ساعة واحدة
إيران بين بقاء النظام والمخاطرة بالدولة.. مفارقة القوة والانهيار
الثلاثاء، 31 مارس 2026
تبدو إيران اليوم في واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية تعقيدًا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فالمأزق الذي تواجهه لا يقتصر على صراع خارجي مع الولايات المتحدة وحلفائها، ولا على أزمة داخلية اقتصادية أو اجتماعية متفاقمة، بل يتجاوز ذلك إلى إشكالية بنيوية أعمق: هل تمثل إيران دولةً بمؤسسات مستقرة ومصالح وطنية متماسكة، أم أنها نظامٌ سياسي أيديولوجي يعيد تعريف الدولة وفق مقتضيات بقائه؟
هذه المفارقة ليست نظرية، بل تنعكس بشكل مباشر في سلوك الفاعلين، داخليًا وخارجيًا، وتحديدًا في التباين اللافت بين مقاربة الولايات المتحدة، التي تتعامل مع إيران كدولة ينبغي احتواؤها لا تدميرها، وبين سلوك النظام الإيراني ذاته، الذي يبدو مستعدًا للمغامرة بدمار الدولة في سبيل الحفاظ على حكمه.
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، لم تُحسم العلاقة بين "الدولة" و"النظام". فالدولة، بوصفها كيانًا سياديًا قائمًا على مؤسسات وإدارة عقلانية للمصالح، بقيت محكومة بمنطق النظام، الذي يستمد شرعيته من أيديولوجيا ثورية عابرة للحدود. وقد أدى هذا التداخل إلى إنتاج بنية هجينة، تتعايش فيها مؤسسات الدولة الرسمية مع شبكات موازية ذات طابع أمني–عقائدي، في مقدمتها الحرس الثوري.
يظهر النظام الإيراني وكأنه يتحرك وفق منطق مغاير، حيث تُعاد صياغة المصلحة الوطنية من زاوية بقاء السلطة.
هذا الازدواج لم يكن مجرد خلل إداري، بل شكّل نمطًا دائمًا في إدارة السياسة الداخلية والخارجية. فحين تتعارض مصلحة الدولة –بمعناها الاقتصادي والاجتماعي– مع مصلحة النظام، غالبًا ما ترجح الكفة لصالح الأخير. ومن هنا، يمكن فهم كثير من السياسات الإيرانية، من التوسع الإقليمي إلى إدارة الملف النووي، إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز، إلى احتمالات توريث موقع المرشد الأعلى، إلى تغوّل الحرس الثوري على صلاحيات الرئيس، بوصفها أدوات لتعزيز موقع النظام، لا لتعظيم مصلحة الدولة.
على الضفة الأخرى، تبدو المقاربة الأميركية، على الرغم من عدائيتها المعلنة، أكثر براغماتية في التعامل مع إيران. فواشنطن، التي خاضت أشكالًا متعددة من الصراع مع طهران – من العقوبات القصوى إلى المواجهات غير المباشرة والمباشرة – لم تتبنَّ خيار تدمير الدولة الإيرانية أو تفكيك مؤسساتها. ويمكن تفسير ذلك بأن انهيار دولة بحجم إيران، جغرافيًا وديمغرافيًا، من شأنه أن يفتح المجال لفوضى إقليمية يصعب احتواؤها، تتجاوز في تداعياتها ما شهدته المنطقة في تجارب قريبة. كما أن الحفاظ على الحد الأدنى من بنية الدولة يضمن إمكانية التفاوض، ويحول دون تحوّل إيران إلى ساحة مفتوحة لصراعات غير قابلة للضبط.
في هذا السياق، تبدو السياسة الأميركية قائمة على مفارقة محسوبة: تصعيد الضغط على النظام، مقابل الحرص على عدم دفع الدولة إلى الانهيار الكامل. إنها محاولة لإعادة ضبط السلوك، لا لتفكيك الكيان، وهو ما يفسر حدود التصعيد، حتى في أكثر لحظات التوتر حدّة.
