شهر واحد
عودة “داعش” في سوريا.. تحديات الأمن والمجتمع واختبار الحكم بدمشق
الخميس، 26 فبراير 2026

تكشف العمليات الأخيرة لتنظيم “داعش” في بعض مناطق الجغرافيا السورية عن ترجيح عدد من السيناريوهات التي تلفت إلى ارتفاع منسوب خطر عودة الهجمات الإرهابية من جديد، ولا سيما في ظل مجموعة من الاضطرابات الأمنية داخل سوريا، فضلاً عن التناقضات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يسمح برفع درجة التوتر في المناطق الهشّة.
كما أن تلك العمليات تؤشر إلى جملة من الأمور، بعضها مرتبط بإخفاق الحكومة السورية الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع في تحقيق مستوى من الاستقرار الأمني والسياسي المجتمعي، والبعض الآخر على صلة بوجود بيئة تتوافر فيها اشتراطات صعود أو بالأحرى انبعاث “داعش” مرة أخرى، تحديداً على مستوى الخطاب المتفشي بالمجال العام باستقطاباته الدينية المؤدلجة العنيفة والمتشددة وكذا السياسيات المعلنة والممارسات، بما يشكل حاضنة لما يجري وينذر بالصعود.
وهنا ينبغي التأمل عميقاً في ما ورد، السبت الفائت، في رسالة صوتية للمتحدث باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، الذي قال فيها: “إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون”.
فهل يعني المتحدث هذا التصعيد بجدية كاملة في إطار إعادة تعريف العدو وترتيب الأولويات؟ أم أنه يلقي بحمولة تكتيكية في اتجاه الحكومة في دمشق، تزامناً مع جولات مفاوضاته مع الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، بهدف التأثير في مسار تلك التفاهمات أو ترجيح أي مكاسب سياسية محتملة؟ أم أن الرسالة تعكس اختلالاً في التوازنات بعد نقل مهمة تأمين بعض تلك المناطق إلى دمشق؟
ضرورة منع تحوّل نشاط “داعش” لدينامية تصاعدية
قد يكون من المهم، في هذا السياق، الإشارة إلى ما أفاد به قائد الأمن الداخلي في الرقة عن مقتل أربعة عناصر من الأمن السوري، يوم الاثنين الماضي، جراء هجوم لتنظيم “داعش” استهدف حاجزاً في مدينة الرقة شمال البلاد.
كما أوردت “وزارة الداخلية” بالحكومة الانتقالية الحصيلة ذاتها، مشيرة إلى أنها تمكنت “من تحييد أحد أفراد الخلية، بينما تواصل قواتنا تمشيط المنطقة للقضاء على بقية عناصرها”. وأضافت أن “هذا الاعتداء هو الثاني على قوى الأمن الداخلي في المنطقة، بعدما تعرض الحاجز، الأحد الماضي، لاعتداء إرهابي آخر أسفر عن تحييد أحد العناصر الإرهابية المهاجمة، في محاولة لزعزعة الاستقرار”.
إزاء ذلك، يبدو منطقياً مناقشة مدى نجاح الحكومة الانتقالية بدمشق في ضبط الأمن وتقويض خطر تلك التنظيمات الإرهابية، سواء على المدى المنظور أو المتوسط، في ظل جملة من التحديات المحلية، خصوصاً على مستوى ترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة الدستورية والمدنية لجميع مكونات المجتمع السوري، فضلاً عن التحديات الإقليمية والدولية المتشابكة.
إن تراث النظرية السياسية الكلاسيكية يدفع باتجاه الإقرار بحق الدولة الكامل في احتكار القوة واستخدام العنف المشروع في مواجهة أي خطر يهدد وحدة الدولة وأمن مواطنيها. بل إن قدرة الدولة والنظام الحاكم تُقاس، في أحد وجوهها الأساسية، بمدى نجاحهما في بسط الأمن على كامل الأراضي الوطنية. ومن هذه الزاوية، قد يبدو أن حكومة دمشق تواجه تحدياً كبيراً عندما يبرز نشاط مسلح كهجمات “داعش” خارج إطار سلطتها؛ إذ يمثل ذلك، نظرياً، ثغرة أمنية ينبغي التعامل معها بحزم وفاعلية، حتى لا تتحول من نشاط محدود إلى نمط مستدام من الاستنزاف.
ربما النظر إلى وتيرة الهجمات الأخيرة في الرقة وبعض مناطق الجغرافيا السورية يفرض علينا التمييز بحذر بين مستوى العمليات الكبيرة والمنظمة، وبين نمط العمليات الذي يستهدف الاستنزاف المستدام ووضع دمشق تحت ضغط محلي وإقليمي ودولي، خاصة في ظل حكومة جديدة تسعى بوتيرة متسارعة إلى مدّ جسور التواصل مع مختلف الفاعلين. وقد تحاول تقديم العمليات الأخيرة ضمن هذا الإطار، أي باعتبارها أحداثاً أمنية محدودة لا ترقى إلى مستوى السيطرة المكانية أو إنشاء إدارة موازية.
وعليه، فإن معيار الحكم لا ينبغي أن يقتصر على عدد العمليات أو نوعيتها ودرجتها، بل على قدرة الحكومة السورية على احتواء هذا النشاط ومنع تحوّله إلى دينامية تصاعدية. إذ يبدو أن التحدي الحقيقي يكمن، في أحد أبعاده الأساسية، في كسر حلقة الاستنزاف قبل أن تتموضع في مفاصل الدولة، أو تمسّ حياة الآمنين، أو تؤثر سلباً في فرص الاستثمار وعودة النشاط الاقتصادي.
