لا تُبنى العدالة بعدّ الضحايا، بل بإيقاف الظلم ومنع تكراره، حتى لا يتحول إلى إرث ينتقل إلى من نجا وإلى الأجيال القادمة. تبدو هذه القاعدة اليوم بعيدة في سوريا، مع تصاعد الاحتقان في الشارع، واتجاه بعض التحركات نحو تبنّي فكرة أخذ الحق باليد، وهو مسار يحمل في طياته أخطار اًكبيرة على المجتمع بأكمله.
ما نشهده في بعض المناطق من مظاهرات واحتجاجات، هو مؤشر مقلق على احتقان يتجاوز حدوده الطبيعية، وقد يفتح الباب أمام دوامة يصعب التحكم بها، حيث تختلط المطالب المشروعة بردود فعل غير منضبطة، وتغيب الحدود الفاصلة بين السعي إلى العدالة والانجراف نحو الانتقام. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في الحدث بحد ذاته، بل في المسار الذي قد يقود إليه إذا تُرك دون ضوابط واضحة.
تتشابه مطالب المتحركين في جوهرها، لكنها تنطلق من بيئات وتجارب مختلفة، ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى مقاربة دقيقة تأخذ في الحسبان السياقات المحلية، لا الاكتفاء بحلول عامة.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز عامل شديد الحساسية، يتمثل في شعور شريحة واسعة من السوريين بأن العدالة لم تتحقق بعد، وأن بعض المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة ما زالوا بعيدين عن المساءلة، وهو شعور مفهوم في ظل حجم المعاناة، لكنه يصبح خطيرا عندما يتحول إلى مبرر للعقاب خارج إطار القانون.
ما يزيد من حساسية المشهد بروز شعارات وسلوكيات ذات طابع انقسامي في بعض التحركات، كما حدث الأمس في دمشق (برزة - المزة)، دون أي تحرك يمنع التجمع بالأساس كونه مخالف للقانون..
إن أخطر ما يمكن أن تنزلق إليه المجتمعات الخارجة من صراعات قاسية هو استبدال غياب العدالة بفوضى العدالة، حيث يتحول كل فرد أو جماعة إلى قاض ومنفذ للحكم في آن معاً. هذا المسار لا يعيد الحقوق، بل يفتح الباب أمام سلسلة لا تنتهي من ردود الفعل، ويهدد السلم الأهلي الذي يعد اليوم أولوية لا تقل أهمية عن أي استحقاق آخر.
ما يزيد من حساسية المشهد بروز شعارات وسلوكيات ذات طابع انقسامي في بعض التحركات، كما حدث الأمس في دمشق (برزة - المزة)، دون أي تحرك يمنع التجمع بالأساس كونه مخالف للقانون، وثانيا وهو الأهم ردع خطاب الكراهية والطائفية الذي صدر عن قلة قليلة، وهو أمر يضاعف المخاطر، لأنه ينقل التوتر من إطار المطالب إلى إطار الانقسام المجتمعي، وهو انتقال ثبت في تجارب عديدة أنه الطريق الأسرع نحو تفكك المجتمع.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في فهم أسباب الغضب، فهي مفهومة في سياق سنوات طويلة من الألم، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى قوة مدمّرة للمجتمع نفسه.
في المقابل، فإن مسؤولية احتواء هذا التوتر لا تقع على طرف واحد. هناك حاجة واضحة إلى مسار قانوني جاد وشفاف في التعامل مع ملفات الانتهاكات، بما يطمئن الضحايا ويؤكد أن المساءلة ليست انتقائية ولا مؤجلة إلى أجل غير مسمى. كما أن تطبيق القوانين بشكل عادل ومتساوٍ، وضبط الخطاب التحريضي في الفضاء العام، يشكلان شرطين أساسيين لمنع تفاقم الأوضاع.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في فهم أسباب الغضب، فهي مفهومة في سياق سنوات طويلة من الألم، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى قوة مدمّرة للمجتمع نفسه. فالعدالة التي تُبنى خارج القانون لا تؤدي إلى إنصاف، بل إلى إعادة إنتاج الظلم بأشكال جديدة.
Loading ads...
لا تحتمل البلاد مزيداً من الأخطاء، وهي التي دفعت أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية. إن الحفاظ على السلم الأهلي، والعمل على ترسيخ مسار قانوني واضح للمحاسبة، ليس خياراً سياسياً أو موقفاً نظرياً، بل ضرورة وجودية لضمان ألا تتحول لحظة البحث عن العدالة إلى بداية دورة جديدة من الصراع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



