عن إعادة إنتاج سياسات الماضي، التي ما تزال تلقي بظلالها على حاضر السوريين ومستقبلهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي في كوريا الجنوبية
منذ ساعة واحدة
0
ما الذي يُسمى "عقلَ الدولة"؟
منذ ساعة واحدة
0


