تستيقظ نساء سوريات في مصر كل صباح على معركة جديدة مع الإيجار والطعام ومصاريف المدارس، بعدما وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة أعباء الحياة بعيداً عن العائلة ووسط ظروف اقتصادية تزداد قسوة. تحمل أرامل ومطلقات وأمهات غاب أزواجهن عن المشهد عبء إعالة أسر كاملة، معتمدات على أعمال بسيطة ودخل غير مستقر لا يكفي غالباً لتأمين الحد الأدنى من الحياة.
وبين الخوف على مستقبل الأطفال وضغط الغلاء وتراجع فرص العمل، تحاول كثير من السوريات الحفاظ على ما تبقى من استقرار لعائلاتهن في بلد اللجوء.
وأصبحت أسر كثيرة تواجه تحديات يومية تتعلق بالإيجار والغذاء والتعليم والرعاية الصحية، في ظل محدودية فرص العمل وغياب الدعم العائلي. وتنعكس الظروف الاقتصادية بصورة مباشرة على الأسر ذات الدخل المحدود، وخاصة الأسر التي تعيلها النساء وحدهن، وتقول أمهات سوريات إن الضغوط لم تعد تقتصر على تأمين الاحتياجات الأساسية فقط، بل أصبحت تشمل صعوبة الحفاظ على الاستقرار النفسي والتعليمي للأطفال.
تعتمد نسبة من النساء السوريات في مصر على أعمال بسيطة أو غير مستقرة، مثل الطهي المنزلي والخياطة والتدريس والعمل في مشاريع صغيرة عبر الإنترنت. إلا أن هذه الأعمال لم تعد كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية بعد موجات الغلاء الأخيرة وارتفاع أسعار الإيجارات والسلع الأساسية والخدمات.
تقول جمانة (اسم مستعار)، وهي أرملة سورية تقيم في القاهرة منذ عشر سنوات، إن دخلها الشهري لم يعد يكفي إلا لتغطية جزء من المصاريف الأساسية. وتضيف: "الإيجار وحده يستهلك القسم الأكبر من الدخل، وبعده تأتي الكهرباء والطعام والدروس الخصوصية. هناك أولويات كثيرة لا يمكن تأجيلها، لكن الدخل محدود".
وتوضح أنها تعمل في إعداد الطعام المنزلي وبيعه بشكل يومي، إلا أن ارتفاع أسعار المواد الأولية خفّض هامش الربح بشكل واضح خلال الأشهر الماضية.
أما سمر، وهي مطلقة وأم لطفلين، فتقول إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الاستقرار المهني بالنسبة للنساء اللواتي يتحملن مسؤولية الأسرة وحدهن. وتضيف: "معظم الأعمال المتاحة غير ثابتة، وفي أي وقت قد يتوقف العمل أو يقل الطلب. هذا يجعل التخطيط للحياة أو لمصاريف الأطفال أمراً صعباً".
توضح نساء سوريات أن واحدة من أكبر المشكلات التي تواجههن هي غياب شبكة الدعم العائلية، سواء داخل مصر أو سوريا، إذ تفرق كثير من العائلات السورية بين عدة دول، في حين فقدت بعض النساء أزواجهن أو أقاربهن خلال سنوات الحرب.
وتقول ريم (اسم مستعار)، وهي أم لثلاثة أطفال: "في الظروف الطبيعية يمكن للعائلة أن تساعد، لكن معظمنا هنا وحده، وبعضنا لم يعد لديه بيت أو أقارب في سوريا".
وتشير إلى أن العودة إلى سوريا ليست خياراً واقعياً بالنسبة لها، بسبب عدم وجود مصدر دخل أو مكان إقامة هناك، إضافة إلى ارتباط الأطفال بالدراسة والحياة اليومية في مصر.
تعتمد كثير من النساء السوريات على الاقتصاد غير الرسمي، ما يعني غياب العقود الثابتة أو التأمينات أو الضمانات المالية، وهو ما يجعل هذه الفئة أكثر عرضة للتأثر بأي أزمة اقتصادية أو تراجع في فرص العمل.
