ساعة واحدة
مجلس الشعب الجديد.. قراءة في أولويات المرحلة لا في الأسماء
الأربعاء، 1 يوليو 2026
أثار الإعلان عن تشكيل مجلس الشعب الجديد موجة واسعة من النقاشات، تركز معظمها على أسماء الأعضاء، ونسب تمثيل النساء، وحضور المكونات المختلفة، وآليات الاختيار التي أفضت إلى تركيبة المجلس الحالية، وهي نقاشات تبدو طبيعية في بلد خرج قبل فترة ليست ببعيدة من حقبة سياسية استمرت لعقود، وما يزال يحاول رسم ملامح نظامه السياسي الجديد.
لكن الاكتفاء بقراءة الأسماء قد لا يكون كافياً لفهم ما جرى، فالمسألة لا تتعلق فقط بمن دخل إلى المجلس ومن بقي خارجه، بقدر ما تتعلق بمنطق حكم عملية التشكيل منذ البداية، وبأولويات اختارت القيادة السورية أن تضعها أمامها وهي تبني أول مؤسسة تشريعية بعد سقوط نظام الأسد.
الانتقادات الموجّهة إلى المجلس ليست قليلة، فهناك من يرى أن تمثيل النساء جاء دون التوقعات، وأن التنوع السياسي والاجتماعي ما يزال محدوداً مقارنة بما ينتظره السوريون من مؤسسة يفترض أن تمثلهم جميعاً، كما أن غياب بعض المناطق عن العملية الانتخابية، لأسباب سياسية وأمنية معروفة، ترك فراغاً لا يمكن تجاهله عند تقييم المشهد كاملاً.
"النقاش لا يدور حول الأسماء بقدر ما يدور حول أولويات المرحلة"
في المقابل، يبدو أن الجهة التي قادت عملية التشكيل كانت تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، فمنذ سقوط النظام، لم تُخفِ القيادة الجديدة أن أولويتها الأساسية تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قدرتها على العمل.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة إلى وجود مؤسسات منسجمة وقادرة على اتخاذ القرار أكثر حضوراً من السعي إلى بناء ساحة سياسية تعكس جميع التناقضات والانقسامات الموجودة في المجتمع السوري.
ولهذا ربما يصعب النظر إلى المجلس الجديد باعتباره برلماناً تقليدياً بالمعايير المعروفة في الديمقراطيات المستقرة، فطريقة تشكيله نفسها تعكس طبيعة اللحظة السورية الراهنة: انتخابات غير مباشرة، ثلث الأعضاء يعيَّنون بقرار من الرئيس، ومناطق ما تزال خارج العملية السياسية أو لم تستكمل شروط المشاركة فيها بعد، وهي كلها مؤشرات تدل على أن الهدف الأساسي كان إنتاج مؤسسة قابلة للعمل ضمن الظروف الحالية أكثر من السعي إلى إنتاج تمثيل سياسي مكتمل منذ اللحظة الأولى.
هذا لا يعني أن الانتقادات تفقد مشروعيتها، بل على العكس، فالسؤال المتعلق بالتمثيل سيبقى مطروحاً بقوة، سواء فيما يتعلق بالمرأة أو بالمكونات أو بالاتجاهات السياسية المختلفة.
وقد أظهرت النتائج نفسها محدودية الحضور النسائي مقارنة بحجم النقاش، الذي سبق العملية الانتخابية، كما أن استمرار غياب بعض المناطق يثير أسئلة حقيقية حول صورة المجلس بوصفه ممثلاً لجميع السوريين.
لكن التركيز على هذه الملاحظات وحدها قد يحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن المجلس الجديد يعكس إلى حد كبير ميزان القوى القائم في سوريا اليوم، ومَن يقرأ تركيبة المجلس وآليات اختياره لا يجد محاولة لإخفاء هذه الحقيقة بقدر ما يجد سعياً إلى تنظيمها ضمن إطار مؤسساتي جديد.
ولهذا فإن النقاش الأعمق ربما لا يتعلق بعدد النساء أو أسماء الفائزين أو حتى بطريقة توزيع المقاعد، على أهمية كل ذلك، بل يتعلق بالسؤال الآتي: ما الذي تريده سوريا الجديدة من مجلسها الأول بعد سقوط الأسد؟
"المجلس الجديد يعكس ميزان القوى القائم بقدر ما يعكس صورة المجتمع الذي يفترض أن يمثله"
إذا كان المطلوب مؤسسة تعكس الواقع السياسي القائم وتساعد على إدارة مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات، فقد يكون المجلس الحالي منسجماً مع هذا الهدف، أما إذا كان المطلوب أن يشكل منذ الآن صورة نهائية للنظام السياسي، الذي يأمل السوريون الوصول إليه، فمن الطبيعي أن تبدو عليه نواقص كثيرة وأن يواجه قدراً واسعاً من الانتقاد.
في النهاية، لا تبدو أهمية مجلس الشعب الجديد كامنة في تركيبته وحدها، بل في الاتجاه الذي يشير إليه، فهو يكشف أن أولوية المرحلة الحالية، كما تراها القيادة السورية الجديدة، هي بناء مؤسسات متماسكة وقادرة على العمل أولاً.
الاختبار الحقيقي لهذا النهج، لن يكون في تشكيل المجلس نفسه، بل في قدرة المرحلة المقبلة على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز التمثيل، وإعادة تنظيم السوريين ضمن منظمات وأحزاب قادرة على خلق حالك سياسية، تتطور كلما اقتربت البلاد من الاستقرار واستعادت مؤسساتها عافيتها.
Loading ads...
عندها فقط يمكن الحكم على المجلس الجديد باعتباره بداية لمسار سياسي أوسع، لا مجرد حدث سياسي عابر أو قائمة أسماء أُعلن عنها في مؤتمر صحفي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