البعد الاجتماعي لعودة خطر “داعش”
من الصعب أن يظل الاهتمام محصوراً في البعد الأمني من دون الالتفات إلى دلالة البعد الاجتماعي والسياسي وقوته. فجملة المسائل المرتبطة بحياة واستقرار جميع مكوّنات السوريين، في ظل مبدأ المواطنة الكاملة، في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الدولة السورية، لا يمكن فصلها عن تصور بيئة آمنة ومستقرة للجميع. كما أن ذلك يرتبط عكسياً بمدى إخفاق الحكومة الجديدة في بسط إرادتها على كامل التراب السوري في مواجهة خطر العمليات الميدانية للتنظيمات الإرهابية.
ثمة قناعة راسخة بأن أي بيئة رخوة تمثل فرصة مباشرة تستثمرها التنظيمات المتطرفة كمسرح عمليات. إذ لطالما اعتمدت تلك التنظيمات، وفي مقدمتها تنظيم “داعش”، على توظيف الجغرافيا السائلة، ومشاعر التهميش والاحتقان، والهويات الفرعية المتنازعة، من أجل استثمار فائض الاضطراب المجتمعي في إعادة إنتاج خطابها التعبوي وتوسيع دوائر عملياتها الاستنزافية.
من هنا، يصبح ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية بين جميع مكوّنات المجتمع السوري، ضمن حقوق دستورية واضحة لا لبس فيها، ليس مجرد خيار سياسي تكتيكي أو إجراء وظيفي تتبناه سلطة في مواجهة تحديات آنية، بل ضرورة استراتيجية مستدامة لحفظ مفهوم الدولة وبنيتها.
وبالتالي، فإن تعزيز المشاركة الإيجابية بين جميع المواطنين، وضمان الحقوق دون تمييز، وصياغة مقاربة وطنية جامعة تتجاوز الإشكاليات والانقسامات، تمثل جداراً صلباً يحمي الدولة في مواجهة أي مخاطر داخلية أو خارجية.
وعليه، قد يبدو من المنطقي النظر إلى خطر “داعش” وعودة هجماته من جديد ليس فقط من زاوية المخاطر الأمنية ودلالاتها المحلية والإقليمية والدولية، بل أيضاً من زاوية مدى نجاح الحكام الجدد في دمشق في صياغة عقد اجتماعي يكفل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لجميع المواطنين، ويعيد بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها على أسس أكثر رسوخاً.
اختبار شرعية دمشق والدعم الدولي
من دون شك، تنظر دول الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى خطر تنظيم “داعش” كتهديد يتجاوز مجرد هجمات تقع في نقاط جغرافية هشّة داخل سوريا، وأعمق من دلالاته المحصورة ضمن حدودها الوطنية. فالتعامل مع هذا الملف يجري من خلال منظومة الأمن الإقليمي والدولي برمّتها. إن سنوات التجربة التي أعقبت صعود التنظيم الإرهابي عام 2014، وما ترتب عليها من تداعيات وتمدد عابر للحدود طال عواصم غربية، ما تزال تفرض سؤالاً بنيوياً مركزياً يدفع نحو مقاربة لا تقبل الحلول الوسط، قوامها ضبط هذا الخطر ومنع ارتداداته بصورة عاجلة وحاسمة.
من هنا، فإن مؤشرات عودة نشاط التنظيم، حتى وإن ظلت حتى الآن ضمن نمط استنزافي محدود، تثير الانتباه وتستدعي قدراً عالياً من الحيطة، باعتبارها اختباراً فعّلياً لجدية وقدرة الحكومة في دمشق، من جهة، على صدّ تلك الهجمات ميدانياً، ومن جهة أخرى على منع إعادة تشكّل بيئة حاضنة للتنظيم.
وعليه، فإن مسارات استدامة الدعم الدولي للسلطة بدمشق، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم أمنية، ستظل مرتبطة بدرجة ملموسة بقدرتها على ضبط هذا الخطر وتقويضه بصورة مستدامة. فبالنسبة للغرب، لا يكفي احتواء الهجمات ميدانياً، بل المطلوب بناء بيئة مجتمعية مستقرة، وتعزيز تبادل المعلومات بفاعلية، وإظهار إرادة واضحة تحول دون إعادة تموضع سوريا كنقطة جذب للشبكات المتطرفة.
في هذا السياق، يغدو ملف مكافحة “داعش” أحد مفاتيح إعادة التموضع الدولي تجاه دمشق، وعنصراً مؤثراً في حسابات الانفتاح أو الحذر خلال المرحلة المقبلة.
على أي حال، من المنطقي النظر إلى إرهاصات عودة نشاط “داعش” في بعض مناطق الجغرافيا السورية كمؤشر مركب ومعقّد، من الصعب اختزاله في منظوره الأمني وحده. فالمجال العام في سوريا اليوم يقف أمام تحدٍ حساس يتطلب ترميم سردية الاستقرار الداخلي، وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن المواطنة الكاملة للجميع، فضلاً عن إدراك الحسابات الإقليمية والدولية التي ما تزال تنظر إلى مكافحة التطرف كمدخل رئيسي لأي انفتاح سياسي أو اقتصادي تجاه دمشق.
Loading ads...
وعلى هذا الأساس، لا تبدو مواجهة هذا التحدي أحد الاختبارات الأمنية فحسب، وإنما اختباراً أوسع لقدرة الدولة السورية اليوم على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، في مرحلة لا تزال فيها سوريا تبحث عن مسار يرسّخ الاستقرار طويل الأمد ويحصّن المجتمع من عودة دوائر العنف والتطرف.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



