لا يوجد، في هذه الدنيا كلّها، رجلٌ، أو امرأة، يمتلك "عقلَ دولة"، أو يدير ثورةً بـ "عقلِ دولة"، إلا إذا أردنا أن نتغاضى عن اللاعقلانية، والحمولة الشعبوية في هذا التوصيف، وعن نيّات بعض السوريين في بناء طرائق المديح بصورةٍ جديدةٍ قديمة، تلائم الأدب أكثر ممَّا تلائم السياسة.
هذا بطبيعة الحال، ليس لأنَّ البشر كلّهم مُقصِّرون في امتلاك "عقل دولة"، بل لأنَّ "عقلَ الدولة" مفهومٌ لا يمكن أن نطلقه على فردٍ واحد، من دون أن نخون دلالته، ومعناه، والغرض من نحته؛ فـ "عقل الدولة" هو عقل التفكير المؤسَّسي لجماعةٍ من البشر يربطها عقدٌ اجتماعي، وإنّنا، عندما نستخدم هذا المجاز، فنحن، بالضرورة، نعني وجودَ شرطين يعملان معًا في الحياة العمومية للجماعة. الشرط الأول هو وجود تقاليد عمومية تُحفِّز قابليةَ المشاركة في التفكير معًا، والقدرةَ على العمل مع الناس مؤسسيًّا على نطاقٍ واسع من دون الادعاء بامتلاك الحقيقة، والشرط الثاني هو وجود القانون الناظم لهذه المؤسَّسات، وبناء التقاليد المؤصَّلة قانونيًا، والقابلة للتطور. مجموع هذين الشرطين معًا هو ما يمكن أن نسميه ذهنية عمل الدولة. إذًا لنقل إنَّها قابلية المشاركة، والعمل ضمن المؤسسة، والمرونة العقائدية اللازمة لتحقيق لذلك، مضافًا إليها القانون الذي يضعه ممثلو الشعب ليمثِّل روحَ الشعب، وطرائق تعاقدهم الاجتماعي. لذلك، فإنَّ عقل الدولة هو عقل الجماعة (وليس عقل واحدٍ من رجالاتها، أو نسائها) مضافًا إليه العقد الاجتماعي، والقانون الذي اتفق عليه المواطنون معًا، وصاغوه بأنفسهم بوساطة ممثلين اختاروهم بإرادتهم.
ليس من باب لوم أحد، أو التقليل من قيمة أحدٍ، أو من قيمة تجربة جماعة، فليس هذا موضوعنا إطلاقًا، إنما هو من باب الحث على التفكير ببدء هذه الورشة السياسية المُهمَّة، أي ورشة بناء "عقل الدولة"، وهي نفسها ورشة ابتكار الشعب السوري من جديد.
وأيضًا، ثمة فرقٌ مفهوميٌّ بين عقل الدولة، والعقل المؤسِّس للدولة، ومع ذلك، لا يوجد فردٌ يمكن أن نقول إنّه يمتلك عقلًا مؤسِّسًا للدولة إلّا إذا أردنا التبشير بديكتاتورٍ جديد. العقل المُؤسِّس للدولة، هو القابل للتفاعل المدني الذي يؤدي إلى التعاقد وتدبير الاختلاف، أي إنّه وبكلمة واحدة، عقلٌ مديني. وبما أن التعاقد لا يتم إلا مع حضور آخر، والاختلاف أيضًا لا يعني شيئًا من دون تنوع، فهذا يعني أن العقلَ المؤسِّس للدولة هو عقلُ مُجتمع، وليس عقل فرد، ومن ثم، بما أنّه عقلٌ مديني؛ فهو بالضرورة عقل مجتمعٍ مدني يتحوّل بموجبه هذا المجتمع إلى شعب، والشعب هو القابل فحسب لامتلاك عقل دولة.
استنادًا إلى ما سبق، وبما أننا نعرف جميعًا حقيقةَ أننا لم نمر إلى الدولة من طريق المجتمع المدني، وأن شرطي ذهنية الدولة لم يتحققا في أيٍ من تجاربنا؛ فعلينا أن ندرك أننا، إلى الآن، لم نخطُ أيَّ خطوةٍ في تأسيس الدولة مدينيًا، لا سابقًا ولا الآن، ولا في إدلب ولا في غيرها.
وهذا، بطبيعة الحال، ليس من باب لوم أحد، أو التقليل من قيمة أحدٍ، أو من قيمة تجربة جماعة، فليس هذا موضوعنا إطلاقًا، إنما هو من باب الحث على التفكير ببدء هذه الورشة السياسية المُهمَّة، أي ورشة بناء "عقل الدولة"، وهي نفسها ورشة ابتكار الشعب السوري من جديد. وهذه المقاربة ليست جلدًا للذات، ولا إنكارًا لإنجازات، ولا هجاءً لأحد أو استنكارًا لاستخدام اللغة، بل إنّها مادةٌ للتفكير في موضوعٍ مطروحٍ للنقاش العام منذ أيام، ونقدٌ لتوصيفٍ يُقلِّل من أهمية الدولة بوصفها مفهومًا أصيلًا من مفهومات السياسة، وطريقًا للنجاة، وبناء مستقبل كلِّ سوري.