وتقول إحدى السيدات السوريات العاملات في مجال التنظيف المنزلي إن عدد أيام العمل انخفض خلال الفترة الأخيرة بسبب تراجع قدرة بعض الأسر على الاستعانة بعمالة منزلية بشكل منتظم.
وتضيف: "أحياناً نعمل أياماً طويلة، وأحياناً تمر أيام بلا أي دخل. المشكلة أن المصاريف لا تتوقف، وعودة كثير من السوريين إلى سوريا زادت من حدة الأزمة".
كما تشير بعض النساء إلى تعرضهن أحياناً للاستغلال بسبب حاجتهن إلى العمل، سواء عبر تخفيض الأجور أو تأخير الدفع أو فرض ساعات عمل طويلة.
ويرى مختصون اجتماعيون أن النساء اللواتي يُعلن أسرهن وحدهن يُعتبرن من الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الحماية الاجتماعية وغياب مصادر الدخل المستقرة.
لا تقتصر تداعيات الأزمة الاقتصادية على النساء فقط، بل تمتد إلى الأطفال، خاصة فيما يتعلق بالتعليم والاحتياجات اليومية. وتقول أمهات سوريات إن المصاريف الدراسية والنقل والاحتياجات الأساسية أصبحت تشكل عبئاً متزايداً.
وتقول أم يزن، وهي لاجئة سورية تقيم في الإسكندرية: "أكبر مخاوفي أن أضطر لإخراج أحد أبنائي من المدرسة بسبب التكاليف. أطفالي أصبحوا أكثر إدراكاً للأعباء المالية التي تمر بها الأسرة، ما ينعكس على حالتهم النفسية وشعورهم بعدم الاستقرار".
كما يشير عاملون في المجال المجتمعي إلى أن بعض الأطفال في الأسر المحدودة الدخل بدؤوا بالتفكير في العمل المبكر لمساعدة أمهاتهم، خاصة في المراحل العمرية الأكبر، وبعضهم بدأ فعلاً بالعمل إلى جانب الدراسة.
تعتمد بعض الأسر على مساعدات تقدمها جمعيات خيرية أو مبادرات مجتمعية، إلا أن هذه المساعدات غالباً ما تكون غير منتظمة ولا تكفي لتغطية الاحتياجات الشهرية الكاملة.
وفي المقابل، تلجأ بعض النساء إلى إنشاء مشاريع منزلية صغيرة لتأمين دخل إضافي، مثل بيع الطعام السوري أو الحلويات أو الأعمال اليدوية، بينما تعتمد أخريات على تقاسم السكن أو تخفيض المصروفات إلى الحد الأدنى.
وتقول هناء، وهي سورية تعيش في القاهرة: "معظم النساء اليوم لا يبحثن عن حياة مرفهة، بل عن الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح لهن بتربية أطفالهن بشكل طبيعي".
رغم محاولات التأقلم، ترى نساء سوريات أن الأوضاع المعيشية أصبحت أكثر صعوبة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً بالنسبة للأسر التي لا تمتلك أي مصدر دعم خارجي أو دخل ثابت.
ويؤكد متابعون لملف اللاجئين أن النساء المعيلات لأسرهن يحتجن إلى دعم اقتصادي واجتماعي أكبر، سواء عبر توفير فرص عمل أكثر استقراراً، أو تسهيل الوصول إلى الخدمات الأساسية، أو دعم المشاريع الصغيرة التي تساعدهن على الاستقلال المادي.
Loading ads...
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، تبقى النساء السوريات اللواتي يعشن وحدهن مع أطفالهن أمام معادلة معقدة تجمع بين مسؤولية الإعالة، وارتفاع تكاليف الحياة، وغياب البدائل الواضحة، في وقت لم تعد فيه العودة إلى سوريا خياراً متاحاً لكثير منهن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


