ساعة واحدة
نزيف الليرة السورية.. كيف تبددت مكاسب ما بعد الأسد وفقدت 85% من قيمتها؟
الأربعاء، 17 يونيو 2026
بعد أشهر قليلة من التحسن اللافت الذي شهدته الليرة السورية عقب سقوط نظام بشار الأسد، عادت العملة المحلية لتفقد معظم المكاسب التي حققتها، في تطور يعكس حجم التحديات الاقتصادية العميقة التي ما تزال تواجه البلاد رغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية.
وبينما راهنت الأسواق في بداية المرحلة الانتقالية على إمكانية دخول الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من الاستقرار والانفتاح، تكشف التطورات الأخيرة في سوق الصرف أن التفاؤل السياسي لم يكن كافياً لتغيير الحقائق الاقتصادية الراسخة التي تراكمت على مدى أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والانهيار الإنتاجي.
ففي الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق، سجلت الليرة السورية تحسناً ملحوظاً مدفوعة بحالة من التفاؤل في الأوساط الاقتصادية والتجارية، وتوقعات بزيادة تدفقات الاستثمار الخارجي وتحسن العلاقات الاقتصادية مع الدول الإقليمية والغربية، فضلاً عن آمال مرتبطة بإعادة الإعمار وعودة النشاط التجاري والمالي.
غير أن هذه التوقعات بقيت إلى حد كبير رهينة الوعود والإعلانات السياسية، في حين لم تتحول إلى تدفقات فعلية ومستدامة من العملات الأجنبية قادرة على دعم سعر الصرف وتعزيز احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.
ومع انحسار الموجة الأولى من التفاؤل، بدأت الأسواق تعود تدريجياً إلى قراءة المؤشرات الاقتصادية الأساسية، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج المحلي، واستمرار الاعتماد الواسع على الاستيراد، واتساع العجز التجاري، وغياب مصادر مستقرة للعملات الأجنبية، وبات واضحاً أن التحسن الذي شهدته الليرة خلال الأشهر الأولى كان أقرب إلى استجابة نفسية وسياسية مؤقتة منه إلى انعكاس لتعافٍ اقتصادي حقيقي.
في هذا السياق، قال الباحث والخبير الاقتصادي كرم شعار إن الليرة السورية فقدت عملياً جميع المكاسب التي حققتها خلال الأشهر التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، موضحاً أن بيانات أداة تتبع أسعار الصرف تشير إلى تراجع قيمة العملة المحلية بنحو 85 بالمئة بين الذروة التي سجلتها في شباط/فبراير 2025 وأدنى مستوياتها اللاحقة، في مؤشر يعكس تصاعد الضغوط الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد السوري.
تعكس حركة سعر الصرف خلال الأشهر الماضية تسارعاً مقلقاً في وتيرة التراجع، إذ فقدت الليرة نحو 1500 ليرة من قيمتها بين شهري شباط/فبراير ونيسان/أبريل، قبل أن تتكبد خسائر مماثلة تقريباً بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو، ما يشير إلى أن الضغوط النقدية لا تزال تتراكم بوتيرة متسارعة وسط غياب مؤشرات واضحة على حدوث تحسن جوهري في مصادر القطع الأجنبي أو في ميزان التجارة الخارجية.
ويعود جانب مهم من الأزمة الحالية إلى الاختلال المزمن في الميزان التجاري السوري، فوفق تقديرات وتقارير دولية متعددة، لا تزال الواردات السورية تفوق الصادرات بأضعاف، في وقت تضررت فيه القطاعات الإنتاجية الرئيسية، ولا سيما الصناعة والزراعة والطاقة، ما جعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على السلع المستوردة لتأمين احتياجات السوق المحلية.
ويؤدي هذا الخلل بصورة مباشرة إلى زيادة الطلب على الدولار والعملات الأجنبية، مقابل محدودية المعروض منها، الأمر الذي ينعكس على سعر الصرف ويضعف قيمة العملة المحلية.
لا يقتصر الأمر على العجز التجاري فقط، إذ أن أزمة الليرة ترتبط أيضاً باستمرار التوسع في الكتلة النقدية المتداولة مقابل ضعف النمو الحقيقي في الإنتاج.
وفي هذا الإطار أوضح شعار أن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية عادت إلى الاتساع بشكل ملحوظ، الأمر الذي يفرض خسائر سنوية تقدر بعشرات ملايين الدولارات على المنظمات الإنسانية والتنموية العاملة في سوريا نتيجة اضطرارها إلى التعامل وفق أسعار صرف غير متوافقة مع واقع السوق.
وتأتي هذه الفجوة لتعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر المشكلات المزمنة في الاقتصاد السوري، إذ يؤدي تعدد أسعار الصرف إلى تشوهات واسعة في الأسواق ويقوض فعالية السياسات النقدية، كما يخلق فارق السعر بين السوق الرسمية والموازية حوافز للمضاربة والاحتفاظ بالدولار بدلاً من الليرة، ويزيد من صعوبة جذب الاستثمارات وتحويل الأموال عبر القنوات النظامية.
أضاف شعار أن استمرار هذه الفجوة يضعف الثقة بالقطاع المصرفي الرسمي ويدفع المستثمرين والجهات الدولية نحو الاعتماد على شبكات الحوالات المالية غير الرسمية، بما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق بالشفافية والامتثال للمعايير المالية الدولية، لافتاً إلى أن ذلك يتناقض مع التوجهات المعلنة لمصرف سوريا المركزي الرامية إلى تعزيز دور القنوات المصرفية النظامية.
وأشار إلى أن السياسة النقدية تبدو اليوم محدودة التأثير أمام عوامل اقتصادية أعمق، في مقدمتها اتساع العجز التجاري وارتفاع الطلب على الدولار لتمويل الواردات، إلى جانب زيادة الكتلة النقدية المتداولة لتمويل الإنفاق الحكومي، بما في ذلك زيادات الرواتب ومشتريات القمح والالتزامات التشغيلية الأخرى.
ولفت إلى أن مشتريات القمح وحدها تشكل ما يقارب 5 بالمئة من إجمالي المعروض النقدي، ما يضيف ضغوطاً إضافية على سعر الصرف ويغذي موجات التضخم.
وتنسجم هذه التقديرات مع ما تؤكد عليه تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بشأن الاقتصادات الخارجة من النزاعات، حيث تمثل الاختلالات النقدية والتجارية وارتفاع مستويات الإنفاق غير المنتج وضعف الصادرات عوامل رئيسية وراء تدهور قيمة العملات الوطنية.
كما تشير تقديرات اقتصادية متداولة إلى أن الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي تجاوزت عشرات التريليونات من الليرات السورية، في وقت ما تزال فيه الثقة بالمؤسسات المالية محدودة، وهو ما يضعف قدرة السلطات النقدية على إدارة السيولة وضبط سوق الصرف.
لا تتوقف آثار هذا التراجع عند حدود الأسواق المالية، بل تمتد مباشرة إلى الحياة اليومية للسوريين، فكل انخفاض جديد في قيمة الليرة ينعكس على أسعار المواد الغذائية والدوائية والمحروقات والسلع المستوردة، بينما تبقى الأجور والدخول الحقيقية عاجزة عن مواكبة موجات التضخم المتلاحقة.
Loading ads...
ونتيجة لذلك تتراجع القوة الشرائية للأسر بصورة مستمرة، وتتآكل المدخرات، وتتسع دائرة الفقر، في وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى أن غالبية السوريين ما زالوا بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية أو الاقتصادية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