ومن جهةٍ أخرى، لا توجد علاقة بين الثورة والدولة؛ لأن الثورة لم تكن ضد الدولة، بل كانت ضد احتكار "عقل الدولة"، ومن ثم ضد إجرامٍ، وظلمٍ، وجهلٍ، وهمجية، تتم باسم هذا "العقل"؛ فالثورة شيء، والدولة شيءٌ آخر، ولا يمكن أن تدار الثورة إلا بعقلية ثورة، والقول بأن "ثورة تُدار بعقلية دولة" قولٌ فيه خللٌ في فهم فكرة الثورة من أساسها، وقلة خبرةٍ بمعانيها، ذلك لأنَّ محاولة إدارة الثورة بعقلية الدولة يعني أن تتحوّل الثورة إلى لعبةٍ ديمقراطية في بلدٍ يسمح بتداول السلطة، وهذا ترفٌ، لم يتوافر لدى الثوار السوريين حتى مجرد التفكير فيه. الثورة، في العمق، كانت ثورةً ضد "جنون الدولة"، الذي كان يعني أن فردًا واحدًا، مجنونًا، اسمه بشار الأسد، كان يريد أن يقنعنا مع حفنةٍ من شبيحته بأنَّ له "عقل دولة". وهذه فكرةٌ قد نفهمها أكثر مع الأساطير التي كانت المخابرات تتحفنا بها حول حافظ الأسد "الذكي"، و"باني سورية الحديثة"، و"رمز الأمة العربية"، و"الداهية في السياسة الخارجية"، وإلى ما هنالك من هذا الهبل، فيما هو في الحقيقة لم يكن أكثر من مجرمٍ متخلفٍ عقليًا.
عقل الدولة عقلٌ عملي، أخلاقي، ينتج ذاته بوساطة المؤسسات، والخطابات، وآليات صنع القرار؛ فالدولة تفكِّر بوساطة مجموعة العقول التي تفكِّر معًا بعد أن تعاقدت على تدبير الاختلاف بوساطة توحيد ذاتها سياسيًا في جسم سياسي موحّد اسمه الدولة، وهو موحدٌ لكي يحافظ على الاختلاف، وإمكان الاختلاف، بل وحق الصراع السلمي، ولكن في المجتمع المدني؛ فالوحدة السياسية هدفها ضمان الاختلاف المديني السلمي.
عقل الدولة له عناصر أكبر من كلِّ الأفراد، أيًا تكن قدراهم العقلية، ونياتهم الأخلاقية، منها القانون، والبيروقراطية، والأرشيف، والجيش، والدبلوماسية، والضرائب، والإحصاء، والأمن، والتعليم، والذاكرة الرسمية، وغيرها الكثير من العناصر التي تجعلها قادرةً على ما لا يستطيع الفرد وحده فعله، ولا حتى الشركات الكبرى.
بهذا المعنى الدولة هي مشروع سلامٍ دائم من دون نبذ الاختلاف بين البشر الذي هو من طبيعتهم البشرية كما خلقهم الله. وفي الحقيقة المجرَّدة، الدولة ليست شيئًا له عقل، إلا أنها الشيء الذي يتصرف كما لو أنَّ له عقلاً، وهذا العقل بالضرورة نتاجٌ اجتماعي، وتاريخي، وموضوعي، وثقافي، واقتصادي، وقانوني، ونفسي..
ثمة ذهنياتٌ مؤسَّساتية، ولكنَّها فقيرةٌ سياسيًا، مثل تلك التي تدير شركات عملاقة، وقد تكون ناجحةً، وميزانياتها أحيانًا أكبر من ميزانيات دول، إلا إنّها تعمل بذهنية المدير التنفيذي، القادر على فصل أي موظف في أي لحظة لأنّه يسبب المتاعب، أو يتسبب بالخسارة، أو لأن سلوكه لا يتلاءم مع أخلاقيات الشركة، أو لأي سببٍ آخر قد يكون تعسفيًا؛ لذلك هذه ذهنية غير سياسية، ولا يمكن أن تكون ذهنية قابلة لتؤهل صاحبها ليكون رجل دولة، فذهنية الدولة لا تستغني حتى عن أكثر مواطنيها سوءاً بل تسعى إلى تأهيله، وإنزال العقوبة القانونية بحقه إذا كان مذنبًا، وأخذ حقوقه إذا كان مظلومًا، وإلى ما هنالك؛ فالعقلانية الإدارية يهمها الأكثر كفاءة، أو ربما ولاءً وكفاءة، في حين أن العقلية السياسية يهمها الأكثر شرعيةً، والأكثر قدرةً على حفظ العالم المشترك. وعقل الدولة له عناصر أكبر من كلِّ الأفراد، أيًا تكن قدراتهم العقلية، ونياتهم الأخلاقية، منها القانون، والبيرقراطية، والأرشيف، والجيش، والدبلوماسية، والضرائب، والإحصاء، والأمن، والتعليم، والذاكرة الرسمية، وغيرها الكثير من العناصر التي تجعلها قادرةً على ما لا يستطيع الفرد وحده فعله، ولا حتى الشركات الكبرى.
Loading ads...
لنبدأ هذه الورشة؛ فهي خيرٌ من استحداث طرائقَ جديدةٍ في المديح والهجاء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي في كوريا الجنوبية
منذ ساعة واحدة
0
ما الذي يُسمى "عقلَ الدولة"؟
منذ ساعة واحدة
0