في المقابل، يظهر النظام الإيراني وكأنه يتحرك وفق منطق مغاير، حيث تُعاد صياغة المصلحة الوطنية من زاوية بقاء السلطة. فالعقوبات الاقتصادية، التي أنهكت المجتمع الإيراني وأضعفت البنية الاقتصادية، لم تدفع إلى مراجعة استراتيجية بقدر ما عززت نزعة الانغلاق. كما أن توسيع دوائر الصراع الإقليمي يعكس تصورًا يعتبر النفوذ الخارجي امتدادًا لأمن النظام، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الداخل.
الأخطر أن هذا المنطق ينطوي على استعداد لتحمّل مخاطر استراتيجية عالية، بما في ذلك احتمالات المواجهة المباشرة، من دون ضمانات حقيقية لاحتواء نتائجها. وفي هذا الإطار، تتحول الدولة، بمؤسساتها واقتصادها ومجتمعها، إلى ساحة تُدار فيها معركة البقاء السياسي، لا إلى غاية ينبغي حمايتها. وهذا ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود قدرة أي نظام على الاستمرار حين يضعف الأساس الذي يقوم عليه.
لا يمكن فصل هذا المأزق عن الداخل الإيراني، حيث تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة. غير أن هذه الضغوط، بدل أن تدفع نحو إصلاحات بنيوية تعيد التوازن بين الدولة والنظام، تُقابل غالبًا بمقاربات أمنية تعزز من هيمنة الثاني على حساب الأولى. ومع استمرار هذا المسار، تتآكل تدريجيًا قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، ويتعمق الاعتماد على أدوات السيطرة بدل أدوات الإدارة.
تتجلى هنا مفارقة إضافية: فكلما سعى النظام إلى حماية نفسه عبر تشديد قبضته، ازداد إضعافه للبنية التي تمنحه القدرة على الاستمرار، أي الدولة نفسها. ومع تزايد الاعتماد على شبكات موازية، وتراجع دور المؤسسات الرسمية، يصبح النظام أكثر هشاشة مما يبدو عليه ظاهريًا، لأنه يفقد تدريجيًا الوسيط المؤسسي الذي يربطه بالمجتمع.
احتمال انزلاق الدولة إلى الانهيار هو الأخطر، لا سيما أن أحد أزلام النظام الإيراني، وهو بشار الأسد، كان قد ضحّى بالدولة وعرّضها للدمار مقابل بقائه في السلطة، ولو لسنوات قليلة، فذهب النظام وانهارت الدولة.
في ضوء ذلك، يبدو مستقبل إيران مفتوحًا على احتمالات متعددة، يتراوح مداها بين استمرار هذا التوازن الهش، أو الانزلاق إلى أزمات أعمق، أو الشروع في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والنظام. إلا أن العامل الحاسم في جميع هذه السيناريوهات يظل مرتبطًا بقدرة النظام على إدراك حدود المغامرة وإعادة النظر في أولوياته، قبل أن تتحول الضغوط المتراكمة إلى نقطة تحول يصعب احتواؤها.
ويبدو أن احتمال انزلاق الدولة إلى الانهيار هو الأخطر، لا سيما أن أحد أزلام النظام الإيراني، وهو بشار الأسد، كان قد ضحّى بالدولة وعرّضها للدمار مقابل بقائه في السلطة، ولو لسنوات قليلة، فذهب النظام وانهارت الدولة.
تقف إيران، في هذا المعنى، أمام مفترق طرق حقيقي، لا يتعلق فقط بطبيعة نظامها السياسي، بل بمصير الدولة نفسها. وفي مفارقة لافتة، يبدو أن خصومها يسعون، لأسبابهم الخاصة، إلى الحفاظ على هذه الدولة، بغية الاستفادة من مقدراتها، بينما يغامر النظام، عن قصد أو بحكم بنيته، بإضعافها، بل وحتى بدمارها. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على النظام دون الحفاظ على الدولة، أو ما إذا كان انهيار الثانية سيقود بالضرورة إلى سقوط الأول.
Loading ads...
هذا السؤال، في جوهره، لا يخص إيران وحدها، بل يعكس معضلة أوسع في المنطقة، حيث تتداخل حدود الدولة والنظام، وتتقاطع حسابات البقاء مع شروط الاستقرار، في لحظة تاريخية تتسم بدرجة عالية من الهشاشة وعدم اليقين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



