ساعة واحدة
التحول التركي: من الكشف عن مصير هرموش إلى النجاح على مستوى العمليات
السبت، 2 مايو 2026
منذ مدة قريبة، ألقت المخابرات التركية والسورية القبض على أوندار سيغيرجيك أوغلو على الحدود بين سوريا ولبنان، وبإلقاء القبض عليه، أصبح المسؤول عن تسليم الضابطين المنشقين البارزين حسين هرموش ومصطفى قسوم لنظام الأسد في عام 2011 في قبضة العدالة. وفي الوقت الذي تمثل هذه العملية نجاحاً كبيراً، تكشف قصة سيغيرجيك أوغلو سردية أعمق عن الثورة السورية التي دفعت تركيا للتعلم والتكيف وتوسيع مهاراتها، إذ إن التحول من الفشل والخطوات العاثرة التي أبدتها الحكومة التركية خلال السنوات الأولى للثورة السورية، إلى حصد نجاحات فيما بعد، لم يأت بمحض الصدفة.
ترتبط قصة سيغيرجيك أوغلو ارتباطاً وطيداً بإحدى أشد المحطات تأثيراً في مطلع الانتفاضة السورية، فهو مواطن تركي أصله عربي ولد في ولاية أضنة. وبخلاف العلويين الترك، ينتمي هذا الرجل للفئة نفسها التي ينتمي إليها العلويون السوريون والتي تعرف في تركيا بالنصيرية أو العلويون العرب. وخلال فترة عمله، انضم هذا الشخص للمخابرات التركية واشتغل على الملف السوري، مستفيداً من مهاراته باللغة العربية، ومعرفته بالمنطقة. ولكن، عند بدء الثورة السورية، انحاز لنظام الأسد طائفياً، وتصرف بما يخالف السياسة التركية الرسمية.
ففي عام 2011، اختطف اثنين من أبرز الضباط القادة المنشقين وهما حسين هرموش ومصطفى قسوم، ثم سلمهما لنظام الأسد، وبذلك تحولت وفاة هرموش تحت التعذيب نتيجة لهذا التسليم إلى لحظة فارقة في تاريخ الثورة السورية.
أدين سيغيرجيك أوغلو في عام 2013، لكنه هرب من السجن في ظروف مشبوهة للغاية في عام 2014، فقد أظهرت التحقيقات التي فتحت حول هروبه مخالفات تدين أعضاء شبكة غولن، شملت التلاعب بوثائق رسمية ومخالفات في الإجراءات القانونية سهلت عملية هروبه.
وخلال السنوات التي أمضاها في المنفى، مارس سيغيرجيك أوغلو نشاطاته في عدة دول، بينها سوريا وروسيا ولبنان، وتحت حماية المخابرات السورية، قيل إنه قد كلف بتنفيذ أنشطة مناهضة لتركيا، تتراوح ما بين جمع المعلومات الاستخباراتية وصولاً إلى تنفيذ عمليات حرب نفسية. وثمة تقارير تفيد بأن اسمه ارتبط بشخصيات مثل معراج أورال المعروف بـ (جزار بانياس) ويوسف نازك الذي خطط للهجوم الإرهابي على مدينة الريحانية بولاية هاتاي.
تمثل قصة سيغيرجيك أوغلو رؤية مهمة يمكن للمرء من خلالها فهم تركيا والتحديات التي تواجه السياسة التركية. فمن أصعب الأمور التي واجهتها تركيا خلال الثورة السورية عدم جاهزية الدولة واستعدادها لتلك الثورة، فقد اندلعت الأزمة قبل أن تؤسس الحكومة التركية هيكلاً بيروقراطياً كاملاً يمارس وظائفه ومهامه بكل كفاءة. ففي عام 2011، لم تكن تركيا بحاجة لقدرات على مستوى العمليات في إدارة الملف السوري فحسب، بل أيضاً تعرضت لمشكلات خطيرة تتصل بالولاء في الداخل.
كانت تلك الفجوات في الإمكانات عميقة لدرجة دفعت المخابرات التركية للاعتماد على العلويين الترك في سوريا، وفي الوقت الذي لا يمكن الشك بولاء العلويين الترك في التوجه العام على مستوى العمليات، فإن أي وكالة استخبارات لن تفضل أن تستعين في أي مسألة حساسة تجابه فيها خصوماً بأشخاص يحتمل أنهم يضمرون ولاءات طائفية، إن لم تتوفر لديها بدائل أفضل.
هنالك حالة تعبر عن ذلك بوضوح وهي قضية الضابط التركي سميح ترزي الذي لعب دوراً مهماً خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016. إذ قبل تلك المحاولة، كان هذا الضابط مسؤولاً عن أمن الحدود التركية-السورية وعن برنامج تدريب سري مخصص للجيش السوري الحر، غير أن ارتباطه بشبكة غولن سلط الضوء على مدى العمق الذي يمكن لهذه العناصر أن تخترقه لتقوض من خلال ذلك الدعم التركي للثورة السورية.
وبالنظر إلى هذين المثالين، لم يعد ظهور تركيا لوحدها كفاعل بارز مؤثر في سوريا مستغرباً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، كما أنها كانت من أواخر القوى الكبرى بعد إيران وروسيا والولايات المتحدة التي تدخلت عسكرياً بسوريا. إذ قبل أن تتمكن تركيا من البدء بتقديم دعم حقيقي وكبير للشعب السوري في نضاله ضد نظام الأسد، كان يترتب على تركيا حل مشكلاتها الداخلية. وعندما أصبحت تركيا جاهزة في نهاية المطاف، كانت قد تأخرت عن الركب كثيراً، فبات عليها التأقلم مع وقائع الأزمة في سوريا.
على مدار سنوات الثورة السورية، وخاصة بعد سقوط نظام الأسد، حاول كثير من السوريين فهم سلوك الدولة التركية، والمشكلة الرئيسة هنا هي أنه لا توجد تركيا واحدة متجانسة، فكل قرار سياسي وكل تطبيق للسياسة يشعل جدلاً في الداخل وتنافساً بين أجهزة الدولة. ولكن، منذ عام 2017، رسخت البيروقراطية التركية سيطرتها بشكل تدريجي على هيكل مؤسسات الدولة وحسنت حالة التنسيق فيما بينها. ومع استمرار الجدل في الداخل، إذ لا مفر من استمراره، تراجعت مسألة الولاء والخيانة في تلك الأوساط.
على الرغم من أن تركيا لم تكن مستعدة لمواجهة الأزمة السورية، ودفعت ثمناً غالياً نتيجة لذلك، لابد للمرء أن يعترف أيضاً بأن الإمكانات التي تمتلكها تركيا حالياً صنعت جزءاً كبيراً منها تجربة تركيا في سوريا.
إذ في الوقت الذي عانت تركيا خلال السنوات الأولى للنزاع، فإنها أظهرت فيما بعد سرعة وكفاءة وخبرة ونجاحاً في ساحات أخرى مثل ليبيا وأذربيجان والصومال وقطر والسودان، فالقدرات التي ظهرت في عملياتها هناك بنتها من خلال الدروس التي تعلمتها في سوريا، ونلمح هذا النسق أيضاً من خلال خلفية كل شخص في الهيكلية البيروقراطية التركية، إذ عندما نمعن النظر بكبار المسؤولين، ومن ضمنهم الوزراء، يتبين لنا بأن معظمهم يتمتع بخبرة مباشرة في العمل على الملف السوري.
Loading ads...
ولكن هذا لا يعني بأن تركيا قد فرغت من عملية التعلم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



